إسلام ويب

تفسير سورة الروم [33 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الواجبات على المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى في سرائه وضرائه، لا أن يلجأ إلى الله في حال الشدة والكرب فقط كما هو حال المشركين، ثم ينقلبون إلى الشرك بمجرد أن ينجيهم الله من الكرب الواقع بهم، فإذا لجأت إلى الله تعالى في حال الشدة والرخاء معاً فتح لك من أبواب خزائنه التي لا تنضب، وبسط لك رزقه من حيث لا تعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الروم:

    وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:33-39].

    في هذه الآيات من سورة الروم يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن طبيعة الإنسان فيقول سبحانه: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم:33]، ففي وقت نزول البلاء، وفي وقت نزول الشدة والمصائب، وفي وقت قحط المطر وشدة الناس في طعامهم وشرابهم يبتليهم الله سبحانه وتعالى، فإذا بهم يرجعون إلى الله ويدعونه وحده لا شريك له، قال: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ [الروم:33]، والتعبير بالمس دال على أقل شيء يمسه من الضر، فإذا بهم يدعون ربهم ويرجعون إليه سبحانه وتعالى متأدبين منيبين راجعين تائبين من ذنوبهم، والإنسان في وقت بلائه يفعل ذلك، ويرجو أن يكشف الله عز وجل عنه ضره، قال: ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم:33]، ورحمة الله عظيمة واسعة، وأعظم ما تكون يوم القيامة، فقد قسم الله عز وجل الرحمة مائة جزء، فجعل منها جزءاً واحداً في الأرض يتراحم منه الخلق جميعاً، الإنس والجن والبهائم، وأبقى عنده تسعة وتسعين جزءاً ليرحم به الخلق يوم القيامة، ويضيف إليهم هذا الجزء الذي كان بينهم في الدنيا، فهنا إذا أذاقهم شيئاً من رحمته سبحانه وتعالى إذا بهم يشركون، والمفترض بالإنسان إذا ذاق البأساء والضراء، وذاق كيف تكون الشدة في الدنيا، ودعا ربه وأناب إليه، فمن المفترض أن يظل على ذلك دائماً، فيدعو الله عز وجل تائباً إليه مستقيماً على الصلاة.

    ولكن الإنسان معوج بطبيعته لا يستقيم، فإذا أذاقه الله عز وجل شيئاً من الرحمة، وعبر: بأذاقه، وكأنه مهما أوتي من شيء في هذه الدنيا فهو قليل، لكن أن يطعمك حقيقة فهذا في الجنة، ويوم القيامة، لكن في الدنيا يذيقك ويمسك فيعطيك شيئاً يسيراً، وإن كانت رحمة الله عز وجل كلها عظيمة.

    قال: ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم:33]، والفريق الآخر مستمرون على التوحيد، وفريق يكفرون بالله سبحانه، ويجحدون نعم الله عز وجل، إما كفراً أكبر فيخرجون من دين الإسلام، وإما كفر جحود، كأن يقال لأحدهم: إن الله أعطاك فاحمد الله، فيقول: قد وقعت بي مصيبة ووقع لي كذا! فيجحد، وكأنه يحتقر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، فهذا من كفر الإنسان وجحوده، قال الله عز وجل: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات:6] أي: جحود، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات:7]، فسيشهد على نفسه بذلك، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ [العاديات:8] أي: المال، لَشَدِيدٌ [العاديات:8] يحب المال كثيراً، ويحب أن يعطيه الله عز وجل الرزق الواسع العظيم، وينسى الدار الآخرة، فلذلك يقول تعالى هنا: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم:33] أي: ينسبون الفضل إلى غير الله سبحانه، فتجد الإنسان يعطيه الله مالاً ثم يقول: فلان أعطاني كذا، وينسى الله سبحانه وتعالى! فيشكر فلاناً، وينسى أن يحمد الله سبحانه ويشكره على ما أعطاه.

    يقول هنا: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم:33]، والتعبير بالفريق هنا يدل على عدم شرك الفريق الآخر، وهم أهل التوحيد، أهل الإيمان الخالص، عباد الرحمن سبحانه، الذين يعبدونه ويرجونه في السراء والضراء، فإن أنعم عليهم الله عز وجل وخافوا، وإن أنزل بهم من بأسه وضرائه إذا بهم يجأرون إلى الله في كل وقت بالدعاء حامدين شاكرين صابرين محتسبين شاكرين ربهم سبحانه وتعالى، أما الفريق الآخر من العباد فهم الذين يشركون، وهذا الصنف هو الأكثر غالباً، كما قال سبحانه وتعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، فالذين يشكرون الله سبحانه وتعالى حق الشكر ويحمدونه حق الحمد قليلون، والكثيرون يقولون: الحمد لله، وقد يقولها بلسانه ولكن قلبه لا يوافقه على ذلك، فتجد الإنسان إذا أتته نعمة فقلت له: احمد الله تعالى، قال لك متذمراً: نحن نحمد الله دائماً! وكأنه معترض على الله، ولو لم يقل ذلك لكان أفضل له، فيقولها معترضاً على ربه سبحانه، ولكن المؤمن يحمد الله سبحانه، ويعلم أن وراء البلية خير عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فإذا ضيق عليه يقول: الحمد لله وسيعوضني الله يوم القيامة، فالمحصلة والمخزن والحصالة حقي عند الله سبحانه تبارك وتعالى يدخر لي ذلك، فالإنسان المؤمن يرجو فضل الله ورحمته سبحانه فيشكره، وقليل من عباد الله الشكور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم...)

    قال الله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الروم:34]، واللام هنا: إما لام الأمر وإما لام كي، وكأنه أمر للتهديد والوعيد، كقوله سبحانه: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[فصلت:40]، فأين ستذهب من الله؟ فلام الأمر هنا تفيد التهديد والوعيد، ولام كي تفيد التعددية، وكأن المقصود بها هنا: العاقل، أي: لتكون عاقبتهم أن يكفروا بالله سبحانه وبما آتاهم، فيعاقبهم الله يوم القيامة على ذلك.

    قال: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا، يقول للعباد: تمتعوا بما آتيناكم في هذه الدنيا، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، أي: سترون يوم القيامة أن هذه الدنيا كانت تافهة لا قيمة لها، إذ إنكم فرحتم بها وضيعتم الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون)

    يقول سبحانه: أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم:35]، والمقصود بالسلطان: كتاب وعلم من عند الله سبحانه، يعني: هل آتيناهم كتاباً يتكلمون به ويحاجونك به يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟! وهل يتكلم هذا الكتاب الذي عندهم بما كانوا به يشركون؟ فليس عندهم أثارة من علم على ذلك، وليس للكفار شيء إلا الهوى، وليس عندهم إلا الباطل والكذب، والاستفهام هنا معناه: النفي، أي: ليس عندهم كتاب ولا حجة ولا برهان من الله سبحانه، فالسلطان هنا مأخوذ من التسلط، والتسلط قد يكون بالقوة، وقد يكون بالحجة والبيان، فالمعنى هنا: هل معهم ما يتسلطون به عليكم ويحاجونك ويجادلونك به من عند رب العالمين؟ والجواب لا، ليس عندهم ذلك، فلم يكذبون ويكذبون؟

    قال تعالى: أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم:35] يعني: هل هذا السلطان والكتاب والعلم يخبر بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم:35]؟ الجواب: لا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها...)

    قال سبحانه: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم:36] أي: إذا أذقنا الناس رحمة منه سبحانه، ورحمة الله عظيمة واسعة، فرحمته في الدنيا: ما يراه الإنسان من صحة وعافية، ومن مال وسعة في الرزق، ومن مطر ينزل عليه من السماء، فرحمات الله عز وجل عظيمة على عباده.

    فإذا أذاق الإنسان رحمة من خصب وسعة، من عافية ومطر، من أمن ودعة، إذا أعطاهم شيئاً من ذلك فرحوا به.

    قال: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم:36]، والسيئة هنا: بمعنى المصيبة والبلية التي هي من بليات الدهر والزمان، فالله عز وجل يبتليهم بها، قال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [الروم:36]، فما أصابك من مصيبة فبما كسبت يداك، وما ابتلاك الله سبحانه وتعالى به فهو ناتج بما جرت به يدك من آثام ومعاص، فيذيق الله عز وجل العباد بسببها عقوبتهم في الدنيا.

    قال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [الروم:36]، أي: ما يسوءهم بسبب ما اكتسبوه من المعاصي، إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم:36]، والقنوط: بالطاء اليأس، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ بفتح النون، وقراءة أبي عمرو ويعقوب والكسائي : إِذَا هُمْ يَقْنِطُونَ بكسرها، وليس فيها (يقنُطون) بالضم، فهي ليست قراءة ولا لغة فيها.

    قال: إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ، أي: ييئسون إذا أصابتهم المصيبة، وهذه عادة الإنسان إذا مات له قريب، أو حبيب يحبه، فإنه يقنط وييئس ويتضايق، ولا يطيق أحداً، وبل يظل على ذلك عمراً طويلاً في يأسه وفي ضيقه بسبب هذا الأمر الذي نزل به، فجاء دين رب العالمين ليجعل لنا حدوداً لا يجوز تجاوزها، فإن حزنت فلا تتجاوز الحدود فتيئس من رحمة الله، كما قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87]، فلا تقنط ولا تيئس ولا تعترض على أمر الله تعالى وقدره.

    وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)، وهذا لما مات ابنه إبراهيم ، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يحزن وتدمع عيناه ولا يمنعه ذلك من أن ينصح الناس، فالناس يقولون: خسفت الشمس لموت إبراهيم ، فإذا به مع شدة حزنه يقول للناس: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فهو يعلمهم مع أنه صلوات الله وسلامه عليه حزين وفي قلبه الرحمة على ابنه، لكنه لا يعترض على أمر الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر أن لـإبراهيم مرضعة عند الله عز وجل تكمل رضاعه، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن لابنه عند الله ما هو خير له مما في هذه الدنيا، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم بعد ابنه بشهور عليه الصلاة والسلام.

    فالإنسان قد يأخذه الحزن الشديد فيجب عليه ألا ييئس، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم مات ابنه وحزن عليه صلى الله عليه وسلم ثم مات بعده بشهور، فإذا مات لك قريب أو إنسان حبيب فلا تحزن عليه جداً؛ لأنك لا تدري لعلك تلحقه بعد ذلك، فإذا اعترضت على أمر الله سبحانه ثم مت على هذا الاعتراض فإنها مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة، ولكن المؤمن يصبر على أمر الله سبحانه، ويرضى بقضاء الله وقدره، فإذا بكى بكى بصوت هادئ، فلا يصيح ولا يعترض على قضاء الله فليس له ذلك، (فالنائحة من النساء تأتي يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت هذه النائحة من النساء فما بالك بالرجال الذين يفعلون كالنساء؟! فالغرض أنك لا تعترض على الله سبحانه، بل للإنسان الإحداد على الميت ثلاثة أيام فقط وليس له أكثر من ذلك، بل إذا كان أقل من ذلك فهو أفضل؛ لكي لا يظهر الحزن والجزع؛ لأن هذا شيء في القلب، وإذا دمعت العين فلا شيء في ذلك، أما المرأة فإنها تحد على الزوج أربعة أشهر وعشراً، فيجب على الإنسان ألا يتجاوز الحد المحدود له شرعاً، وألا يزيد في أمر البكاء وتهييج المشاعر بحيث يصل به الحال إلى الاعتراض على الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء)

    يقول سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم:37] (أو لم يروا) أي: أفلا ترون ذلك؟ أن الله يعطي ويمنع، يرفع ويضع، يبسط ويوسع، يقدر ويضيق، فيبسط لمن يشاء ويضيق على من يشاء، ولا يعني أن من بسط له في الرزق أن الله يحبه، فالله عز وجل يضيق على من يشاء، ويوسع لمن يشاء لحكمة يعلمها هو، فقد ضيق على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته كلها عليه الصلاة والسلام، حتى فتحت له في آخر حياته الفتوح فلم يستمتع بها صلى الله عليه وسلم، بل توفي عليه الصلاة والسلام ولم يستمتع من الدنيا بشيء، ولذلك كان بعض الصحابة يأكل خبز الشعير وخبز القمح ويقول لمن حوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما شبع من خبز الشعير ثلاثة أيام، صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نأكل خبز القمح ثم ننام -كما نزعم- جائعين مع ذلك! وهو صلى الله عليه وسلم لم يشبع من الخبز الحاف، فضلاً عن خبز القمح، فما ذاقه النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان يأكل خبز الشعير عليه الصلاة والسلام، وكان يضع الحجر على بطنه من شدة الجوع ليلة وراء ليلة، وهو لا يجد ما يأكله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحت عليه الدنيا وفتحت له الفتوح عليه الصلاة والسلام إذا به يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فهذا المال ليس لي ولا لأهلي من بعدي، بل هو مال الله عز وجل، فليس لي من مغانمكم أموالكم إلا الخمس، قال: (والخمس مردود عليكم) أي: وحتى الخمس الذي له صلوات الله وسلامه عليه مردود على الناس، يعطيه للضيف ولابن السبيل ونحوهما، هذا هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.