إسلام ويب

تفسير سورة النور [35 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شبه الله نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن فينير له الطريق، ويهديه في الظلمات، ويطمئن في المخاوف، شبهه تشبيهاً رائعاً في هذه الآيات، فانظره مع تفسيره تزدد علماً وفهماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة...)

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نوره العظيم الذي يهدي به من يشاء من خلقه، فقال: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35].

    اللَّهُ نُورُ [النور:35] أي: منور السموات والأرض بما جعل فيها من ضياء،.

    قال سبحانه: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] أي: هادي من في السموات ومن في الأرض، فالله نور ليس كغيره من النور، كما أننا نؤمن بصفاته سبحانه وأنه لا يشبهه شيء، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وأخبر أنه خلق الإنسان من سلالة من طين، فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2].

    فالله سميع وبصير سبحانه، وجعل للإنسان سمعاً وبصراً، وجعل فيه حياة، ونؤمن أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فالمخلوق فيه كحياة، ولكنها ليست كحياة الخالق سبحانه وتعالى.

    وللمخلوق سمع وبصر، ولكنها لا يشبهان أبداً سمع الخالق سبحانه ولا بصره، وكذلك الله نور، ولا يشبهه نور غيره.

    فالله نور السموات والأرض، والله منوِّر السموات والأرض، فينورهما بما يشاء، والله يهدي أهل السموات وأهل الأرض، فهذه من معاني تنوير الله سبحانه وتعالى للسموات والأرض.

    ثم ضرب مثالاً لنوره فقال: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35]، وختم بقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] إذاً: فلا يضرب مثلاً لنوره الذي هو صفة من صفاته سبحانه، فهو لا يشبهه شيء، ولا يضرب له الأمثال، ولكن يذكر لنا شيئاً من نور هداه سبحانه في قلب الإنسان المؤمن.

    فالإنسان يعرف صفات الله سبحانه وتعالى لما يرى أمامه في الكون من قدرة الله عز وجل العظيمة المبهرة، فيعرف قدر الله سبحانه، قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، فلولا أن الإنسان يرى أشياء كبيراً حجمها، لما عرف أن الله هو الكبير سبحانه وتعالى.

    فيرى الأرض عظيمة قد استوعبت من عليها من مخلوقات، ويرى من الأجرام التي خلقها الله عز وجل ما هو أكبر بكثير من هذه الأرض، فيعلم أن هناك ما هو أكبر من هذا الكبير.

    ثم ينظر في هذه المجرات التي خلقها الله عز وجل، فيعلم أنها أعظم وأعظم وأكبر من هذا الكون الذي يراه من أرض ومن شموس حولها، فيرى هذا شيئاً كبيراً، والله أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى.

    فالله يُري الإنسان الآيات ليعرف بها عظيم صفات الله تبارك وتعالى.

    وكذلك يرينا نوراً قد خلقه الله عز وجل، وهذا نور آخر أعظم منه خلقه الله أيضاً، وهذا نور ثالث أعظم وأعظم، فالإنسان يطلع على ما يراه من نور، فيرى نوراً موجوداً في الأرض، ونوراً يأتي من القمر، وهذا ضياء يأتي من الشمس، وفوقها ما هو أعظم من ذلك بكثير.

    فالإنسان يرى النور في الدنيا، فهو يطيق أن ينظر إلى ضوء الشمعة، ولكن إذا كان مصباحاً لم يكد يقدر أن ينظر إليه، فإذا كبر ما فيها من ضوء صارت هالوجيناً مثلاً فمستحيل أن ينظر إليها بنظره، فالله نور سبحانه وتعالى، وهو أعظم من ذلك بكثير.

    فيضرب لنا هذا المثل للتقريب للأذهان، فعندما يرى الإنسان الشيء الكبير يعلم أن الله أكبر من ذلك، وعندما يرى الشيء العظيم يعلم أن الله أعظم من ذلك.

    فمثل نوره ما يجعله في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان، ونور معرفة الله سبحانه، واليقين به سبحانه، ونور القرآن في قلب الإنسان المؤمن، ونور الإتباع والهدى في قلبه، فهذا النور الذي يضيء له فلا يكاد يضل، ولا يكاد يقع في شيء يغضب الله سبحانه وتعالى.

    مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور:35] قالوا: المشكاة: هي الكوة في الحائط، وكأنه نافذة مغلقة من مكان ومفتوحة من مكان آخر، وكأنه فتحة في الحائط موضوع فيها هذا المصباح.

    قال تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] كأنه العلبة التي توضع بداخلها اللمبة من أجل تجميع الإضاءة في مكان، فكأنه يريد هنا أن يرينا مثلاً من الأمثلة: أنه إذا وجد مثل هذا النور في مكان فلا يمكن لإنسان ألا يرى ما حول هذا النور إلا أن يكون أعمى.

    إذاً: فهو نور عظيم أضاء المكان الذي هو فيه، فتخيل مكاناً مغلقاً، وهناك علبة بداخلها مصباح، وهذا المصباح صفته أنه: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35]، والفتيلة التي فيها النار داخل الزجاجة، وهذه الزجاجة يذكرها الله عز وجل فقال: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ [النور:35]، فكل شيء فيها مضيء، والفتيلة مضيئة، والمشكاة التي بداخلها كأنها مضيئة.

    قال تعالى: الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [النور:35] بداخل علبة زجاجية، الزجاجة هذه كأنها وحدها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ [النور:35] كأنها كوكب دري، والمصباح: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ [النور:35].

    القراءات في قوله (كوكب دري)

    قوله تعالى: دُرِّيٌّ [النور:35] فيها ثلاث قراءات: (دِرِّيء) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي . و(دُرِّيء) هي قراءة شعبة عن عاصم ، وحمزة وباقي القراء يقرءون: دُرِّيٌّ [النور:35] كأنه من الدر، أو من الإضاءة العظيمة الشديدة.

    وقوله تعالى: كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور:35] أي: كوكب ثاقب مضيء إضاءة عظيمة، أو كأنه الكوكب الدِّرِّي من الدرء، وهو الاندفاع، كأنه الكوكب الجاري بسرعة في السماء، فكلما ازداد جرياً ازداد إضاءة وتوهجاً، فكأن الزجاجة كوكب مضيء، إذاً: الزجاجة وحدها كأنها مضيئة، المصباح بداخلها مضيء.

    يقول هنا سبحانه وتعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ [النور:35] يعني: أن الفتيل يوقد من زيت هذه الشجرة التي بارك الله عز وجل فيها، وهي شجرة الزيتون، فجعل في زيتها الفوائد العظيمة للإنسان في كل شيء، فإذا أوقد فيه مصباح كان أشد استنارة.

    لا شَرْقِيَّةٍ [النور:35] أي: لا شرقية فيحجب عنها الضوء الغربي.

    وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35] فيحجب عنها الضوء الشرقي، ولكنها وسط، وهذا أشد لجمالها ولحسن زيتها.

    يقول الله سبحانه: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ [النور:35] أي: أن زيتها الذي يوقد هذا المصباح يكاد يضيء لوحده، فلو فرضنا أن فتيلة سيخرج منها نار، ومن أجل أن نغذي هذه الفتيلة سنضع لها زيتاً، والزيت لوحده يكاد يضيء، والمصباح يضيء، والزجاجة كوكب دري، وموضوعة في مكان مغلق، فكم سيكون حجم الإضاءة التي بداخل هذا المكان؟ فهل ممكن أن يضيع منك شيء في مكان بمثل هذه الإضاءة؟ لا.

    وكذلك ما يجعله الله عز وجل في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان يستدل به على عظمة الخالق سبحانه، ويستدل على صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل الصالح فيعمله، ويستدل على أن هذا حلال فيأتيه، وأن هذا حرام فيبتعد عنه، فهذا نور في قلب المؤمن يهديه الله عز وجل به إلى ما يشاء من طاعته.

    قال سبحانه: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] يعني: هذه الأنوار بعضها فوق بعض تضيء لصاحبها، وتريه الطريق المستقيم.

    قال سبحانه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] أي: لنور الهدى، ونور الإيمان، ولنور القرآن العظيم، ومتابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكرنا في الحديث: (إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل). فالله سبحانه وتعالى يهدي لنوره من يشاء.

    قال تعالى: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [النور:35] فهذا مثال من الأمثلة العظيمة، وهو مثال: النور، ويضرب الله أمثلة كثيرة في كتابه سبحانه، ويقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26]، فيضرب المثل بالبعوض، ويضرب المثل بالذبابة، ويضرب المثل بالنور، ويضرب المثل بالنار، ويضرب المثل بالظلمات، ويضرب الأمثلة بما يشاء سبحانه؛ حتى يقرب للإنسان فيفهم عن الله سبحانه وتعالى ما يريد أن يفهمه إياه.

    إذاً: فهنا يضرب الأمثال حتى يفهم الإنسان، فإذا قرأ القرآن ولم يفهم ما أراده الله عز وجل منه ضرب له الأمثال، فحذره من الحرام، وأمره بأن يؤدي الواجبات والمستحبات فإذا لم يفعل ذلك ولم يفهم، فهذا شاء الله عز وجل أن يضل ولا يهتدي.

    فالله يضرب الأمثال واضحة كهذا النور، فإذا لم يعقل الإنسان، فمعناه: أنه لا يريد أن يفهم هذا الذي آتاه من عند الله، فيستحق ما يناله من عذاب يوم القيامة.

    قال تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35] أي: ليس علمه محدوداً بل أحاط بكل شيء علماً، فما في السموات وما فوقها، وما في الأرض وما تحتها، كل ذلك قد أحاط الله عز وجل به علماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه... )

    قال سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36].

    فِي بُيُوتٍ [النور:36] وهي: المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى، وكل شيء ملك لله، فالأرض أرض الله، والسماء سماء الله، وكل شيء لله، ولكن لتشريف هذه المساجد سماها بيوته سبحانه وتعالى.

    أَذِنَ [النور:36] أي: أمر الله سبحانه وتعالى وقضى أن ترفع وتشيد وتبنى؛ لعبادة الله سبحانه وتعالى.

    القراءات في قوله تعالى: (في بيوت)

    في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ قراءتان: قراءة بضم الباء وهي قراءة ورش وأبي جعفر وأبي عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بضم الباء.

    وباقي القراء يقرءونها بالكسر: في بُيوت أذن الله أن ترفع .

    ومثلها ما جاء في القرآن من: شُيُوخ و شِيوخ ، و عُيُون و عِيون ونحو ذلك، ففيها قراءتان: بالكسر وبالضم.

    قال تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) أي: يرفعها الإنسان ليعبد الله عز وجل فيها.

    وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    إذاً: هذه المساجد ليست مبنية للعب، وإنما بنيت لعبادة الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) أي: لذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم، وللصلاة، فهذه بيوت الله سبحانه أذن أن ترفع لذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ...)

    رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:37]، فهذه البيوت فيها رجال وصفهم الله عز وجل بذلك، (رِجَالٌ) وكأنه يقول: نعم الرجال وأفضل الرجال عمّار بيوت الله سبحانه وتعالى، الذين ذكرهم وقال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[التوبة:18].

    فهؤلاء الذين هداهم الله سبحانه وأكرمهم، لذلك فالإنسان المؤمن إذا وجد نفسه يواظب على بيوت الله عز وجل للعبادة، ويكون محباً لبيت الله سبحانه، فليبشر بهذه البشارة التي بشر الله سبحانه بها هنا وفي سورة التوبة.

    فذكر هنا: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37] فكأنه يمدحهم بهذا الوصف، فهم رجال ليسوا كغيرهم من الرجال.

    فهؤلاء الرجال اختصهم الله بأن يعمروا بيوته، فاستحقوا أن يوصفوا بهذا الوصف: أنهم رجال، يعني: نعم الرجال، وهكذا كما تقول لإنسان: أنت رجل، وأنت تقصد: أنت نعم الرجل، أنت فيك صفات ليست في غيرك.

    وكذلك في هؤلاء، وذكر أنهم يعمرون مساجد الله وبيوته فقال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[التوبة:18].

    وبيوت الله هي المساجد، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً، ولو كمفحص قطاة بنى له الله بيتاً في الجنة) سواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً.

    قال تعالى: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ[النور:36] أي: تشيد ويرفع بنيانها، ليصلي الناس بداخلها.

    وترفع أيضاً بمعنى: تطهّر وتعظّم ويرفع شأنها.

    فالمؤمن يعظم بيت الله عز وجل، فلا يأتي المسجد من أجل أن يلعب بداخله، ولا يأتي المسجد من أجل أن يؤذي أحداً في بيت الله سبحانه، فلا يجوز الأذى ظاهراً ولا باطناً، وقد يتأذى الإنسان من شيء فتتأذى الملائكة منه أشد من أذى الإنسان.

    فيُرفع بيت الله سبحانه فلا يؤذي فيه أحداً، ويطهره من الأنجاس والأقذار، ويعظم بيت الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب)، فديار الأنصار كانت كثيرة، فكأن البعض منهم يشق عليهم أن يأتوا إلى مسجد النبي الله صلى الله عليه وسلم من عوالي المدينة ونحوها، فأمرهم أن يتخذوا مساجد في الدور.

    والدار: مجموعة البيوت التي تكون متلاصقة في مكان، يعني: يتخذون في أحيائهم مساجد، فيصلون فيها صلاة الجماعة، فإذا كان يوم الجمعة جاءوا فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المساجد أن تطهر وتطيب، فالمسجد مكان يصان عن الأذى، ويطهر ويطيب، فتكون رائحته طيبة.

    إذاً: فالإنسان الذي يأتي إلى بيت الله برائحة خبيثة من ثيابه أو من جواربه، هذا قد فعل غير ما أمر الله عز وجل به، لذلك فالإنسان المؤمن يحرص على نظافته، ويحرص أنه إذا جاء إلى المسجد أن يتطيب، وأن يتجمل لبيت الله سبحانه، كما أمر الله سبحانه وتعالى قال: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ[الأعراف:31].

    قال تعالى: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ إذاً: هنا ستبنى المباني، لكن هل المعنى أن ترفع فوق القدر المحتاج إليه فيكون المسجد تحفة معمارية مثلاً؟

    لم نؤمر بهذا الشيء، بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم المنع من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فجاء في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد) إذاً: فالمساجد أصبحت للمباهاة وليست من أجل الصلاة، بل من أجل أن يقال: مسجدنا أحسن من المسجد الآخر.

    وجاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) وفي رواية: (فالدبار عليكم) وهو بمعنى: الدمار.

    والمعنى: أنك مخلوق لعبادة الله سبحانه، فإذا نسي الإنسان هذه العبادة، ونظر إلى شيء آخر غير العبادة، وكل همه أن يزخرف المسجد، وأن يدهن بأصفر وأحمر، وينقش ويزخرف، ويضع صور في المسجد، فإذا دخل الصلاة نقرها كنقر الغراب، فإذا انتبه الإنسان لزينة المسجد، ونسي السبب الذي من أجله بني هذا المسجد، فانتظروا الدمار من الله سبحانه وتعالى، فلم تعد المساجد للعبادة، ولم تعد لذكر الله، بل صارت للمباهاة.

    وكذلك في الحديث نفسه قال: (إذا حليتم مصاحفكم) فأصبح هم الإنسان أنه يشتري مصحفاً حسناً؛ من أجل أن يعلقه في السيارة، أو من أجل أن يعلقه في بيته، أو يضعه أمام المرآة حتى يتفرج عليه، لكن لا يفتح المصحف ولا يقرأ فيه شيئاً، مع أن كتاب الله أنزل ليحفظ في الصدور، ويحفظ بالأعمال، فيعمل بما فيه شريعة ومنهاجاً، ويحفظه فيتلوه متعبداً به لله سبحانه، فإذا ترك هذا كله، وأصبح المصحف من أجل أن يعلق في السيارة، أو يوضع في البيت كنوع من الديكور، فانتظر الهلاك والدمار؛ فالمصحف لم ينزل من أجل أن تضعه تحت المخدة وتنام، من أجل البركة في زعمك، أو تضعه على الدولاب ولا يقرأ فيه، وإنما جاء المصحف شريعة من الله عز وجل يقرأ ويتدبر، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا[النساء:82]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[محمد:24]، فكأن قلب الإنسان الذي لا يقرأ القرآن ولا يتدبر فيه مغلق بقفل لا يفتح؛ لأنه ترك القرآن وراءه.

    يقول الله سبحانه وتعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:36-37].

    قوله: بِالْغُدُوِّ[النور:36] أول النهار.

    قال تعالى: وَالآصَالِ[النور:36] الأصيل: وقت العصر، والمقصد أنه دائماً صباحاً ومساءً وهو في تسبيح وفي ذكر لله عز وجل في الصلوات الخمس وفي غير ذلك.

    رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ[النور:37] فهؤلاء هم الرجال الذين وعدهم الله سبحانه أن يهديهم، وأن يغفر لهم، وأن يرحمهم.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.