إسلام ويب

تفسير سورة النور (تابع3) الآية [36]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المشي إلى المساجد له فضل عظيم، وثواب جسيم، فكل خطوة ترفع درجة، وتمحو سيئة، وكذلك المكث في المساجد له ثواب عظيم، فالمرء في صلاة إذا كانت الصلاة هي التي تحبسه في المسجد.

    1.   

    فضل المشي إلى المساجد والصلاة فيها مع الجماعة

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور:

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38].

    ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى جعل له في الأرض بيوتاً، وهي: المساجد، وجعل عمّارها أفضل الخلق، وأقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، والذين يستحقون أن يهديهم الله عز وجل في الدنيا، وأن يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله.

    وجعل من هؤلاء من يحفظون كتاب الله عز وجل، وجعلهم أهله سبحانه، وبشرهم بمشيهم في الظلمات إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).

    وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: رجل قلبه معلق بالمساجد) إذا خرج منها حتى يرجع إليها، فتعلقت القلوب بالمساجد، والذي يتعلق قلبه ببيت الله سبحانه وتعالى هو متعلق بالله عز وجل، فإذا كان يوم القيامة نفعه هذا التعلق ببيت الله سبحانه في أن يظله الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

    وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) وهذا ثواب عظيم من الله عز وجل لمن أتى إلى بيت الله، فكل خطوة يرفعه الله بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة.

    وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة) أي: أن صلاته في الجماعة في بيت الله سبحانه وتعالى تزيد على صلاته منفرداً في بيته أو في سوقه ببضع وعشرين درجة.

    قال صلى الله عليه وسلم موضحاً: (وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، فلم يخطُ خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحسبه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فأي فضيلة أعظم من هذه الفضائل التي ذكرت في هذه الأحاديث.

    فصلاة الإنسان في جماعة تضاعف على صلاته وحده ببضع وعشرين درجة، وسبب هذه الدرجات هو أن المسلم قام بأفعالٍ كثيرة وليس مجرد الصلاة فقط، بل إنه توضأ وتطهر وأحسن وضوءه، ثم خرج يمشي من بيته إلى المسجد، فالخطوة الواحدة يرفعه الله عز وجل بها درجة، والأخرى يحط عنه بها خطيئة، وهكذا، لكن بشرط أنك لم تأت إلا للصلاة، وليس من أجل أن تقابل أحداً، أو أن لديك موعد مع إنسان، لا، ولكنك جئت لا تنهزك إلا الصلاة، ولم تدفعك وتحضك على المجيء إلى بيت الله إلا الصلاة، وحب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    فضل الجلوس في المسجد

    قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه) فمن حين أن يدخل بيت الله عز وجل فهو في صلاة حتى يخرج.

    وفي هذا الحديث يخبرنا صلى الله عليه وسلم وهو يرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: (والملائكة يصلون على أحدكم)، وهناك فرق بين: يصلون عليكم، وقوله: يصلون على أحدكم، فمعنى يصلون عليكم أي: على الجميع، فتكون الصلاة على جميع الموجودين، فقد ينال البعض منها الكثير وينال البعض القليل، ولا ينال البعض الآخر، ولكنه قال: (يصلون على أحدكم) أي: على كل واحد منكم، وكل واحد تختصه الملائكة بالصلاة عليه، فتدعو له، وجميع الموجودين في المسجد ينالهم الخير العظيم، وتنالهم دعوات الملائكة الكرام عليهم السلام.

    قال: (يصلون على أحدكم) أي: يدعون لأحدكم، (ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه) وهذه دعوات عظيمة، والواحد منا إذا وجد أحد الصالحين فإنه يقول له: ادع لي، فالملائكة هنا تدعوا للعبد دعاء مستجاباً من فضل الله وكرمه سبحانه وتعالى، ولن تخص أحداً دون الآخر، بل تدعوا للجميع واحداً واحداً، فتقول لكل واحد من القادمين إلى بيت الله عز وجل: (اللهم ارحمه) تدعو لهم بالرحمة.

    (اللهم اغفر له) تدعو له بالمغفرة.

    (اللهم تب عليه) تدعو له بالتوبة، فإذا كان مذنباً تاب الله عز وجل عليه، وغفر له ورحمه، وإذا تاب الله عليه وغفر له ورحمه، فقد فاز بجنة الله عز وجل ورضاه سبحانه.

    فهذه الدعوات، وهذا الجزاء العظيم يناله بشرط أن يأتي إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، أي: أنه جاء من بيته متطهراً من أجل الصلاة، ثم قيد الحصول على تلك الفضيلة بقيدين في آخر الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فالمؤذي أذاه في كل مكان، فإذا كان في المسجد آذى نفسه بأذاه لغيره، فإذا آذى أحداً من الناس: بغيبة، أو بنميمة، أو بلمز، أو برفع صوت، أو بشتم، أو بسب، أو بأي نوع من أنواع الأذى باليد أو باللسان، فلا يستحق ذلك الجزاء العظيم، حتى وإن كان جاء للصلاة ولم ينهزه إلا الصلاة.

    والقيد الآخر: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما لم يحدث فيه)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه، إذاً: فقوله: (ما لم يحدث فيه) أي: ما لم يبتدع في بيت الله سبحانه وتعالى.

    فإذا لم يؤذ أحداً من الناس، ولم يبتدع في دين الله سبحانه وتعالى، فقد استحق هذا الأجر العظيم الذي جاء في الحديث.

    وقد سئل أبو هريرة عن معنى الحدث؟ ففسره ببعض معنى الحدث، وقال: (ما لم يحدث) أي: يفسو أو يضرط، بمعنى: خروج الحدث منه، وهذا معنى صحيح أيضاً، ولكن الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، ولم يزد على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذا تفسير من الراوي، وهو: أبو هريرة رضي الله عنه، وهو من أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه، فذكر بعض معاني الحدث، ومن ضمن الإحداث في المسجد: أن يبتدع الإنسان بدعة في دين الله، وهذا فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).

    ومن ضمن الإحداث، بمعنى: الحدث: أن يجلس في المسجد على غير وضوء، فمن توضأ وجلس في المسجد نال من الأجر وكأنه في صلاة، وذلك من حين أن يدخل المسجد إلى أن يخرج، حتى ولو كان جالساً في سهو أو يتفكر، فإذا كان على وضوء ناله هذا الأجر كله.

    فينبغي على المسلم أن ينتهز فرصة وجوده في المسجد بأن يكون على وضوء، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه، وألا يلغو وهو في بيت الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    المفاضلة بين المكوث في المسجد وحضور الجنازة

    قال حكيم بن زريق : قيل لـسعيد بن المسيب : أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ بمعنى: هل تفضل أن تجلس في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، أو تترك المسجد وتخرج لحضور الجنازة؟ فقال رضي الله عنه: بل الجلوس في المسجد أحب إلي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان) وأما الجالس في المسجد فإن الملائكة تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه).

    فاستحضر رحمه الله أن الملائكة تدعو له وهو جالس في المسجد، وفضّل أن يجلس في المسجد على أن يحضر الجنازة، وفي كل خير، فحضور الجنازة فيه أجر عظيم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد جنازة -أي: تبعها- فصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) أي: بشهوده الجنازة والانتظار حتى تنزل في قبرها، فلما سمع ذلك قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

    ففيه أن ابن عمر تحسر على أنه اكتفى بأن صلى على الجنازة ولم يشهدها، أو أنه شهدها وانصرف قبل أن تنزل إلى قبرها، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

    فينبغي على الإنسان أن يحرص على حضور الجنازة ما لم يمنعه عذر، فإذا خير بين أن يعتكف في المسجد وبين أن يحضر الجنازة فهو مخير بين خيرين، وإن كان حضور الجنازة فيه خير ونفع متعد، وثوابه عظيم، كما فيه أيضاً تطيب لقلب أهل الميت، ومواساة لهم، وفيه دعاء للميت وهو في قبره بالتثبيت، وأجور كثيرة من نواح أخرى قد تزيد على وجود الإنسان في المسجد، ولكن في كل خير.

    1.   

    ذم الكلام بغير ذكر الله في المسجد

    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: (سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً حلقاً، ذكْرهم) وفي رواية: (إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم؛ فإنه ليس لله بهم حاجة)، ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وذكر له شواهد، وصححه أو حسنه.

    أي: أنهم جاءوا يتسامرون في المسجد، فيجلسون حلقاً حلقاً يتكلمون في الدنيا وليس في ذكر الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (ذكْرهم أو إمامهم الدنيا) بمعنى: ما يأمونه، أي: مقصدهم وذكرهم ليس ذكر الله عز وجل، ولكن يذكرون الدنيا، فيتكلم هذا عن ما عنده في البيت، ويتكلم ذاك بما وراءه من الشغل، وهكذا، فكثير من الناس هذا حالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قوله: (فلا تجالسوهم) أي: لا تقعدوا معهم في مثل هذه المجالس، فإذا رأيت شخصاً يحدثك عما صنع بالأمس، أو أنه ذهب إلى مكان كذا، أو بقي له عند فلان كذا، فلا تجلس معه، فإنه يحرمك من الأجر، ومن دعوة الملائكة لك. والإنسان المؤمن يضن بعمره، ويضن بوقت العبادة أن يضيعه في كلام فارغ لا يؤجر عليه.

    فإذا كنت في المسجد فاحرص ألا يلهيك أحد عن ذكر الله عز وجل، وإذا وجدت نفسك جالساً تسبح الله بعد الصلاة، وتريد أن تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وجاء أحدهم يريد أن يتكلم معك ويشغلك فلا ترد عليه، وقل له: اصبر حتى اختم الصلاة؛ لأن كثيراً من الناس يحب أن يضيع وقته بالكلام، فإذا وجدك في الشارع، أو في المسجد تكلم معك، فاحرص على ألا تضيع وقت العبادة معه.

    إن الذي يأتي ليتكلم معك في أمور الدنيا قد ضيع عليك أجراً عظيماً، فآية الكرسي التي تقرأ عقب الصلاة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) أي: أنك إذا صليت الفريضة، وقرأت آية الكرسي ثم مت، دخلت الجنة، فالذي يأتي ليكلمك عن أمور الدنيا في هذا الوقت فإنه يحرمك من هذا الثواب، فلا يستحق الجواب، إلى أن تختم الصلاة، وتختم بهذه الأذكار التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي على الإنسان ألا يفرط في وقته أو وقت غيره.

    وكثير من الناس يقولون: إنهم مشغولون وورائهم أعمال مهمة، فيصلي مستعجلاً ويترك الأذكار، فإذا خرج وقف على باب المسجد يحدث هذا ويتكلم مع ذاك، فينشغل عن ذكر الله عز وجل، وعن التسبيح والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكلام هذا وذاك، وبأشياء له عنها مندوحة أن يتركها.

    إن العمر لا يعوض، واليوم الذي يمضي من الإنسان لا يعود إليه، واليوم قد يقدر الإنسان على شيء، ولا يقدر عليه غداً، فليحرص على أن يأخذ من الدنيا أعظم ما فيها وهو ذكر الله سبحانه وتعالى وطاعته.

    1.   

    من آداب المساجد

    لقد جمع الإمام القرطبي حوالي خمسين عشر خصلة في تعظيم حرمة المساجد، وهي أكثر من ذلك بكثير، ولكن نذكر الملخص الذي ذكره القرطبي رحمه الله، قال من حرمة المسجد: أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، فيلقي السلام إذا دخل المسجد على أقرب الناس إليه، ولا يرفع بذلك صوته فيزعج الآخرين، ويسمع كل من في المسجد؛ لأنه لو رفع كل إنسان دخل المسجد صوته بالسلام ليتأذى الناس بذلك، خاصة وفيهم من يقرأ القرآن، أو يسبح، أو يصلي.

    ولذلك قال رحمه الله: إن كان الناس جلوساً، فكأنه احتراز من إزعاج المصلين، حتى لا يشغلهم بالسلام.

    ولذلك يقول جابر بن عبد الله : لا أحب أن أسلم على من يصلي، وإن سلم علي أحد رددت، أي: أنه إذا وجد أحداً يصلي لا يقول له: السلام عليكم، ولكن إذا سلم عليه أحد وهو في الصلاة ردّ عليه السلام، وذلك بأن يشير بيده، أو بإصبعه أنه سمع ذلك، ولكن لا يرد بالقول وإلا بطلت صلاته.

    فمن آداب المسجد: أن يسلم الداخل على من فيه، فإن لم يكن في المسجد أحد فإنه يسلم كذلك؛ لقوله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61] أي: يسلم بعضكم على بعض، وإذا لم يكن فيه أحد من الناس فإن فيه ملائكة الله عز وجل، فإذا دخل استحب أهل العلم أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: أنه يسلم على نفسه، وعلى من في المسجد من ملائكة الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال القرطبي رحمه الله تعالى: إن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

    ومن آداب المساجد أيضاً: أن يركع ركعتين قبل أن يجلس كما ذكرنا في الحديث السابق.

    قال: وألا يشتري ولا يبيع فيه، والمعنى: أنه لا يجوز أن يجري عقد الشراء والبيع أو المساومة على المبيع في المسجد، ولكن لو أن إنساناً اشترى من إنسان شيئاً خارج المسجد، وجاء هذا بالشيء إلى المسجد، وأعطاه له فقط من غير كلام آخر، فهذا جائز؛ لأنه مجرد مناولة، كأن يشتري إنسان كتاباً من آخر خارج المسجد، ثم جاء البائع وأعطاه كتابه داخل المسجد.

    وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من يبيع أو يشتري في المسجد فقال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) أي: يدعون عليه.

    قال رحمه الله: ومن آدابها: ألا يسل فيه سهماً ولا سيفاً، والغرض أنه لا يؤذي أحداً من المسلمين بشيء في يده، فإذا دخل المسجد ومعه حديدة، أو شيء قد يؤذي به الناس فليتجنب أن يمشي به في وسط الزحمة؛ لكي لا يخدش بحديدته أو ما معه أحداً.

    قال القرطبي رحمه الله: ولا يطلب فيها ضالة، وقد ذكرنا من قبل أنه لا يجوز للإنسان أن يعرف فيه ضالة، كأن يقول: وجدت كذا، أو ضاع مني كذا، فمن أراد ذلك فليكن خارج المسجد.

    قال: ولا يرفع فيه صوتاً بغير ذكر الله سبحانه وتعالى، أي: بالكلام عن أمور الدنيا، وإذا رفع صوته فليكن في درس علم أو في صلاة.

    وأيضاً: لا يرفع الصوت بذكر الله عز وجل؛ حتى لا ينزعج الناس، ولذلك لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة في رمضان وهم يصلون التروايح خشي أن تفرض عليهم، فلم يصل بهم صلاة التراويح جماعة، إلا مرة أو مرتين، ولم يفعل بعد ذلك، وقال: (خشيت أن تفرض عليكم أو تكتب عليكم).

    فكان الصحابة يصلون فرادى، فخرج مرة فسمعهم يصلون، وكل شخص يصلي وحده، ويرفع صوته، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (كلكم يناجي ربه، فلا يرفع بعضكم صوته على بعض، ولا يؤذي بعضكم بعضاً) أو كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً لا يرفع في المساجد صوت بغير ذكر الله سبحانه، وكذلك إذا كان بذكر الله فلا يرفع بحيث يؤذي الناس بعضهم بعضاً، فإذا كان الناس جالسين في انتظار صلاة الجمعة فلا يرفع الإنسان صوته بقراءة القرآن؛ حتى لا يشغل الذي بجواره، بل يسمع نفسه فقط، أو يسر القراءة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة).

    والجاهر بالقرآن: هو الذي يرفع صوته، والله تعالى يقول: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] أي: شيء حسن أن تبدي الصدقة، ولكن: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] أي: أفضل لكم، وكذلك في قراءة القرآن، فالجهر بها بين الناس شيء طيب، لكن من غير أن يتأذى بها أحد من الناس، فإذا كان في رفع الصوت بها أذى فيجب على القارئ أن يخفض صوته، ومع هذا فالإسرار بها أعظم في الأجر إذا كان بين الناس.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.