إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [36]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أجمل تلك البيوت التي رفعها الله سبحانه فنزهها عن الأقذار الحسية والمعنوية، وخصها بأن يذكر فيها اسمه، وجعل روادها أهل القلوب السليمة التي لا تلهيها تجارة أو بيع عن ذكر ربها، فالأجساد خارجها والقلوب معلقة كالقناديل تضيء فيها، فيجازيهم ربهم الرحيم يوم القيامة أحسن الجزاء وأتمه، ويزيدهم من فضله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين المساجد وهي بيوت الله في الأرض، قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] (أذن) أي: أمر وقضى سبحانه وتعالى.

    أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36]، فذكر صفة هذه المساجد أنها مرفوعة يرفعها المؤمنون ويبنونها بطاعة الله سبحانه وتعالى، وبذكر الله سبحانه.

    القراءات في قوله تعالى: (يسبح له فيها)

    في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا [النور:36] قراءتان: قراءة حفص ومن معه، وابن عامر ومن معه، فـابن عامر وشعبة يقرءان هذه الآية: (يُسبَّح له فيها بالغدو والآصال)، فعلى قراءة شعبة عن عاصم وابن عامر يستحسن الوقف على رأس هذه الآية: ( يُسبح له فيها بالغدو والآصال ).

    وباقي القراء منهم حفص عن عاصم ونافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36].

    وعلى هذه القراءة يستحسن الوصل حتى لا يفصل الفاعل عن الفعل، فيقرأ: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) فيصل الآية بما بعدها.

    فهؤلاء رجال من صفاتهم: أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.

    فهؤلاء المؤمنون عمّار بيوت الله سبحانه وتعالى لا يلهيهم شيء عن صلاتهم، ولا عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وقد مدحهم الله سبحانه وتعالى بأنهم لا تلهيهم الدنيا، وقد عبر عن الدنيا بالتجارة والبيع وذلك أكثر ما يشغل الإنسان، فهو يحتاج أن يشتري ويبيع ليتم بهما عيشه، ومع ذلك لا يلهيهم هذا عن ذكر الله سبحانه، وعن الإتيان إلى بيت الله في الصباح وفي المساء وفي كل وقت، فلا يضيع صلاة، فقلوبهم معلقة بالمساجد، وهؤلاء ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الحديث: (رجل قلبه معلق بالمسجد)، إذا خرج منه حتى يرجع إليه، فقد تعلق قلبه بالمسجد، فجعله الله عز وجل من أهل جنته وأظله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

    هذه المساجد التي أذن الله عز وجل أن ترفع ويذكر فيها اسمه جعل في بنائها الثواب العظيم، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)

    فمن بنى لله مسجداً ولو كان صغيراً، وضرب له هنا مثالاً بمفحص القطاة، وهي الحمامة التي تجعل لنفسها عشاً تبيض فيه ولو كهذا، ويستحيل أن يكون المسجد كهذا ويصلي فيه أحد، ولكن المقصد أنه ولو كان مسجداً صغيراً يصلي فيه جماعة قليلة، فكيف بمن بنى لله مسجداً كبيراً.

    رفع المساجد حسياً ومعنوياً

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] يقول العلماء: وبيوت الله عز وجل أذن برفعها وتطييبها وتطهيرها ولم يأذن باللغو فيها، ولا باللعب فيها، ولا بتنجيسها ولا بالإيذاء فيها للملائكة أو للناس، فلذلك تصان المساجد من اللغو، وتصان من الرفث، ومن البيع والشراء ونحو ذلك كما سيأتي.

    فمما تصان عنه وتنزه عنه: الروائح الكريهة، يقول الإمام القرطبي رحمه الله: مما تصان وتنزه عنه المساجد: الروائح الكريهة، والأقوال السيئة وغير ذلك، وذلك من تعظيم المساجد أنه لا ينبغي أن يكون فيها رفث، ولا ينبغي أن يكون فيها لغو، ولا ينبغي أن يرفع فيها الأصوات إلا بذكر الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه في غزوة تبوك: (من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد)، فالذي يأكل ثوماً وبصلاً لا يأتي المساجد.

    وفي حديث آخر قال: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).

    وقال عمر رضي الله عنه في خطبته: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً).

    فلا مانع من أكل الثوم والبصل وهما مطبوختان، فإنهما في هذه الحالة لا رائحة لهما، وأما إذا كانا غير مطبوختين فإنهما لهما رائحة كريهة، فإذا أكلهما أحد وجاء إلى المسجد فإنه يؤذي الملائكة والمصلين بذلك، فلا ينبغي له أن يأتي إلى المسجد، فلا يجوز للإنسان أن يتعمد أن يأكل ذلك قرب وقت الصلاة، ولكن يجعل بينه وبين وقت الصلاة وقتاً كافياً، كأن يأكل بعد العشاء مثلاً بحيث إذا جاء الفجر لا تكون رائحة فمه متغيرة بذلك.

    يقول العلماء -وهذا نقل الإمام القرطبي رحمه الله-: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يؤذي الناس برائحة فمه الكريهة، وكذلك يؤذي الملائكة فالعلة يقاس عليها.

    قال: وفي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبيهه ينبغي أن يجتنب مجتمع الناس.

    أي: إنسان رائحة ثيابه منتنه يتأذى بها الناس إذا جاء المسجد فعليه التباعد عن الناس؛ لرائحته النتنه.

    أو إذا كان الإنسان ثيابه قذرة مشحمة فإذا دخل في الصف يؤذي الناس ويسجد على الأرض فيوسخ سجاد المسجد، فهذا لا ينبغي أن يأتي المسجد وهو على هذه الحالة، ولكن يغير ثيابه ويأتي بيت الله نظيفاً طاهراً، وقد قال الله سبحانه وتعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] أي: عند موضع كل صلاة، فتتزين للصلاة كما تتزين لضيفك الذي تقابله.

    فهنا رائحة الثوم والبصل رائحة منتنه فكيف برائحة السجائر التي يشربها الإنسان فيؤذي بها الناس، ويؤذي بها الملائكة؟!

    وكذلك إذا كانت رائحة الإنسان قذرة منتنة من عرق شديد ونحو ذلك مما يتأذى به الناس، وأحياناً بعض الناس تكون رائحة عرقهم رائحة شديدة فإذا كان على ذلك فليتنظف قبل أن يأتي بيت الله سبحانه، حتى لا يؤذي الناس بهذه الرائحة.

    وبعض الناس في الصيف يلبس حذاءً وجورباً ويدخل المسجد فتكون رائحة المسجد غاية في القذارة والنتانة لا يقبلها الإنسان، فعلى المرء أن ينزع جوربه وليدخل مكان الوضوء فيتوضأ ويغسل رجليه؛ حتى لا يؤذي الناس برائحته.

    ولو أن كل الناس دخلوا المسجد بأرجل منتنه أوشك الناس ألا يصلوا في المسجد، فتجد أحياناً سجاد المسجد حين تسجد عليها لا تطيق رائحتها، فتجلس منتظر متى الإمام يرفع تكاد أن تختنق من وضع رأسك على الأرض، ومن شم الرائحة المنتنه في الأرض.

    فإذا كان هذا من إنسان فلا ينبغي أن تكون مثله، فإذا تأذيت بذلك فاحرص على أن تكون نظيفاً عند دخولك المسجد؛ حتى لا يتأذى أحد من رائحتك، ولا تؤذي الملائكة بذلك.

    وكذلك أصحاب الروائح المنتنه في صناعة من الصناعات، كأن تكون صناعته تحتم عليه أن يتعامل مع أشياء لها رائحة تكون في يده أو ثيابه، فإذا جاء عند وقت الصلاة فليغسل ذلك، والمنظفات موجودة عند الناس من صابون ونحوها بحمد الله وبفضله، فليغسل أثر ذلك حتى يأتي المسجد وهو نظيف طيب الرائحة.

    قالوا: وإذا كان هذا يتأذى به الناس، وتتأذى منه الملائكة فلا ينبغي أن يحضر الجماعة، فمن يتأذون منه أكثر من ذلك كأن يكون في المرء مرض فيخرج منه رائحة منتنه، أو إنسان به جرح فحصل في الجرح نوع عفونة بحيث إنه لا يطيق الناس أن يشموا رائحة هذا الإنسان، فله عذر أن يمكث في بيته ولا يجب عليه أن يأتي لصلاة الجماعة؛ حتى لا يؤذي الناس، وقد قال الله تعالى: وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61].

    ولذلك كان من الشريعة أن الإنسان المجذوم يكون بعيداً عن الناس، (لما جاء المجذوم للنبي صلى الله عليه وسلم يبايعه قال له: ارجع فقد بايعناك، ارجع فقد بايعناك).

    والجذام نوع من الأمراض المعدية بقدر الله، فهو سبحانه يجعلها سبباً من أسباب انتقال الأمراض من شخص إلى آخر، وهو مرض صعب شديد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحب هذا المرض. (فر من المجذوم فرارك من الأسد).

    فلا ينبغي للمجذوم أن يحضر مع الناس الجماعات، وهذا الذي قاله للناس قاله تعليماً، وحتى لا يظن الإنسان أنه بمجرد أن جاء هذا المجذوم وواقف بجواره أنه سيكون مثله، فكأنه يقول للمجذوم: لا تؤذ الناس، ولما أتى يبايع النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ارجع فقد بايعناك).

    فيأخذ الإنسان بالحيطة والحذر في ذلك، ويستيقن أن ما أصابه فبقدر الله سبحانه وتعالى، وما أخطأه فلن يخطئه إلا بقدر الله سبحانه وتعالى.

    فقال أهل العلم: إن من كان ذا عاهة مؤذية يتأذى منه الناس بسببها فلا ينبغي عليه أن يحظر في جماعة الناس.

    وكالمريض بمرض في الرئة يعلم منه أنه يؤذي الناس بعطاسه، ومعلوم عند عطس الإنسان أن الرذاذ يصل من عطسته إلى سبعة أمتار، فإذا كان الإنسان صاحب مرض معدي فلا ينبغي أن يحضر مع الناس في صلاة جماعة، ولكن يعتزل في بيته حتى يشفيه الله سبحانه وتعالى، أخذ أهل العلم ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في التأذي برائحة الثوم والبصل، فقالوا: هذا أشد من ذلك، فإذا كان هذا المريض معذوراً في ذلك فالإنسان غير المعذور الذي لسانه ذرب وطويل ومؤذي، ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه إذا دخل المسجد، وإذا كان في الشارع أو في السوق وكلمه أحد شتمه وسبه، فمثل هذا يمنع من دخول المسجد.

    وذكر الإمام القرطبي عن أبي عمر بن عبد البر من فقهاء المالكية وأحد الأئمة المجتهدين، قال: شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه، واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده.

    يعني: رجل سفيه يأتي بيت الله عز وجل ويتكلم على الناس ويؤذيهم بلسانه، ويمد يده فيضرب الناس، ولا يحترم بيت الله سبحانه وتعالى.

    يقول أبو عمر بن عبد البر : فأفتى بإخراجه من المسجد، وإبعاده عنه، وألا يشهد معهم في الصلاة؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه.

    يعني: عامله معاملة المجنون، فهو طالما كان سفيهاً لا يمسك نفسه فيضرب ويبطش بيديه، فعلى ذلك يكون حكمه حكم المجنون، فلا ينبغي أن يكون في بيت الله سبحانه وتعالى.

    و أبو عمر بن عبد البر من العلماء المجتهدين يقول: فذاكرته يوماً أمره، وطالبته بالدليل. يعني: يتكلم مع شيخه فيما أفتى به، ما الدليل على الذي ذكرته؟

    فقال: وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم، فقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم.

    فإذا كان الذي يأكل ثوماً يمنع من المجيء إلى المسجد، مع أنك يمكن أن تتعود على رائحة الثوم والبصل، وأما طول اللسان واليد في المسجد فهذا مما لا يطاق.

    قال: وهذا عندي أكثر ممن أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد.

    فكأن الإمام ذلك أبو عمر ابن عبد البر ينقل ذلك موافقاً لشيخه بعدما سأله.

    قال أهل العلم: المساجد كلها سواء، وهذا هو الصواب وإن كان فيه خلاف يسير، ولكن المساجد كلها سواء في ذلك فالإنسان الذي به رائحة غير طيبة لا ينبغي أن يدخل المساجد: لا المسجد النبوي، ولا الكعبة، ولا المسجد الحرام ولا غيره من المساجد، فكلها يستوي فيها المنع.

    قال: أفتى العلماء على أن المساجد كلها سواء لحديث ابن عمر فيمن أكل من هذه الشجرة، -يعني: الثوم- فلا يأتين المساجد.

    قال العلماء أيضاً: وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الأشغال، والاشتغال في بيت الله عز وجل لا ينبغي أن يكون إلا بالصلاة وبالذكر.

    ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قام في المسجد وقال: (من دعا إلى الجمل الأحمر) فقد كان عنده جمل أحمر فضل عليه، فوقف في المسجد بعد الصلاة وقال: من رأى الجمل الأحمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وجدت لا وجدت) فدعا على الرجل ألا يجد جمله فقال: (لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)

    وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر (أنما بنيت المساجد للتسبيح، ولذكر الله، وللصلاة).

    فهنا قال للرجل: (لا وجدت) مع أن يمكن أن يقال: هذا معذور وجمله ضائع، وهو ليس شيئاً حقيراً. فنقول: (ولو كان جملاً أو أكثر من ذلك فليست المساجد مكاناً لذلك، وإذا أراد أن ينادي على جمله فليناد خارج المسجد، أو في الشارع وليس في المسجد، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له، فلا ينبغي رفع الأصوات في المساجد، وهذه حالة تجدها في كثير من المساجد، وأحياناً عندنا في المسجد بعد الصلاة تجد بعض الناس يقف ويتكلم ويكثر من الكلام، فيشوش على الناس صلاة النافلة وهو يحكي ويتكلم، ولا يدري أن الناس ينشغلون عن صلاتهم بهذا الذي يقوله، فيأثم برفع الصوت في المساجد بحيث يلهي المصلين عن صلاتهم.

    وأحياناً ينبه ويؤمر بخفض الصوت فيقول: صوتي هكذا، فهذه سفاهة وقلة أدب في الرد.

    فقد كان عمر إذا وجد من يرفع صوته في المسجد حذفه بالحصى؛ حتى يتأدب في بيت الله سبحانه وتعالى، وسمع صوت رجل في المسجد فناداه وقال: ما هذا الصوت أتدري أين أنت؟

    يعني: أنت لا تعرف أنك في بيت الله سبحانه وتعالى.

    وقد جهل الكثير من المسلمين هذه الآداب، فتجده يحكي قصة، فيتكلم ويرفع صوته ويسلم بصوت عالٍ، ويمكن أن يسلم ويضرب بيده على الثاني، ويمكن أن يضحك ويقهقه.

    وأحياناً بعض الناس يكون من رواد المسجد ويحس مع كونه من رواد المسجد كأن المسجد مثل بيته، فيتعرف على الناس، كيف حالك يا فلان؟ وماذا عملت يا فلان؟ يفعل هذا من أول المسجد إلى آخره، ويقف على شباك المسجد ينادي من في الخارج، وهذا من الخطأ فالإنسان يحترم نفسه في بيت الله عز وجل، وهذا بيت الله ليس بيتك، وأنت جئت إليه للثواب، وإذا كنت أتيت لكي تجني الآثام فلا داعي لهذه الوقفة ورفع الأصوات بأذى الناس، ولا تعطل من يصلي عن صلاته وتلهيه، ولا ترفع صوتك وتؤذي الناس به، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له.

    وفي الحديث (أن رجلاً بال في المسجد فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول في المسجد وابتدره الناس يمنعوه عن البول في المسجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوه لا تزرموه بوله) يعني: الأمر انتهى فإذا أزعجته سيقوم يوسخ نفسه، وينجس نفسه، فدعه على ذلك.

    فلما انتهى الرجل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)

    فالمساجد لذكر الله عز وجل، وللصلاة، ولقراءة القرآن، (ثم أمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه).

    فالمساجد تنزه من البول ومن الغائط، وتنزه من رفع الأصوات فيها، وتنزه من إتيان المجانين إليها.

    وكذلك الأطفال الذين لا يصلون، ويعبثون في المساجد، وكم ترى من ذلك! فكل واحد يأتي بابنه وعمره ثلاث أو أربع سنين إلى المسجد فيؤذي الناس، ويجري أمام المصلين، ويرفع صوته ويصرخ.

    وبعضهم يأتي برمل، ويحذفه على الناس وهم يصلون داخل المسجد، فتخبر أباه فيقول: اضربوه.

    والصحيح أن يعلم ابنه الأدب، ولا يأتي به المسجد إذا كان بهذه السفاهة، والأطفال يحضرون إلى المسجد عندما يكون عمر أحدهم سبع سنين، فيتعود على صلاة الجماعة، وأما قبل ذلك فهو يؤذي الناس بالجري ورفع الصوت.

    وهذا لا ينبغي أن يفعله الإنسان في المسجد.

    وقد ذكرنا قبل ذلك فتوى شيخ الإسلام في وجود أطفال في المساجد يؤذون المصلين ويلوثون المساجد، فأفتى بتحريم ذلك، وقد نقلنا فتواه قبل ذلك. والله أعلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.