إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [35]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه نور السماوات والأرض، ومنورهما، وهادي أهل السماوات والأرض إلى الصراط المستقيم، وضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لنوره قي قلب المؤمن بمشكاة -وهي الكوة غير النافذة- فيها مصباح بداخل زجاجة بيضاء نقية كالكوكب المنير المتلألئ، وفتيل هذا المصباح يوقد من زيت شجرة الزيتون المباركة، وهذا الزيت يكاد يضيء من شدة صفائه، فهذا مثل لنور الله في قلب المؤمن، وهو نور الإيمان والوحي والهدى.

    1.   

    تفسير وقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    ذكر الله عز وجل نوره في هذه الآية العظيمة الكريمة، ومجيئها في هذا الموضع غاية في الجمال والإحكام والإتقان، فالله عز وجل ذكر قبلها غض البصر، فقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30].

    وذكر بعدها: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31].

    ثم ذكر أنه أنزل: آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34].

    ثم ذكر هذه الآية العظيمة، وذكر بعدها: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    فالذي يتأمل في هذه الآيات يجد أن الله سبحانه وتعالى قصد أن يبين لنا نوره سبحانه وتعالى، فهو النور سبحانه، وجعل في قلوب عباده نوراً، وأنزل عليهم من السماء نوراً يهديهم، وأرسل إليهم رسولاً من عنده يهديهم إلى نوره سبحانه وتعالى، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15].

    فهذا نور بعضه وراء بعض: نور طاعة الله سبحانه وهداه، ونور اجتناب معصية الله سبحانه وتعالى وعقوبته، وذكر ذلك لما ذكر غض البصر، وكأن المعنى: أن من غض بصره فإنه يورث في قلب الإنسان نوراً من عند الله سبحانه وتعالى.

    فالله نور السموات والأرض، أي: منورهما وهادي كل شيء سبحانه وتعالى، وطاعته تورث في القلب النور، ومعصيته تحجب عن القلب النور.

    فوائد غض البصر

    قال أهل العلم: من فوائد غض البصر: أنه يورث نور القلب، والإنسان الذي يغض بصره فإنه يستنير قلبه، ويورث الفراسة، فيكون الإنسان ذكياً تقياً يعرف الشيء ويفطن إليه بمجرد إحساسه.

    ولذلك أخبر سبحانه وتعالى عن قوم لوط أنهم أظلمت قلوبهم فصاروا متحيرين لا يفهمون ولا يفقهون، ووقعوا في هذه الجريمة الشنعاء وهي إتيان الرجال من دون النساء، فالله سبحانه وتعالى يخبر عنهم: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72].

    والإنسان الذي يقع في المعصية وخاصة الفاحشة من زنا ولواط، فإن مبدأ هذه الفاحشة هو النظر إلى المرأة أو الأمرد، فيقع في النهاية في هذه الفاحشة والعياذ بالله.

    وهؤلاء وقعوا فيها واستحلوا ما حرم الله سبحانه وتعالى، فأخبر تعالى أنه عاقبهم وعاجلهم بعقوبة عجيبة جداً، فأرسل عليهم رسولاً من عنده سبحانه يستدرجهم فيما هم فيه من بلاء ومعصية حتى إذا أصروا على الوقوع في هذه الفاحشة، إذا برسل الله عليهم الصلاة والسلام -وكانوا ملائكة من عند رب العالمين- يخرجون لوطاً، وإذا بالقرية تهدم على من فيها، ويرسل عليهم ربنا سبحانه وتعالى حجارة تحرق من كان فيها، ويهلكهم ويتلفهم ويدمرهم بهذه الجريمة، يقول تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يعمهون [الحجر:72].

    والسكرة: العماية، يعني: كأنهم مخمورون، فعقولهم تائهة قد سكرت كالإنسان الذي يشرب الخمر فيتوه عقله، وكذلك أنها مسَّكرة، أي: مغلقة عليهم قد أغلقت وتاهت عقولهم؛ بسبب ما وقعوا فيه من الفاحشة.

    فالفواحش تظلم على الإنسان قلبه، ومبدأ هذه الفواحش من نظر الإنسان، فينظر فيقع في الزنا أو اللواط، والقلب يتمنى الشيء والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

    أضرار النظر إلى ما حرم الله

    قال أهل العلم: إن التعلق بالصور والنظر إلى ما حرم الله سبحانه يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسكر القلب بل جنونه، فيجن القلب فلا يعقل ما الذي يدفع صاحبه إليه، فلذلك قال بعض الشعراء:

    سكران سكر هوى وسكر مُدامة فمتى إفاقة من به سكران

    والإنسان السكران الذي في قلبه هوى لا يفيق، وعقله يذهب، فإذا بالقلب والعقل لا يأبهان لشيء ولا يفهمان شيئاً، فإذا به يضيع، ومتى يفيق هذا الإنسان الذي يضيع؟

    الأمور التي تؤدي إلى إصابة الفراسة

    ذكر الله سبحانه آية النور عقب آيات غض البصر لينبه الإنسان أن غض البصر يورث في القلب نوراً وهذا من فوائد الطاعة وتجنب معصية الله سبحانه، لذلك قالوا: كان رجل من أهل العلم اسمه شاه بن شجاع الكرماني ، كانت لا تخطئ له فراسة، فكان يتوسم في الشيء ويقول: أظنه كذا، فيكون على ما ظنه، والأمر ليس أمر ذكاء من الإنسان أو أن يجعل نفسه فاهماً وعارفاً بكل شيء، ولكنها من الله عز وجل نور في قلب الإنسان، فيتفطن للشيء الذي لا يتفطن إليه غيره.

    فسألوا هذا الرجل عن ذلك، فقال: من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وأكل الحلال، لم تخطئ له فراسة.

    فالإنسان الذي يريد أن يتوقع الشيء ويكون على النحو الذي يتوقعه، ولا أحد يستطيع أن يخدعه، فإن ذلك لن يأتي من كثرة مخالطة الناس، أو أن يظن الإنسان أنه ذكي، ولكن يطيع الله عز وجل فيورثه الله عز وجل في قلبه ما يفهم به الأمور.

    فهذا الرجل الفاضل كان يقول: من عمّر ظاهره بإتباع السنة، أي: من يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويتابع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته.

    وعمّر باطنه بدوام المراقبة، أي: لا يبقى الظاهر متابعاً للسنة والباطن خرب، ولكن يعمره بمراقبة الله وبالخوف من الله سبحانه وتعالى، فاجتنبوا المعاصي ظاهراً وباطناً.

    ويغض بصره عن المحارم، ويكف نفسه عن الشهوات، يعني: الباطلة التي حرمها الله عز وجل، فكذلك يأكل الحلال ولا يأكل من حرام، وإذا اجتمعت فيه هذه الصفات الخمس فالله عز وجل يجعل في قلبه فراسة، فلا يكاد يخطئ في شيء يظنه أو يتفرس فيه، فـاللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35].

    شرح حديث: (إن الله عز وجل لا ينام... )

    وجاء في صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). فالله عز وجل من صفاته سبحانه وتعالى وكماله وجماله أنه لا ينام، وإذا كان أهل الجنة لا ينامون، والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن ذلك فقال: (النوم أخو الموت) فالنوم دليل على أن الإنسان متعب، فيستريح بالنوم، وأهل الجنة لا يتعبون أصلاً، فالجنة لا تعب فيها ولا شقاء ولا نصب، والنوم في الجنة يضيع على المؤمنين جزءاً من استمتاعهم بالشهوات فيها، وبما أباحه الله عز وجل وجل لهم، وما أعطاهم من إكرام.

    ولا موت بعد الموتة الأولى، فإذا كان هذا في الإنسان المخلوق، فإذا دخل الجنة فالله عز وجل لا يجعله ينام إكراماً من الله عز وجل لعبده، فكيف يجعل في عبده صفة ويكون هو سبحانه وتعالى على خلاف ذلك! فالله له الكمال سبحانه وتعالى، فالله لا ينام أبداً، فإن النوم أخو الموت، فلا يظن أبداً بالله عز وجل أن يكون فيه هذا النقص.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (يخفض القسط ويرفعه) فهنا ميزان الله عز وجل العدل، فيفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، يخفض ويرفع، يعز ويذل، ويفعل ببعض عباده شيئاً ويفعل بغيرهم شيئاً آخر خلاف ذلك، وكل هذا مقتضى حكمته سبحانه وتعالى.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، معناه: أن الأعمال كلها تصعد إلى الله عز وجل ولا يتأخر منها شيء، والإنسان لما تأتيه أشياء فإنه يأخذ بالأول فالأول؛ لأنه لا يقدر على أن يأخذ الجميع مرة واحدة، ولله عز وجل المثل الأعلى، فكل شيء يصعد إليه فهو يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، فالأعمال تتسابق ارتفاعاً إليه سبحانه، وهو مطلع على الجميع سبحانه وتعالى قبل صعودها إليه بل قبل أن يفعله الخلق.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور)

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور) فقد احتجب الله عن خلقه وهم أهل سمواته وأرضه بحجاب من النور سبحانه وتعالى، والله عز وجل أخبر عن نفسه أنه نور سبحانه وتعالى، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قيام الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن) أي: منور السموات والأرض، فالله عز وجل نور السموات والأرض، كما ذكر لنا في هذه الآية، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، وأيضاً جاء في القرآن قول الله سبحانه: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:69].

    ويوم القيامة لا شمس فيه ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب، والذي يضيء ويشرق في الأرض ويجعلها منيرة يوم القيامة هو نور الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:69].

    وجاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره -سبحانه وتعالى- فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل) فرجعت الهداية إلى نور الله سبحانه وتعالى، فإنه خلق الخلق وجعلهم في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره سبحانه، فمن أصابه من هذا النور جاءه الهدى من الله عز وجل، ومن لم يصبه من نور الله عز وجل كان من الأشقياء.

    وأيضاً جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، فنور السموات من نور وجهه سبحانه وتعالى.

    فالله نور السموات والأرض ومنورهما وهادي أهل السموات وأهل الأرض.

    والله عز وجل ذكر آيات في غض البصر قبل قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35]، ثم بعد ذلك ذكر الله عز وجل أمر المساجد فقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    فالمراد بالنور: الطاعة، أي نور غض البصر، فمن كف نفسه عن المعصية أورثه الله عز وجل في قلبه نوراً، ومن أتى إلى بيوت الله عز وجل وعمرها بطاعة الله جعل الله عز وجل في قلبه نوراً، فالبعد عن المحارم يورث في القلب النور، والاشتغال بالطاعة يجعل في القلب النور، فالله عز وجل يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فإن غض بصره عما حرم الله سبحانه عوضه عليه من جنسه بما هو خير، فجعل الله مكانه نوراً في قلبه يرى به الأشياء على حقيقتها، فيطلق نور بصيرته، ويفتح عليه أبواب العلم والمعرفة والفراسة من فضله سبحانه.

    ومن فائدة غض بصر الإنسان والبعد عن المعاصي: قوة القلب، فالله عز وجل يقوي قلب الإنسان ويثبته ويشجعه، ويجعل الله عز وجل له سلطاناً من عنده ينصره به مع سلطان حجته، ولهذا قالوا: إن الإنسان العاصي يوجد في قلبه من الذل ما لا يستشعره إلا هو، أما الإنسان الطائع فإنه يستشعر في قلبه عز الطاعة.

    وذل المعصية جاء من ظلمتها، فإذا به لا يبصر الشيء على حقيقته.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه.

    فالإنسان وإن ركب المراكب العالية الفخمة: فسارت به السيارات، وطارت به الطائرات، وركب السفن، ومشى مختالاً في الأرض، فالله يأبى عز وجل إلا أن يجعل في قلبه الذل والحاجة إليه سبحانه وتعالى.

    قال الله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    فالله نورٌ سبحانه وتعالى، وهو منور السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، وهو سبحانه حجابه النور، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة المعراج: (هل رأيت ربك؟ قال: نوراً أنى أره) أي: أنه لا يطيق أن يرى ربه سبحانه تبارك؛ لأنه لم يعط من القوة أن يرى الله عز وجل كما يعطى ذلك المؤمنون فيرونه في يوم القيامة، وأما في المعراج فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ببصره إلا نوراً، وأما أن يصف ربه سبحانه فلا يقدر على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ ليس هذا هو النور الذي هو حقيقته سبحانه وتعالى، ولكن النور الذي يضرب له المثال هو نور هدايته في قلب الإنسان المؤمن، فإن الله عز وجل يقذف في قلب المؤمن نوراً شديداً قوياً كهذا النور الذي يصفه سبحانه وتعالى، فمثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، والمشكاة هي الكوة، وهي طاقة في الحائط غير نافذة، وأصل المشكاة هو الدلو من الجلد، أو العلبة المفتوحة من مكان وحد فقط.

    وهذه المشكاة بداخلها مصباح، وفتيل هذا المصباح موضوع في داخل زجاجة، والزجاجة غاية في الإنارة والإضاءة كالكوكب الدري الشديد الإضاءة، وهذه المشكاة موجهة للضوء إلى مكان واحد مثل اللمبة التي يوضع عليها عاكس، فإنه يوجه النور ويكون قوياً موجهاً إلى مكان، فالعلبة المفتوحة من طرف واحد يكون ذلك أقوى للإضاءة، وبداخل هذه المشكاة مصباح، وفتيل هذا المصباح داخل الزجاجة، والزجاجة كالكوكب المنير المضيء، فكيف إذا اتقد هذا الفتيل بداخلها؟!

    وقوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35].

    فهذا المصباح له زيت يوقده، وهذا الزيت يستخرج من شجرة الزيتون، وزيت الزيتون يعطي إنارة عظيمة، وهو زيت مبارك، كما سيأتي في أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، وهذه الآية تكفي في الدلالة على ذلك.

    والشجرة إذا كانت شرقية يكون فيها فوائد، فإنها تأتيها الشمس من المشرق فتعطيها نوعاً من التطييب لها، وإذا كانت غربية ففيها نوع أخر، وإذا كانت وسطاً كانت أفضل أنواع أشجار الزيتون، فهي شجرة وسط لا شرقية ولا غربية، والزيت الذي فيها يكاد يضيء وحده من غير ما يوضع فيه نار، فكيف إذا وضع بداخله النار!

    فهذا كله لبيان النور الذي في قلب الإنسان المؤمن، فكيف يكون إذا كان في قلبه هذا النور الشديد العظيم؟ وهل يقع هذا في معصية؟ وهل يضل ويتوه عن طاعة الله سبحانه؟ كلا.

    قال الله سبحانه: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] أي: نور فوقه نور، فهو أنوار مجتمعة بقلب الإنسان الذي يتبع هدى الله سبحانه وتعالى، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35]، وأمر الهدى والإضلال يرجعان إلى الله، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه وتعالى، ويضرب الأمثال بذلك لعل الناس يتذكرون.

    هذا هو التفسير الإجمالي للآية، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.