إسلام ويب

تفسير سورة النور [42 - 46]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يدلل الله عز وجل على عظيم قدرته في هذا الخلق والكون بأنه ينشئ السحاب الثقال المحملة بالماء الكثير والبرد فيرزقه من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويقلب الليل والنهار ليستفيد منهما الإنسان للعمل والراحة والسكنى، وخلق المخلوقات على أشكال وصور مختلفة، كل هذا ليدلل على قدرته العظيمة، وحكمته البالغة، وآياته الواضحة الباهرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:44-46].

    أخبرنا الله تعالى في هذه الآيات وما قبلها عن بديع صنعته في خلقه سبحانه وتعالى، وعن قدرته العظيمة، وأنه يسبح له من في السموات والأرض، والطير كذلك تسبح ربها صافات، فكل قد علمه الله عز وجل صلاته وتسبيحه.

    فالله عليم يعلم كل شيء، والله خالق كل شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم بمن خلق، قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فخلق كل شيء وجعل له ما يفهم به ويخاطب به، والله يفهم جميع لغات هذه الأشياء من إنسان وحيوان وبهائم وحشرات وطيور وجماد ونبات، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، والله سبحانه وتعالى عليم بما يفعلون، وعلمه محيط بكل شيء، ولا يحيط الخلق بشيء من علمه، فالله أحاط بكل شيء علماً، فانظر إلى الإنسان كيف أحاط الله به علماً، يكتب ما يعمل هذا الإنسان منذ خلق، ويؤمر الملك أن يكتب أجل هذا الإنسان وعمله، وشقي أو سعيد، فكم سيبقى هذا الإنسان في بطن أمه؟! ومتى سينزل من بطن أمه؟! وهل سيموت فيها أم يخرج منها حياً؟! فيأمر الله عز وجل الملك أن يكتب جميع ما يكون عليه، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.

    فنزل إلى هذه الدنيا وقد علم الله عز وجل قبل خلقه كيف سيكون هذا الإنسان فيها، هل يعيش أم يموت، وهل يموت صغيراً أم شاباً أم كهلاً أم شيخاً، وما الذي سيتعلمه، وما الذي سيعمله، وما الذي سينويه، وهل سيكون على الإسلام أم على غيره، فعلم الله كل شيء، والإنسان قد يبتلى ويصاب بأشياء من مصائب الدنيا، يصاب بأشياء تسعده وأشياء تشقيه، والله قد علم ذلك كله، فهذا في الفرد الواحد، ويعلم فوق ذلك بكثير، فيعلم نفس الإنسان حين يخرج ونفسه حين يدخل، ومتى يكون آخر نفس لهذا الإنسان، فهؤلاء الناس جميعهم الله يعلم من كل واحد منهم هذا الشيء، يعلم من يموت ومن يعيش، ويعلم في النبات وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، فهذا شيء عظيم جداً جداً، فعندما تنظر في علم الله سبحانه في ورقة من ورق الشجر فهو يعلم متى ستنبت هذه الورقة، ومتى تكتمل، ومتى تسقط على الأرض، وكذلك الحبة الصغيرة يعلم الله متى تنمو، ومتى تكون في الشجرة، ومتى تكون ثمرة، ومتى تجف، ومتى تسقط في الأرض، ومتى تبتلعها، ومتى تنمو من جديد، وهذا شيء عظيم جداً من علم الله سبحانه، فيتحير الذي ينظر ويفكر في هذا، فعلم الخالق سبحانه وتعالى علم محيط بكل شيء.

    والإنسان لا يحيط بشيء من علم الله، والإنسان هنا جنس فيشمل كل الناس، فلو اجتمعوا فلا يحيطون بشيء من علم الله عز وجل، والذي ينظر في علم الإنسان يريد أنه كلما ازداد علماً تخصص في شيء، وإذا ازداد علماً بعد ذلك قلّ الشيء الذي يتخصص فيه، فانظر للإنسان الذي يتعلم وهو صغير فعندما يكبر ويذهب إلى الكلية يتعلم الطب، فيدرس جميع الفروع دراسة ليست تفصيلية، وإنما يدرسها دراسة عامة، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في فرع واحد فقط، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في شيء من هذا الفرع، وتجد إنساناً أصبح طبيباً ممارساً أو أصبح أخصائياً لجزء من جسم الإنسان، ويقوم بتحضير الدكتوراة في جزء منها في شيء معين فيه، وبعد ذلك يتخصص في مرض معين من الأمراض يكون له باع في هذا الشيء، فعلم الإنسان كلما ازداد تخصص وضاق، وبقية الأشياء ليس لديه فيها خبرة، فتذهب لطبيب مشهور جداً في نقطة معينة في هذا الشيء يعرفه، فعندما تسأله عن منطقة بعيدة منها يقول لك: اذهب إلى أخصائي فيها، فهذا الإنسان علمه لا يحيط بشيء واحد من كل جهاته، والله عز وجل أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة:255]، فهو العليم سبحانه وتعالى الخبير، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور:41].

    وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:42] جميع ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى، فهو المالك الحقيقي، فيملك كل شيء، ويحكم على كل شيء، ثم المصير إليه سبحانه وتعالى، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [النور:42] أي: المرجع والمآب.

    ثم يعجبنا من قدرته العظيمة كيف يكون السحاب كما ذكرنا في الحديث السابق: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43]

    (يُزْجِي): يسوق ويدفع برفق، ثم يؤلف بين هذه السحاب، ثم يركمها بعضها فوق بعض حتى تصير جبلاً عالياً بمقدار (15) كيلو متراً أو (20) كيلو متراً بعضها فوق بعض.

    قوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي: فترى قطرات المطر تنزل من خلاله، فلو شاء لسكبه دفعة واحدة، وتخيل لو انسكب هذا السحاب دفعة واحدة، كيف سيصنع بمن ينزل فوقه؟ فهذا يكون شيئاً عظيماً ومهولاً، ولكن الله بفضله ورحمته سبحانه ينظم كونه.

    قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) وهذا مثل هيئة الجبل الموجود على الأرض.

    (فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: قطع الثلج.

    ومن رحمة رب العالمين أنه لا يجعل السحابة تسقط قطعة ثلج واحدة؛ لأنها ستنزل على الناس وتكسر كل ما تنزل عليه، لكن الله بفضله ورحمته ينزل البرد قطعاً صغيرة من الثلج، ولو شاء الله عز وجل لجعله مهلكاً لخلقه، ولكنه رحيم بنا سبحانه تبارك وتعالى.

    قوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) يصيب بهذا المطر والبرد من يشاء، فرحمة الله مقسومة، فيقسم الأرزاق لعباده، فيكون في هذا المكان مطر كثير، وفي هذا المكان مطر غزير، وفي هذا المكان مطر يسير، بحسب ما يقدره رب العالمين سبحانه من أرزاق للعباد، ويكون في مكان ما مهلكاً، وفي مكان آخر منبتاً، والله يفعل ما يشاء.

    قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أي: ضوء البرق الذي يخرج من خلال هذه السحاب ومن خلال هذا الرعد، وفي البرق شحنات كهربائية تكون بداخل هذه السحاب، فيكاد سنا وضوء هذا البرق يذهب بأبصار من ينظر إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار ...)

    قال تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ [النور:44].

    كما ذكرنا أنه يجعل الليل يطول فيقصر النهار، ويجعل الليل بارداً والنهار حاراً، ويجعل الليل مظلماً وقد يكون منيراً، ويجعل النهار مضيئاً وقد يظلمه بسحاب، فيقلب أرزاق العباد بين الليل والنهار، ويقلب حالاتهم من نوم وغيره بالليل والنهار.

    قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ) أي: هذه عبرة وعظة لأولي الأبصار، فينظرون كيف يقلب الله الليل والنهار، ولو شاء لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، قال تعالى: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ[القصص:71]، فلو أنه فعل ذلك فمن سيقدر أن يأتي بالضياء، ولو شاء الله لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، وقال تعالى: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ[القصص:72]، فجعل الليل سكناً، وجعل فيه النوم سباتاً، وجعل النهار فيه معاشاً، فالإنسان يحتاج إلى أن يستريح، وقد يقول الإنسان: أنا أستطيع أن أظل بغير نوم لمدة ثلاثة أيام، ويحاول هذا الشيء ويجد في النهاية أنه يستسلم للنوم ولا يقدر على هذا الشيء، وإلا فإنه يتعب ويموت في النهاية، فالله عز وجل جعل الليل والنهار، وتقلب العباد واحتياجهم لليل والنهار والنوم والعمل عبرة لأولي الألباب والأبصار، فيعلمون أنهم محتاجون لربهم سبحانه، ومحتاجون إلى فضله ورحمته جل وعلا، فيحتاج الإنسان إلى رزقه فيقول: يا رب! ويحتاج إلى صحته وعافيته فيقول: يا رب!، ويحتاج إلى نومه فيقول: يا رب! ولا يشعر بحاجته إلا حين يفقدها، وعندما تجد نفسك أرقت ليلة ثم ليلة أخرى فتصير كالمجنون، ولا تعرف كيف ينام!

    فتقول: يا رب! اجعلني أنام، وتقوم بشرب المسكنات والمنومات، لكي تجد النوم، فالله عز وجل صاحب الفضل العظيم على الإنسان، فهو الذي يجعلك تنام بالليل، والإنسان يريد أن يعمل وفجأة يمرض، فيقول: يا رب! اشفني أريد أن أعمل، وأريد أن آكل، وأريد كذا، ولا يعرف فضل الله عز وجل ونعمته عليه، فلا يشكره على هذه النعمة إلا حين يبتليه الله سبحانه بفقدان هذه النعمة، فالإنسان المؤمن دائماً يتذكر ويبصر ما بصره الله عز وجل به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء ...)

    ثم يذكر الله نعمة أخرى من نعمه سبحانه وتعالى كما ذكرنا في الحديث السابق، وهذه النعمة هي الماء، قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النور:45].

    قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، أي: كل ما يدب على الأرض خلقه الله عز وجل من ماء، والله خلق خلقاً كثيراً، فخلق الملائكة وجعلهم من نور، وخلق الجان فجعلهم من نار، وخلق الإنسان والدواب فجعله من ماء، فالله خلق كل ما يدب على الأرض من ماء.

    قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) هنا يرينا الله آياته العظيمة سبحانه وتعالى، فهو الخالق وحده لا شريك له، فخلق الخلق وجعل لكل شيء من خلقه قدرة معينة قدره عليها، فمن هذه المخلوقات ما يمشي على بطنه كالثعبان والحية وغيرها، فهذه تمشي على بطنها على الأرض، أو في الماء كالحيتان ونحو ذلك.

    قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)، فهذا الإنسان الذي جعله الله عز وجل يمشي على رجلين، وكرمه سبحانه وتعالى، وشرف يديه فرفعها ولم يجعله كغيره ممن يمشي على يديه، ثم يتناول بها طعامه، ولكن جعل اليدين مرتفعتين، وجعل القدمين على الأرض، فشرف الإنسان وكرمه سبحانه وتعالى.

    قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، والله يخلق ما لا تعلمون، ولكن هذا الغالب المشاهد، وإن وجدنا من الحشرات ما له أكثر من أربع أرجل، فالله يخلق ما يشاء، ولكن هذا الغالب الذي نراه أمامنا، فلو شاء الله عز وجل لجعل الإنسان يمشي على يديه ورجليه، فأراد أن يريه كيف كرمه سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء:70] أي: جعلنا الإنسان مكرماً يركب فوق الجمل والخيل ولا يمشي على أربع، ولا يُركب ولكنه يَركب، فكرمه الله سبحانه ليعبده ويشكره، ولو شاء لجعله مثل الحشرات، ولو شاء لجعله مثل الثعابين يمشي على بطنه.

    فقد أرانا الله هذه القدرة منه سبحانه حتى نحمده ونشكره سبحانه وتعالى على ما أنعم به علينا، فيقول سبحانه: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) يخلق الله ما يشاء ممن يمشي على رجلين، وممن يمشي على أربع، وممن يمشي على بطنه، وخلق الملائكة تطير بأجنحتها أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1]، يخلق ما يشاء سبحانه وتعالى.

    قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكل شيء قد جعله الله للإنسان عبرة، فيرى آية من آيات الله:

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

    فالإنسان يتفكر في كل مخلوقات الله عز وجل التي تدل على بديع صنعها، وعلى أن الخالق واحد، فينظر إلى النملة كيف خلقها الله! وكيف تكسب رزقها! وكيف جعل لها تفكيراً فتعرف كيف تأتي بهذا الطعام! وكيف تخزنه للشتاء! وإذا كانت الحبة التي ستأتي بها لو مكثت إلى الشتاء فستنبت، فيفهمها ربها سبحانه كيف تخرق هذه الحبة حتى لا تنبت ولا تنمو! فجعل فيها قدرة أن تأكل وتبحث عن طعامها، وأن تعيش مع غيرها، فالذي أعطاها هذا الشيء، وأعطى الحيوان من بهائم وغيرها هذه القدرة هو الله سبحانه وتعالى، وأعطى الإنسان ما هو فوق ذلك، فيتفكر الإنسان كيف أن الله جعل لهذه قدرة وجعل لهذه قدرة! أفلا يكون هو القدير على كل شيء سبحانه وتعالى؟!

    وجعل في هذه حياة وفي هذه حياة، أفلا يكون هو الحي الباقي سبحانه وتعالى؟

    فيرينا آيات قدرته سبحانه وبديع صنعته في هذه المخلوقات، لنتفكر أن الذي جعل هذا معجزاً وهذا معجزاً وهذا معجزاً هو الله الواحد القادر على كل شيء سبحانه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات ...)

    قال تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:46].

    قوله: (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) هي آيات بينات، وهي مبينات، والآية البينة: هي الآية الواضحة، فأنزل كتاباً واضحاً، وجعل لنا في الكون آيات واضحة لكل ذي عينين وبصيرة، فيبصر ويعلم أن الله خلق هذا عبرة لخلقه ليتفكروا.

    (مُبَيِّنَاتٍ) اسم فاعل، والمعنى: أنها مبيِّنة للإنسان فيما يحتاج إليه، وهذه قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وباقي القراء يقرءونها: (لقد أنزلنا آيات مبيَّنَات) أي: قد وضحنا ما أشكل عليكم فيها، وهي في نفسها مبَّينة قد بينها الله سبحانه وتعالى، وبينها لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، والآيات المبيَّنَة لا يفهمها كل إنسان، ولكن ذلك راجع لأمر قضاء الله وقدره سبحانه، وحكمته وعلمه، فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكم يمر الإنسان على آيات من آيات رب العالمين في الكون فينظر إلى الآية ولا يعتبر بها، ويقرؤها ولا ينتبه لها! حتى يقول له إنسان: انظر إلى هذا الشيء فينتبه؛ لعظيم قدرة الله عز وجل على هذا الأمر، وكم من آيات نراها ولا نتعجب لها! فإذا تفكرنا فيها أو دلنا إنسان عليها كأننا لأول مرة نسمع هذه الآية ونرى مقتضاها في الكون الذي أمامنا، فالله عز وجل هو الذي يهدي سبحانه، فمهما استعان الإنسان بغيره فلا يقدر أن يعينه على الهدى إلا رب العالمين سبحانه، فهو الذي يهدي من يشاء إلى دينه القويم وإلى شريعته ومنهاجه.

    وكلمة (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فيها إثبات للقضاء والقدر، وأن الله عز وجل من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، فإنه سبحانه يهدي من يشاء ويعافي ويعصم فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، فالإنسان الذي يضله الله هذا عدل من الله؛ لأنه يستحق غير ذلك، والإنسان الذي يهديه الله فهذا فضل من الله سبحانه وتعالى يتفضل به على من يشاء.

    قوله: (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الصراط: هو الطريق، أي: إلى طريق مستقيم، وهو طريق شريعة رب العالمين سبحانه.

    وكلمة صراط هنا فيها ثلاث قراءات: فتقرأ بالصاد، وتقرأ بالسين، وتقرأ بالزاي المشمة.

    فيقرؤها قنبل عن ابن كثير ، ورويس : (إلى سراط مستقيم) بالسين.

    ويقرؤها خلف عن حمزة بالزاي: (إلى زراط مستقيم).

    ويقرؤها باقي القراء: (إلى صراط مستقيم) بالصاد المكسورة.

    نسأل الله عز وجل أن يهدينا، ونعوذ به أن يضلنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.