إسلام ويب

تفسير سورة الروم [1 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل بهزيمة الروم، ثم وعدهم بالنصر بعد ذلك على الفرس، وكان ما قال؛ ليبين أن وعده سبحانه نافذ ولا مرد له ولا دافع، ونصر الله تعالى هو حليف المؤمنين في كل زمان إذا هم نصروا دينه، والكفار لا يزالون في عتوهم ونفورهم وتكبرهم على أوامر الله وعلى الحق، والله يدعوهم إلى الرجوع إليه والنظر في آلائه الدالة على ربوبيته دون ما سواه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم . غلبت الروم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    فقال الله عز وجل في سورة الروم:

    بسم الله الرحمن الرحيم الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم:1-8].

    بدأ الله سبحانه تبارك وتعالى هذه السورة بهذه البشارة للمؤمنين، وهي أن الروم الذين غلبوا في أدنى الأرض سيغلبون عدوهم من الفرس بعد ذلك، وكان المشركون قد شمتوا بالمسلمين حين بلغ الجميع أن الروم قد هزمت؛ لأن الروم أهل كتاب وهم أقرب إلى المؤمنين من المشركين، وبلاد الفرس عباد نيران، وهم أقرب إلى المشركين ومن أعدى أعداء المسلمين، وفي الآية السابقة يطمئن الله سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين أن الغلبة لعباده المؤمنين، وكأن المسلمين حينها كانوا ينظرون في عواقب الأمور ويتوسمون أن أهل الكتاب إذا انتصروا فنحن سننتصر يوماً من الأيام، وإذا هزم أهل الكتاب نظر المشركون إلى المسلمين وقالوا: أنتم أيضاً ستهزمون في يوم من الأيام، فرد الله سبحانه زعم المشركين فقال عز وجل: غُلِبَتِ الرُّومُ * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون.

    القول في الحروف المقطعة في أوائل السور

    بدأت السورة بذكر الحروف المقطعة قال تعالى: الم [الروم:1] وهذه من حروف اللغة العربية التي يتحدى بها الله عز وجل الخلق جميعهم، والتحدي: أن هاتوا كتاباً مثل هذا القرآن فيه مثل هذا الإعجاز العظيم وهو من جنس الحروف التي تنطقون بها الم.

    وذكرنا فيما مضى فقلنا: إن الغالب أنه إذا ابتدأت السورة بحروف، تتكرر هذه الحروف في هذه السورة، فيكون نسبة تكرار هذه الحروف وخاصة الحرف الأول منها أعلى نسبة من نسب التكرار في السورة نفسها، فيكون الألف أعلى حرف تكرر في هذه السورة، يليه اللام، ثم المجموع من الألف واللام والميم يكون أعلى ما تكرر في هذه السورة.

    وهذا ضرب من ضروب الإعجاز الذي يتحدى الله سبحانه وتعالى الخلق أن هاتوا كتاباً مثل هذا الكتاب، أو سورة مثل هذه السورة، فيتجلى في السورة دقة الأحكام التي فيها، وجمالها في بلاغتها وفصاحتها وإتقانها، وفي التشريع الذي تضمنته آياتها، وما فيها من إعجاز علمي، ومن نبوءة صحيحة صادقة، كالإخبار بأخبار صادقة سابقة على النبي صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك وغيره كثير، فتجد فيه إعجاز هذا الكتاب العظيم الذي يقول فيه الإنسان المنصف إذا قرأه: يستحيل أن يكون هذا من قول البشر.

    كما أن من فوائد الحروف المقطعة في أوائل السور أيضاً: شد وجذب الانتباه، فالعرب لم يكونوا معتادين على ذلك، فلم يسمع العربي أحداً يقول له: الم، فإذا سمعها جهل ما الذي يقصده قائلها، فانتفض ليسمع ما الذي يريده؟ وذلك كما يسمع الإنسان صوتاً غريباً لم يعتد على سماعه، فيجتهد أن يصغي إليه، على خلاف الصوت الذي قد اعتاد أن يسمعه، فقد يمر على أذنه من غير أن ينتبه إليه.

    ومثال ذلك: ما يحدث لو مر بكم القطار وأنتم تعرفونه، فإنه كلما مرّ كأنه لم يمر، ولا ينتبه لمروره أحد منكم بخلاف إنسان كانت هذه هي أول مرة يرى فيها القطار، فإنه إذا مر القطار سيجتهد أن ينظر إليه، وسيتملكه العجب عند رؤيته له، فكذلك عندما يأتيهم من الله سبحانه تبارك وتعالى شيء لم يعتادوا عليه كقوله سبحانه: الم [الروم:1] فإنه يشدهم فيسألوا: ماذا تعني هذه الحروف؟ وقد يحرصون على أن يسمعوا ما يقوله صلى الله عليه وسلم، ليعرفوا ما يريد من هذه الأحرف، فكأن القرآن يقول لهم: تعالوا واسمعوا غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:2-3]، وعند سماعهم يزدادون عجباً على عجب، فيتساءلون: ما الذي تقوله؟ وهل ما تخبر به من أن الروم ستنتصر على فارس حقاً؟ فيعلق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بأذهانهم، ويظلون يتوقعون ويتحدثون: هل سيصدق ما أخبر به القرآن أم أنه سيكذب؟ أما المؤمنون فهم جازمون بصدق كلام رب العالمين.

    أبو بكر يراهن على صدق ما وعد به القرآن

    أبو بكر الصديق بعد نزول الآيات في صدر سور الروم يندفع في أرجاء مكة وينادي على أهل مكة الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4] فقد روى الإمام الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه لما نزلت هذه الآية الم * غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم:1-2] خرج أبو بكر بها إلى المشركين وذكر ونادى في أرجاء مكة بذلك، غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:2-3].

    فقال الكفار: أفلا نراهن على ذلك، أي: نراهنك أنه لن يحصل الذي تقول به، فيقبل منهم أبو بكر الصديق هذه المراهنة، والرهان نوع من القمار، وأصل القمار من قمره في الشيء بمعنى: غلبه فيه، وهي بمعنى: الخطر والمخاطرة؛ لأن مال أحد الطرفين على خطر، فإنه إما أن يكسب، أو يُغلب فيضيع منه ماله، وكان هذا موجوداً في أول الإسلام، وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بقليل، ثم حرم بعد ذلك، وقد كان هذا الأمر موجوداً في الأعوام المكية، فلذلك راهنهم أبو بكر في أن الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم هو صدق، وبعد أن ارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، قالوا لـأبي بكر رضي الله عنه: كم تجعل البضع؟ فاتفقوا على ست سنوات، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه اجتهد حين وافقهم على الست السنوات، وإلا فالآية لم تحدد ذلك، وقد أخطأ رضي الله عنه فيما اجتهد به، فهو ليس معصوماً، إنما العصمة لكتاب رب العالمين وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أما قول البشر فلا، والبضع في لغة العرب من ثلاثة إلى تسعة، فلما جاءت السنة السادسة لم يحصل الغلب الذي راهن عليه أبو بكر ، فعاب المسلمون ذلك على أبي بكر الصديق وقالوا: كيف تقول ستة والقرآن لم يقل: ستة؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : (أفلا احتطت لذلك؟) أي: بأن لا تنزل عن التسعة إلى الستة.

    وكانوا قد جعلوا الرهان خمس جمال، وجعلوا الأجل إلى ثلاث سنوات، وبعد ذلك زادوا في الأجل لدون التسع السنوات، ثم حدث ما أخبر به القرآن العظيم على ما قدمنا قبل ذلك، وغلبت الروم الفرس ففرح المسلمون، وكان هذا في يوم بدر، ففي يوم انتصار المسلمين على المشركين انتصر أهل الكتاب على المجوس، وفرح المسلمون بنصر الله سبحانه.

    وقد كان الفرس قوة عظمى في العدة والعتاد والروم كذلك، ولكن كان الفرس أقوى من الروم، وفي هذا الحين كان الفرس منتصرين على الروم نصراً عظيماً، وأخذوا منهم بلاداً من بلاد الروم، وكان الخوف ينتاب المسلمين، إذ عندما تتقابل قوتان عظيمتان إحداهما أقوى من الأخرى، وهذه الأقوى هي عدوة للمسلمين، فإن ذلك يجعل المسلمين يخافون أن ينتصر أعداءهم، كما أن المسلمين يفرحون بأن القوة الأخرى تنتصر عليهم، أما الفرح الأعظم فهو بنصر الله سبحانه الذي كان في يوم بدر، فحدث الانتصاران في هذا اليوم، ففرح المسلمون بنصر الله عز وجل لهم، وكذلك وقع ما اعتقده المسلمون من صدق كلام رب العالمين سبحانه وأن الروم تنتصر على الفرس، فعبر القرآن عن هذه الفرحة فقال: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:4-5]، ومعلوم أن النصر من أمر الله سبحانه تبارك وتعالى ومن قضائه وقدره، فهو ينصر من يشاء

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بنصر الله ينصر من يشاء ...)

    قال سبحانه: بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:5] ولم يقل في الآية: إنه ينصر المسلمين؛ لأن نصر المسلمين يحتاج إلى أخذ بأسباب النصر، ومتى وجدت الأسباب انتصر المسلمون، وإذا لم توجد الأسباب ينتصر الأقوى الذي يأخذ بالأسباب، ومن أهم أسباب النصر: العمل بشرع الله تعالى، فإذا كانت دولة المسلمين تعمل بشرع رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، فيأخذ فيها المظلوم حقه من ظالمه، ويحكم فيها بشرع الله تعالى، عند ذلك يجعل الله هذه الأمة مقدسة مطهرة، غالبة تغلب أعداءها، وإذا كانت أمة المسلمين يشيع فيها الظلم، ويهجر فيها كتاب الله وراء الظهور، فلن يكون لهم النصر، وإذا كان المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين يعملون بشرع الله رب العالمين، حين يعصون الله سبحانه ويعصون النبي صلى الله عليه وسلم يستحقون الهزيمة كما حصل في يوم أحد وفي أول يوم حنين، فكيف بحالهم بعد ذلك؟ فالمؤمن الذي يطيع الله سبحانه تبارك وتعالى ويأخذ بالأسباب، يستحق عون الله سبحانه، أما الذي يترك ما أمر الله عز وجل به فلا يستحق أن يعينه الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ولذلك قيد انتصار المؤمنين وفتح الله سبحانه على المؤمنين بقوله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]، فإذا أعد المسلمون العدة لقتال أعداء الله سبحانه، وأخذوا بالأسباب، فإن الله سبحانه ينصرهم على عدوهم ويكون معهم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] ، فإذا اتقى المسلمون ربهم سبحانه استحقوا أن يكون معهم، وإذا خالفوا ولم يتقوا الله لم يستحقوا معية الله سبحانه تبارك وتعالى؛ لأن الله مع المتقين، كما أن الله مع المحسنين أيضاً، فالمسلمون إذا أحسنوا واتقوا فالله معهم ينصرهم ويؤيدهم سبحانه، وإذا ظلموا وتركوا نصر دين الله سبحانه لم يستحقوا أن يكون الله سبحانه تبارك وتعالى معهم.

    والمسلمون حين أخذوا بأسباب النصر في بدر نصرهم الله تعالى، قال سبحانه عن ذلك اليوم: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم:4-5] أي: يفرحون أن نصر الله المؤمنين، وأن حقق ما وعد، بأن نصر الروم على الفرس، ثم أخبر أن النصر بمشيئته سبحانه فقال: بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:5] أي: ينصر من يشاء من عباده، فينصر المؤمنين ويجعل لهم الانتصار والغلبة إذا أطاعوا الله سبحانه، ويسلط عليهم غيرهم لأنهم عصوه: وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم:5] أي: العزيز الذي لا يسأل عما يفعل سبحانه تبارك وتعالى، فلا يحتج المغلوب على ربه فيقول: يا رب! لم هزمتنا؟ لم جعلت الأعداء يتملكون أمرنا؟ بل قل: هو العزيز، فلا يسأل عما يفعل سبحانه، فختم الآية بأنه العزيز الرحيم سبحانه تبارك وتعالى، والعزيز أي: المنيع الجانب، القاهر الذي لا يغلب سبحانه تبارك وتعالى.

    فإن هُزِم المسلمون ليس معناه أن الله سبحانه حاشاه تبارك وتعالى ليس بعزيز، فهو العزيز وله العزة سبحانه تبارك وتعالى ولرسوله وللمؤمنين، فينصر من يشاء وقد ينصر المسلمين، وقد ينصر عليهم غيرهم، ولكن هو العزيز سبحانه الذي لا يغلب أبداً وإن غلب الناس، فالله عز وجل عزيز قاهر غالب على أمره، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، كما أنه الرحيم بخلقه أجمعين سبحانه، ورحمته هي الرحمة العظيمة الدائمة في الدنيا وفي الآخرة، فرحمته بعباده المؤمنين أن يكون معهم ويؤيدهم وينزل شرعه الحكيم سبحانه تبارك وتعالى ليهديهم ويكون معهم سبحانه تبارك وتعالى في الدنيا وفي الآخرة.

    قال الله سبحانه: لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ [الروم:4] أي: لله الأمر من قبل الغلب ومن بعد الغلب، فالله هو مدبر الأمر سبحانه تبارك وتعالى، وكل شيء بيده، وكل شيء يملكه الله عز وجل، وفي الآية أخبر بانفراده بالقدرة والتقدير، كما أخبر بانفراده بالتحكم في كل شيء سبحانه، وبين أن الأمر بيده يفعل ما يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ...)

    إن نصر المؤمنين وعد من الله سبحانه لعباده، قال سبحانه: وَعْدَ اللَّهِ [الروم:6] والوعد مصدر، أي وعدكم وعداً، فهذا وعد من الله سبحانه، ولأنه منه سبحانه فإنه وعد حق، وقد عبر بالمصدر والمفعول المطلق حيث قال: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ [الروم:6] أي أنه وعد الله سبحانه ولا بد أن يتحقق موعوده: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)

    قال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] فبين في الآية أن ما لديهم من علم كـ لا علم، فهم يجهلون مع علمهم، أما ما يعلمون فهي علوم الظواهر من الحياة الدنيا، ولا يغوصون في بواطن هذه الأشياء، ولا يطلعون على ما وراءها، فهم يعلمون في الحياة الدنيا أن الماء ينزل من السماء في فصل كذا وفصل كذا وفي شهر كذا وشهر كذا، وبسبب علمهم ذاك يحددون مواسم البذور والأشهر المناسبة لكل نوع منها، ومواسم الري والحصاد وغير ذلك، فكان علمهم مقتصراً على ظواهر الحياة الدنيا، أما أنهم ينظرون نظر تأمل أن الذي أنزل الماء من السماء هو الله، وأنه لذلك يستحق أن يشكر وأن يعبد سبحانه تبارك وتعالى؛ فلا، وكأن علمهم علم بالدنيا فحسب، فيتلهفون كيف نكسب؟ وكيف نجمع هذا الذي كسبناه؟ وكيف نبني؟ وفعلهم وهمهم منحصر على ظواهر الدنيا، أما ما وراء ذلك من العلم بالغيب والإيمان بالله سبحانه تبارك وتعالى وشكر المنعم سبحانه تبارك وتعالى على ما أنعم على العباد فليس لهم به شأن، وهذا حال أكثر الناس، والأقل هم الذين يعلمون بما لهم من بصائر وبما في قلوبهم من إيمان، فتجدهم يشكرون الله سبحانه، ويعلمون أنه هو الحق المبين.

    إن من غفل عن الآخرة مهما أوتي من علم فعلمه كـ لاعلم، ومهما حاز الإنسان من رتب علمية كأن يكون أستاذاً أو دكتوراً أو غيرها من الرتب في الدنيا، ويشار إليه بالبنان وهو عن الآخرة غافل وغير مستعد للموت ولم يستعد للجنة ولا للنار فإن علمه كـ: (لاشيء) عند الله سبحانه تبارك وتعالى، وذلك لأنه لم ينتفع بذلك العلم بأن يخشى الله، وقد قال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فإذا أورثه هذا العلم الخوف من الله سبحانه وخشيته فهو العلم النافع الذي سيجعله عبداً لله مؤمناً به سبحانه، أما علم في أمر ظواهر الدنيا لا يتعدى ذلك إلى الإيمان باليوم الآخر، بل ويظل صاحبه ملحداً وقد يدعي أن الطبيعة هي التي خلقته، وأن الله سبحانه لم ينزل كتاباً ولم يرسل رسولاً، فلا يعد علماً ولا يستحق صاحبه شيئاً، إنما يعيش في الحياة كبهيمة الأنعام ونهايته إلى النار والعياذ بالله.

    وقد أعاد الضمير في قوله: وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] تأكيداً ووصفهم بأنهم غافلون أي: في غفلة عظيمة عن الآخرة وعن الموت وعما يكون بعد الموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم ...)

    لأن الكفار يعطلون جوارحهم وأفئدتهم فقد أنكر الله عليهم غفلتهم فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم:8] فالاستفهام في الآية: للإنكار، وهو دعوة أن يتفكر المرء في نفسه.

    فقوله: (في أنفسهم) كلمة (في) تفيد الظرفية وليست مفعولاً به، ليكون المعنى: أن يتفكر الإنسان في نفسه وتظل النفس عنده محل التفكر ليعتبر بها! لا، بل تعني الظرفية أن يتفكر بينه وبين نفسه في صمت، فيعمل عقله منفرداً ويتفكر في السماوات وفي الأرض؛ لأنه حين يتفكر مع مجموعة من الكفار قد يقوم إليه بعضهم فيدعوه إلى الكفر وإلى البعد عن الله سبحانه، فيستحيي أن يقر أن هناك إلهاً موجوداً؛ لأن الباقين يقولون بخلاف ذلك، أما إذا فكر في نفسه فلن يضحك على نفسه، أو يكذب عليها.

    وفيها يخاطب الله عز وجل العبد: أن تفكر في نفسك، وهو عندما يدعو الناس إلى التفكر لا يريد أن يتفكروا مجموعات بل إن الله سبحانه تبارك وتعالى يأمر أن يتفكر المرء وحده أو مثنى أو ثلاث، فوحده مع نفسه، ومثنى أي: مع إنسان آخر؛ وذلك لأن العادة أن التفكير الجماعي يغلب فيه المجتمعون بعضهم بعضاً بعلو الصوت، وفيه قد يستحيي بعضهم من بعض فلا يتكلم معه، بخلاف التفكر الفردي أو الثنائي فإن المرء إذا كان وحده فسيمحص الفكرة ويعيد جريانها في ذهنه إلى أن يصل التفكير إلى أقصاه، فيثمر غايته، وكذلك إذا كان التفكير مع شخص آخر يعمل فكرة أيضاً، فإذا اختمرت الفكرة في ذهنه فله أن يشاور بعد ذلك مجموعات من الناس، فتكون المشاورة مع مجموعة من الناس والتفكير فرادى ومثاني، ويكون أمر الله سبحانه تبارك وتعالى بالتفكير متحققاً على هذه الصورة، وإنما جعل فرادى ومثاني لأن التفكير يحتاج من الإنسان أن يغوص في المعنى، وينفرد بنفسه حتى يتفكر فيما وراء الظواهر الحسية القريبة.

    آثار التفكير الفردي ومزاياه

    الله عندما يأمر بالتفكير يأمر به مثنى وفرادى، فإذا أمر بالشورى أمرهم جماعات فقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] .

    أما عند الأمر بالتفكير فيقول سبحانه: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46]، وفي الآية أمرهم أن يتفكروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو مجنون؟ فلو جلس مجموعة من الكفار ليتفكروا في ذلك لربما يطلع عليهم أبو جهل فيقول: هذا مجنون، ويحلف لهم على ذلك، وهم يخافون أن يكذبوا ساداتهم، فيقرون له أن محمداً مجنون، ويقولون كما يقول، وبذلك عُلِم عدم جدوى هذا النوع من التفكير، وأن التفكير الصحيح أن تجلس وحدك ثم تسائل نفسك: لم يقول فلان عليه أنه مجنون؟ أليس من الممكن أن يكون فلاناً في نفسه شيء من هذا النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهكذا.. وحينما يفعل الإنسان ذلك فيتفكر في نفسه يصل في النهاية أنه عليه الصلاة والسلام إنسان عاقل وأنه رسول من عند رب العالمين، ولذلك كان كفار قريش عندما يأتي رجل من خارج مكة يجتمعون إليه، ويقولون له: احذر كذاب قريش، ويظلون يوعزون صدره على النبي الكريم وينصحونه بزعمهم، إلى أن يسد أذنيه بشيء يمنعه من أن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يصل إليه، فإن كان عاقلاً لبيباً سمع فآمن وإلا فلا.

    ويقول بعضهم: إني جئت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقسمت عدد أصابع يدي: أني لا أسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله يشاء له الإيمان فيتفكر ويسائل نفسه: لم حلفت أني لا أسمعه؟ أفلا نسمعه ثم ننظر ما سيقول؟! فيرفع أصابعه من آذانه، ويكف عن القسم الذي حلفه، ويذهب للنبي صلى الله عليه وسلم لينظر، فيجد ما يقوله صحيحاً، ويعلم أن كلامه هو ما يؤيده العقل ويؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما صنعه هو التفكر الذي أمر الله عز وجل به، ومن الغباء أن تجعل غيرك يسخر منك بالأفكار التي يمليها عليك، بل لا بد أن تفكر مع نفسك: لم تقول هذا الشيء؟ لم تعاد هذا النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم تكذب هذا القرآن؟ وقد كان الوليد بن المغيرة يتفكر في القرآن ويسمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلوه، فما كان منه إلا أن يقول: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق - أي: مكتسي من فوقه ومن تحته بالخيرات - وما هو بقول بشر. وبعد ذلك يعايره قومه ويقولون له: ضحك عليك النبي صلى الله عليه وسلم. وهو لا يستطيع أن يرد إذ القرآن كلام جميل. وما يزالون به يقولون له: سحرك محمد صلى الله عليه وسلم، قل في القرآن شيئاً، فينتكس ويجيبهم إلى قولهم.

    ويخبرنا الله عن هذا الإنسان فيقول: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا [المدثر:11-14] وبعد كل الذي أعطيته يطلب المزيد: ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر:15-16] أي: معانداً مع معرفته بالحق، فقد عرف أنه الحق من عند رب العالمين، ثم جحده استحياءً من قومه أن يقولوا: سحرك محمد صلى الله عليه وسلم، أو أغراك فقال لك: سأعطيك مالاً أو ضحك عليك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخبر الله سبحانه عن تفكيره فيقول: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [المدثر:18-19] أي: لعنه الله في تفكيره وتقديره الذي قاله، فقد قال قولاً ذميماً بعد أن هدده قومه أن يفضحوه قال سبحانه مخبراً عنه: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:18-24] .

    وكان قد أقر بعد سماعه أن هذا ليس بقول البشر، فلما جاء الكفار إليه وقالوا له: ما الذي تقوله؟ أوقد تبعت محمداً وأصحابه؟ إنك بفعلك هذا ستجعل الناس يسخرون منا، فاستمالوه فقال: سنقول عنه: ساحر يسحر الناس بهذا الذي يقوله.

    ومن قصته رأينا كيف أنه تغير وتحول بعدما فكر في نفسه في البداية وقال: هذا الكلام ليس من قول البشر، والوليد بن المغيرة لم يكن رجلاً عادياً بل هو من سادة قريش وكبرائها، ولتعلم منزلته في قومه نسوق هذا الحدث لما دخل عمر بن الخطاب في الإسلام، فقد أتت إليه قريش جميعها تريد أن تضرب عمر رضي الله عنه وتقتله، فذهبوا إليه كالبحر كلهم يريد بيت عمر حتى إن عمر فزع من ذلك، وابن عمر واقف فوق سطح البيت ينظر أمواجاً من البشر التي جاءت تريد عمر، لكن الوليد بن المغيرة وحده رد هؤلاء جميعهم، وقال: أنا على دينه ارجعوا، فرجعوا كلهم وتركوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والوليد بن المغيرة لم يكن على دينه حقيقة ولكن كأنه يقول: أنا أجيره فلا يقربه أحد.

    فـالوليد حين يتفكر لوحده يعرف أن هذا القرآن حق من عند رب العالمين، فيقول: ما هو بقول بشر، وبعد أن يجتمع عليه قومه ويعيروه يخاف ويرجع عن قول الحق بل يقول عن القرآن: إن هذا إلا سحر يؤثر!

    لذلك الله عز وجل يقول للإنسان: تفكر في نفسك، ولا تجعل فكر غيرك يطغي عليك، فقد وهبتك عقلاً لتفكر فيه قال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم:8] أي: أنهم إذا تفكروا علموا أن هذه السماوات لم تخلق سدى وعبثاً، وأن هذه الأرض لم تخلق عبثاً، وأن هذه الآيات التي يراها الإنسان الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والبحار والأمواج والأسماك والحيتان فيها والطيور في السماء، لم يخلقها الله عبثاً، وبذلك يعلم الإنسان أن الله لم يخلق هذا كله عبثاً سبحانه تبارك وتعالى، بل خلقه لحكمة وغاية قال سبحانه: مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الروم:8] أي: خلقها متلبسة بالحق، فخلقها بعدله وبحكمته وبحقه سبحانه تبارك وتعالى قال: إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم:8] أي أن كل شيء مخلوق بأجل ولأجل مسمىً عند الله، فقد حدد وجوده وفناءه وبعثه يوم القيامة، فكل شيء موجود ليس بالتعمير في الدنيا إلى الأبد، ولكن إلى أجل مسمى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:61] ولكن الكثيرين من الناس يكفرون بذلك، قال سبحانه: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم:8] أي: بهذا الأجل المسمى وبالرجوع إلى الله لكافرون أما المؤمنون فهم وإن عاشوا في الدنيا وعمروا فيها فهم يعرفون أنهم راجعون إلى الله، فيعملون لله بالصدق وبالإخلاص وبالعلم وباليقين.