إسلام ويب

تفسير سورة الروم [28 - 30]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يضرب الله عز وجل الأمثال للخلق لتقريب المعلومة إلى الذهن، ومن باب إقامة الحجة عليهم، وقد ذكر تعالى في هذه السورة مثلاً عظيماً، وهو إلزام للمشركين بترك الشرك بالله، وهذا المثل هو أنهم يأنفون أن يشاركهم عبيدهم الذين هم ملك لهم في أموالهم، وهم مع ذلك يشركون مع الله غيره، وهم عبيد له وحده، ولله المثل الأعلى، فكأنه يقول: كيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الروم: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم:28]. ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في هذه السورة سورة الروم مثلاً من أنفسنا فضربه للعباد، ولله عز وجل المثل الأعلى، والقرآن يضرب الأمثال تقريباً للمعلومات في الذهن، فالله سبحانه يقرب الشيء الذي يريد الإنسان أن يفهمه، عن طريق ضرب الأمثال، وعن طريق التبيين والتوضيح والتفصيل، وعن طريق التكرار للمعنى بصور مختلفة، حتى يفهم الإنسان، ويعقل عن الله سبحانه وتعالى ما الذي يريده منه، ويقيم الله سبحانه وتعالى الحجة على العباد بذلك، ولا يستحي ربنا سبحانه أن يضرب لنا الأمثال بأقل الأشياء أو بأعلى الأشياء، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] فيضرب لنا المثل بالبعوضة وبالذبابة وبالشيء الكبير، ويضرب لنا المثل في أنفسنا ومن أنفسنا، وقال لنا: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] فهنا في أنفسنا عبرة نعتبر بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

    قال تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ حتى تعرفوا أنكم أنتم البشر يأنف أحدكم ويرفض أن يكون من هو أقل منه شريكاً له، فالإنسان الذي له متجر وله محل وعنده عامل أجير يعمل في هذا المحل يأنف صاحب المحل أن يكون هذا الأجير شريكه في المحل، هذا في الأجير الذي هو حر فكيف لو كان هذا عبداً تملكه وقد اشتريته بمالك؟! لا ترضى أبداً أن يقال: هذا العبد شريك لك في مالك، تأنف وترفض ذلك، وتقول: كيف يكون شريكاً لي وأنا اشتريته بمالي وهو ملك لي، ومن حقي أن أبيعه؟! ترفض ذلك، فالله عز وجل ضرب لنا هذا المثال: هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [الروم:28] أي: من العبيد الذين هم عندكم، مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [الروم:28] أي: العباد كلهم سواء، السيد الغني والعبد الذي لا يملك شيئاً والحر الفقير، الكل سواء في رزق الله سبحانه لا يرزقون أنفسهم، بل الله عز وجل هو الذي يرزق الجميع، فإذا كان الرزق ليس رزقك وليس مالك ولم تخلقه ولم تأت به، ولكن الله بكرمه أعطاك هذا المال الذي جعلت خليفة ومستخلفاً عليه، ومع ذلك ترفض أن يقال: هذا شريك لك في هذا المال، مع أنكم جميعاً سواء في رزق الله؛ لأن الله يرزقكم أنتم ومن تملكون؛ فكيف تدعون لله سبحانه أن يكون له شريك في ملكه سبحانه وهو الذي خلق العباد وخلق كل شيء سبحانه وتعالى؟!

    قال الله سبحانه: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ [الروم:28] أي: تخافون من عبيدكم هؤلاء كما تخافون من أنفسكم، تخافون أن ينقصوا عليكم الرزق، فأنت خائف على هذا الرزق الذي أعطاك الله سبحانه وتعالى.

    فأنت تخاف من هذا العبد أن ينفد هذا المال الذي في يدك، وترفض أن يكون عبدك شريكاً لك، فكيف تضرب لله عز وجل الأمثال؟ وكيف تزعم أن له الصاحبة والولد وله الند والشريك وهو الذي خلقكم وخلق أموالكم ولا يخاف شيئاً ولا يخشى أحداً سبحانه وتعالى؟

    قال: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم:28] أي: كهذا التفصيل العظيم نفصل الآيات لقوم يعقلون، وتفصيل الشيء يكون بتكراره وتوضيحه وتبيينه، فكذلك فصلناه وبيناه بياناً يعقله كل ذي عقل وكل ذي بصيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم...)

    قال الله تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [الروم:29] قوله: بَلِ بل للإضراب يعني: اضرب عن هذا فمهما أتيتهم بحجج الله سبحانه فهم لا يريدون أن يفهموا أصلاً، بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ فإذا كان الإنسان صاحب هوى وجلست معه لتقنعه بالشيء الواضح، فمهما حاولت أن توضح له فلن يقتنع إلا بالذي في دماغه، فها هم المشركون لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه كانت عقولهم في شركهم وأوثانهم، فقالوا: أنت تريد أن تأخذ منا الرئاسة، وتريد أن تأخذ منا المكانة، فلن نقبل منك الذي تقوله، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:90-93] كل هذا: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:93].

    أي: لن نؤمن بعد هذا كله حتى تأتينا بكتاب من السماء مختوم من رب العزة سبحانه ونقرؤه ونجد فيه رسوله! ويقول له بعضهم: وحتى لو فعلت ذلك ما أظن أنني أؤمن بك! يعني: صاحب الهوى لا يؤمن ولا يستجيب، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم، فهم أصحاب هوى مهما أقنعتهم لا يقتنعون في الظاهر، وإنما في الباطن، هم يعرفون الحق فيعاندون ويستكبرون، لذلك قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام:33] أي: لا تحزن على ذلك، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] يعني: هم لا يعتقدون أنك كذاب، كيف وهم يلقبونك بالصادق الأمين، بل هؤلاء يجحدون، أي: يكتمون الحق مع تيقنهم بأنه حق، فهؤلاء المشركون لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتقدون أنه كاذب، بل يعتقدون أنه صادق عليه الصلاة والسلام، ولكن كما قال أبو جهل : كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا الحجيج فأطعمنا، وسقوا الحجيج فسقينا، وكلما عملوا من الخيرات عملنا، ثم زعموا أن فيهم نبياً فأنى لنا بنبي؟!

    إذاً: تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم بسبب الحسد، فهم يعترضون على أمر الله سبحانه أن اختار النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره.

    بل يصرحون: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] أي: لماذا نزل هذا القرآن على الوليد بن المغيرة من مكة أو على عروة الثقفي من ثقيف من الطائف؟ لماذا نزل عليك أنت هذا القرآن؟

    فالحسد للنبي صلوات الله وسلامه عليه هو الذي جعلهم يعترضون على نبوته، قال الله عز وجل له ولهؤلاء الناس: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54] وقوله هنا: النَّاسَ المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال سبحانه في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الروم:29] أي: ليس عندهم آثار من علم، وليس عندهم دليل من رب العالمين يسوقهم ويقودهم إلى ما يزعمونه من كلام باطل.

    قال: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [الروم:29] أي: مستحيل أن الله عز وجل يهدي إنساناً استحق هذه الضلالة، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل:37] أي: لا يهدى من يضله الله سبحانه وتعالى، والذي يضله الله سبحانه هو من علم الله سبحانه أنه لا يستحق إلا النار، فيختم على قلبه ويطبع على قلبه فلا يستجيب ولا يفهم ولا يعقل.

    فقوله: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي: لا أحد يهدي من أراد الله به الضلالة؛ لعلم الله عز وجل أن هذا يستحق ذلك.

    قوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ يعني: في ظلمهم واتباعهم أهواءهم ومحاربتهم النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لهم ناصر ينصرهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالله ينصر دينه وقت ما يشاء سبحانه، ويخذل الشرك والمشركين وما لهم من ناصرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً ...)

    يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يقيم وجهه للدين حنيفاً فقال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] أي: قوم نفسك ووجه وجهك وتوجه إلى ربك، وإلى شرع الله سبحانه، وسر على الصراط المستقيم، فإقامة الوجه هو تقويم الطريق والمقصد والقوة على الجد في أعمال دين الله سبحانه وتعالى.

    وخص وجه الإنسان بالذكر؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، والإنسان إذا وجه وجهه إلى شيء سيسير إلى هذه الوجهة التي توجه إليها.

    قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي: دين رب العالمين.

    قوله: حَنِيفًا أي: كن مستقيماً على هذا الدين، وسيكرر لنا مرة ثانية ويصف هذا الدين أنه الدين القيم العظيم فأقم وجهك للدين القيم.

    إذاً: قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا أي: توجه إلى دين رب العالمين سبحانه حنيفاً، وأصل الحنف: الميل، ورجل أحنف بمعنى أن ساقيه مائلتان، ووصف إبراهيم بأنه حنيف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أي: مائل عن كل من على الأرض من مشركين بالله سبحانه وكفرة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو وحده الذي كان على التوحيد، فمال عن جميع الأديان الباطلة وأعرض عنها وابتعد عنها، فسمي بالحنيف، والحنيف هو المائل المبتعد عن الباطل.

    ثم صارت هذه الكلمة دليلاً على الاستقامة، فأصبحت كلمة الحنيف على المعنى الشرعي أنه المستقيم على دين الله عز وجل.

    فقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا أي: معتدلاً مائلاً عن الزيغ وعن الهوى وعن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.

    قوله: فِطْرَةَ اللَّهِ يعني: هذا الدين فطرة الله سبحانه وتعالى، الذي هو دين الإسلام دين الفطرة، وكأنه قال: فأقم وجهك للذي فطرك الله سبحانه وتعالى على هذا الدين العظيم.

    وقوله: فِطْرَةَ اللَّهِ كلمة (فطرة) هذه مصدر، المعنى أنها نائب عن المفعول المطلق، كأنه فطر الله فطرة، وجاء بالمفعول المطلق الذي منها فقال: فِطْرَةَ اللَّهِ .

    وكلمة (فطرة) عند الوقف عليها هي مكتوبة بالتاء في المصحف، فإذا وقفت قرأت: (فطرت) بالتاء، هذا على قراءة الجمهور، ويقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب بالهاء (فطرة).

    معنى الفطرة

    قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] الفطرة خلقة الإنسان، والفطرة بدء خلق الإنسان، والله فاطر سبحانه وتعالى بمعنى مبتدئ الخلق، لم يكن قبل ذلك خلق فأوجده الله، وفطره وابتدعه وخلقه سبحانه وتعالى.

    أما فطرة الإنسان فيعبر بها عن الإسلام، ويعبر بها عن خصال الإسلام، ويعبر بهذه الكلمة (الفطرة) عن أصل الخلقة والدين الذي عليه الإنسان الذي أوجده الله عز وجل في قلبه، فقلبه السليم فطر على حب دين الله عز وجل، إلا أن يدخل فيه شيء يوجهه شمالاً أو يميناً، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، -وفي رواية: على الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، فهنا في هذا الحديث أن كل مولود يولد على الفطرة، لو أنه ترك وحده بدون تدخل من الأبوين، لتوجه إلى دين رب العالمين سبحانه وتعالى؛ لأن في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، فالله عز وجل خلق العباد قبل أن يوجدهم في هذه الدنيا، وأخذ عليهم وهم في ظهر آدم الميثاق، فهو سبحانه استخرج ذرية آدم من ظهره كأمثال الذر، ثم أشهدهم على أنفسهم، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.

    إذاً: يوجد في قلب كل إنسان التعرف على ربه سبحانه وتوحيد ربه سبحانه وتعالى، ولم يترك الله عز وجل العباد لذلك فقط، وإنما بعث إليهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب؛ ليهدي عباده، وجعل في قلوبهم ما يدلهم على ربهم سبحانه وتعالى، وأنشأهم حين يولدون على هذه الفطرة: معرفة الله وتوحيده سبحانه وتعالى، فإذا بالعبد ينمو على ذلك، وإذا بأبويه يتدخلان في ذلك، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وفي رواية: (أو يشركانه) يعني: الإنسان يولد على الفطرة، ثم الأم تعلم الولد أو الأب يعلم الولد النصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من الملل الكفرية، لكن لو ترك على ما في داخل قلبه لصار إلى طريق الإسلام، كما ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة).

    وضرب لنا مثلاً فقال: (كما تنتج البهيمة جمعاء) أي: الناقة والبقرة والشاة كل هذه الأنعام خلقها الله عز وجل مكتملة الخلق، (هل تحسون فيها من جدعاء؟) يعني: هل يوجد من البقر أو من الغنم أو من الإبل ما تكون إذنها مشقوقة؟ لا يحدث إلا أن تكون أو نادرة من النوادر؛ ليرينا الله عز وجل آياته، فكذلك الله عز وجل خلق الإنسان مكتملاً، وخلق في قلبه ما يدعوه إلى توحيد ربه سبحانه، ولكن إذا تدخل البشر أضلوا هذا الإنسان.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، قال عز وجل: كل مال نحلته عبداً فهو حلال).

    أي: هذه الأموال التي يرزقكم الله سبحانه هي حلال لكم، طالما أنها حلال وطالما أنكم سعيتم فيها من وجه حلال فهي مباحة لكم، ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) يعني: على الدين وعلى الفطرة وعلى توحيد الله على الإسلام العظيم، ثم قال: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم).

    (فاجتالتهم) يعني: استخفوا بهم وأذهبوهم عن دينهم، وجالوا معهم في الباطل، فالشيطان لا يترك الإنسان بل يستخف به شيئاً فشيئاً حتى تعتريه الخفة والطيش والتهور ويبتعد عن الله سبحانه وعن طريق الهداية: وفي رواية: (فاختالتهم الشياطين).

    وكأنها بمعنى الحبس عن دين الله سبحانه وتعالى، والصد عن دين الله سبحانه، ثم قال في هذا الحديث: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، قال الله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103]).

    فربنا سبحانه لم يحرم الواصلة ولا الحامي ولم يحرم الذي حرمه أهل الجاهلية من أشياء، فيقول سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ بحروا أي: شقوا أذنها، فالناقة إذا أتت بأنثى وبعدها أنثى فجزاء لها ألا نذبحها ولا نأكلها، بل نتركها معززة مكرمة، هذه البحيرة، أما السائبة فهي التي ولدت وولدها كبر حتى ولد فيتركونها ولا يذبحونها.

    من الذي حرم عليكم أن تأكلوها؟ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103]، فيكذبون على الله سبحانه! وقال هنا: إن الذي أمرهم بذلك الشياطين، اجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.