إسلام ويب

تفسير سورة النور [32 - 33]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دين الإسلام هو دين الفطرة، فقد جاء ليهدي النفوس لا ليعذبها، ومن أجل ذلك سن الزواج الذي هو نداء الفطرة في كل إنسان سوي، فأمر المولى سبحانه أولياء الأمور بتزويج من احتاج إلى ذلك رجالاً ونساء، ولأن هذه الغريزة متعلقة بالجسد والنفس فهي مرادة حتى من العبيد والإماء، إذ لا دخل لرقهم في غرائزه وشهواتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم..)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    يأمر الله سبحانه في هذه الآية بالنكاح والإنكاح، فيقول: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] (أنكحوا) أي: زوجوا، فالولي يزوج من هو ولي عليها، كابنته وأخته، فإذا زوجت فلا ترفض ذلك؛ فهي مأمورة بالطاعة، ويلزمه ألا يكرهها، إلا أن تكون صغيرة ومثلها لا رأي له.

    ولكن الأصل أن الله سبحانه وتعالى جعل النكاح عفة لعباده، وجعله وسيلة للتناسل وإبقاء النسل إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى.

    قال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] يعني: من ليست له زوجة من الرجال، ومن ليس لها زوج من النساء، والأصل أن الأيم هي المرأة التي لا زوج لها، ويطلق أيضاً على الرجل الذي لا زوجة له.

    قال: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، فأمر أيضاً بتزويج العبيد والإماء، أي: أعينوهم على العفة بالزواج، قال: مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32]، فكما أن الحر له حقوق، فكذلك العبيد لهم حقوق، فالله عز وجل جعل لهم حقوقاً في كتابه، وجعل لهم حقوقاً على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن العبد إنسان مؤمن مثل الحر، ولكن جعله الله عز وجل تحت يدك، فلا تتجبر عليه، ولا تقس عليه، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم)، إذاً: فهذا العبد جعله الله تحت يد الحر، ولو شاء الله لجعل هذا الحر عبداً تحت يد هذا العبد وجعله حراً، ولكن الله عز وجل منّ على عباده حين ملكهم هؤلاء، وقال: راعوا الحقوق في الذين تملكونهم، فكما أنك إنسان ومقتضى إنسانيتك أن لك حقوقاً فتحتاج إلى النكاح لتعف به نفسك، فكذلك هذا العبد يحتاج إلى ذلك.

    والإنسان الحر لو لم يتزوج لعله يقع في السفاح والزنا، والعبد كذلك، بل العبد أشد، فالحر قد يجد من أهله من يمنعه من ذلك، وأما العبد والأمة فلا أهل لهما.

    فالعبد قد يكون أسيراً وجيء به إلى أرض غير أرضه، فإذا به لا أهل له، ولا رادع له، فإما أن يكون في قلبه إيمان يمنعه وخوف من الله عز وجل يدفعه إلى طاعة الله، وإما أنه لا يهتم بشيء، فإذا به من أفجر الفجار.

    ووجود الإنسان الحر في أهله إذا أراد أن يقع في منكر فإنه يستحيي منهم ويخاف؛ لأنه يوجد فيه من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.

    ولذلك أمر الله عز وجل الأحرار بالزواج؛ لأن هذا يحصنهم ويمنعهم من الفجور، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يا مشعر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فأنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، فالزواج ليس للأحرار فقط دون العبيد، ولكن قال الله عز وجل هنا: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، والصلاح خير لصاحبه في كل أحواله حراً كان أو عبداً، فهنا وصى الله سبحانه بهؤلاء الصالحين من العبيد والإماء أن زوجوا هؤلاء، فالسيد يملك الأمة، فإما أن يعفها هو بأن يطأها ويكون له منها الولد، فهي ملك يمين، أو يتزوجها، أو يزوجها، أو يبيعها لمن يقدر على ذلك.

    وأمر الله عز وجل الحر السيد أن يزوج هذا العبد حتى لا يقع في الحرام، قال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] .

    معنى قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله ...)

    ثم قال سبحانه: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ [النور:32]، فوعد من الله سبحانه أن الإنسان الذي يتزوج ابتغاء العفاف أن الله عز وجل سيغنيه من فضله.

    وفي قوله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32] ثلاث قراءات: فقراءة أبي عمرو ، وروح عن يعقوب : ( يُغْنيِهِمِ الله من فضله).

    وقراءة حمزة والكسائي وخلف ورويس أيضاً: ( يغنيهُمُ الله من فضله ) بضم الهاء والميم؛ لأن أصل حركة الضمير الضم، فمشى مع هذا الأصل.

    وقراءة باقي القراء: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32] ، بكسر الهاء وضم الميم.

    والله سبحانه وتعالى واسع الرحمة، واسع الفضل، واسع الغنى، فلا تقتر على خلق الله سبحانه.

    والله عليم بمن يستحق أن يغنيه، فكم من إنسان يتزوج ويكون فقيراً، فتكون البركة في هذا النكاح.

    وكم من إنسان يتزوج ويكون قد قدر عليه رزقه في هذا النكاح، فالله أعلم بمن يستحق فضله، فنحن نرى شيئاً والله عز وجل يرى قلوب العباد ما الذي فيها، وما الذي يستحقونه.

    فقد وعد في كتابه فقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فهناك إنسان يتقي ربه سبحانه، ويتوكل عليه، ويمشي في الأمر فييسره الله عز وجل، وهناك إنسان يجرب ربه فيقول: سأتزوج فأنظر هل سيغنيني أم لا؟ والله جل في علاه لا يجرَّب، لكن إن تثق في الله عز وجل يعطك، وإن تتوكل على الله فالله نعم المولى ونعم الوكيل ونعم النصير.

    ولذلك فالإنسان الذي يثق بالله عز وجل يقول له: (أنا عند ظن عبدي بي)، فظن بالله خيراً؛ فإن الله عز وجل عند حسن ظنك به.

    أما أن تجرب ربك وكأنك لم تحسن الظن به، وكأنك تشك في وعده سبحانه وتعالى، فلا يستحق فاعل هذا إلا ما يشاءه الله سبحانه.

    ففقر الإنسان لا يمنعه من الزواج طالما أنه يملك شيئاً يتزوج به، ويجد من ترضى به على حاله، فليتزوج ولينتظر الفضل والرزق من الله سبحانه، وإذا كان شديد الفقر لا يقدر أن ينفق على من يتزوجها، فليصبر في هذه الحال.

    وفرق بين إنسان رزقه قليل فيستطيع أن يعيش عيشة متواضعة في مكان يسير، وعلى قدر حاجته، وينفق على المرأة التي يتزوجها وهي ترضى بهذا، فهذا خير وبركة وتيسير من الله سبحانه وتعالى، ولذلك هنا جاء في الحديث ما يبين أن الفقر لا يمنع من الزواج، وأن الإنسان الفقير طالما أنه يجد شيئاً فليتزوج.

    ففي الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني وهبت لك نفسي) ، وهذا جائز للنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [الأحزاب:50]، وهذا الحكم له وحده فقط صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الله عز وجل: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50].

    فلما قالت المرأة ذلك سكت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر هنا في الحديث أنها قامت قياماً طويلاً، فقال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: (زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة) يعني: كأن الرجل وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يتزوجها، وكان شديد الحياء، فاستحيا أن يقول لها: لا، وهذا من أدبه الجم عليه الصلاة والسلام.

    فالرجل استشعر ذلك، والمرأة تريد الزواج، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك من شيء تصدقها؟)، ولم يقل: اذهبي وهاتي أولياءك؛ لأن الله تعالى يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، فهو أولى بها من أبيها وأخيها ومن نفسها أيضاً.

    فقال لهذا الرجل -وقد نظر لمصلحة المرأة الآن-: (هل عندك من شيء تصدقها) يعني: لم يسأله هل عنده بيت أو مكان يتزوجها فيه، ولكنه سأله عن المهر.

    فقال الرجل: (ما عندي إلا إزاري) أي: ليس عندي شيء إلا الإزار الذي ألبسه، فقال: (إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك) يعني: ماذا ستعمل؟ وكيف ستصلي وقد أعطيتها وأصبح ملكاً لها؟! ثم قال: (التمس شيئاً، فقال: ما أجد شيئاً، فقال التمس) ، وكانوا فقراء، فالرجل منهم يذهب يعمل ويأتي بطعام يومه أو وجبته، فهذا الذي يملكه، فإذا تزوج فإنه يستطيع أن يطعم المرأة كل يوم، ولكن لابد للمرأة من مهر، فالرجل لم يجد، فقال: (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم يقل له: من ذهب أو من فضة، لأنه لن يستطيع أن يأتي به، ولكن ولو خاتماً من حديد، فلم يجد، فقال: (أمعك من القرآن شيء، فقال: نعم، سورة كذا وكذا، وسورة كذا، لسور سماها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد زوجناكها بما معك من القرآن) يعني: مهرها الآن السور التي معك، فإذاً: أنت ملزم أن تحفظها الذي تحفظه من القرآن، فهذا هو مهر هذه المرأة.

    والغرض من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد الرجل فقيراً لا يملك أن يدفع مهراً، ومع ذلك لم يقل له: لا تتزوج، فطالما أنه يقدر على أن يأتيها بطعام يومها، وأنه يستطيع أن ينفق عليها ما تحتاجه من ضروريات الحياة، إذاً: فعلى ذلك له أن يتزوجها ولو كان المهر شيئاً يسيراً.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن: (من بركة المرأة يسر مهرها)، فيكون مهراً يسيراً خفيفاً، وهذا من بركة المرأة أن تتزوج فيكون الزواج يسيراً لا مشقه فيه، وأيضاً ما إن تتزوج حتى تنجب فهذا من بركة المرأة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً..)

    قال الله عز وجل بعد ذلك: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، فإذا كان الإنسان لا يوجد معه مهر، ولا يستطيع أن يقوت من يعول ولا أن يقيم بيتاً، فكيف سيتزوج؟! فيلزمه الاستعفاف إذاً.

    قال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ [النور:33] السين في يستعفف استدعاء واستفعال، يعني: ليطلب العفة، ويستدعي العفة من نفسه.

    والعفة: هي الكف عما حرم الله سبحانه وتعالى، وعما لا يحل للإنسان أن يفعله.

    فالإنسان العفيف هو الذي يصبر عن محارم الله سبحانه، ويضبط نفسه ويكف نفسه عما حرم الله، وعما يجب أن يتركه.

    وليستعفف هؤلاء الذي لا يجدون نكاحاً، يعني: لا يجدون طول النكاح، فلا يقدر على النكاح بسبب المال.

    وإلى متى يستعففون؟ قال الله تعالى: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، وكأنه وعد من الله سبحانه وتعالى إن تستعفف يغنك الله عز وجل. وليستعفف هؤلاء إلى أن يرى الله عز وجل منهم عفة حقيقة وصبراً جميلاً، فيغنيهم الله عز وجل من فضله.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) ، فالصوم يمنع الإنسان من معصية الله عز وجل؛ لأنه يقلل الدماء في عروقه، فيصبره على الشهوة، ويصبره على أمر النكاح، ولا يستعجل الإنسان فيقول: أنا صابر فلماذا لم يغنني الله؟ وأنا أسال الله فلماذا الله لم يعطني؟ فالإنسان المتعجل جدير بعدم الإجابة، لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فهذا إنسان عجول يدعو قليلاً ثم ينقطع، فالإنسان الذي يدعو يصبر لأمر الله سبحانه، فالله لم يقل: أنا سأستجيب لك اليوم، ولا غداً.

    وانظر حين وعد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بفتح مكة فقال: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا [الفتح:27]، فالصحابة يريدون وعد الله عز وجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا قبل ذلك أن الله يفتح لهم، فلما ذهبوا عام الحديبية ولم يستطيعوا أن يدخلوا مكة ورجعوا قالوا: (ألم تكن تحدثنا أنا نأتي مكة)، فكأنهم تعجلوا ذلك، قال: (بلى، وإنا إن شاء الله آتوها، هل حدثتكم أنا نأتي هذا العام؟!)، هل قلت لكم إننا سنأتي هذه السنة؟

    فلم يقل ذلك ولكن ذكر لهم رؤيا رآها أنهم سيفتحون مكة، وسيدخلونها، وأما تحقيق ذلك فمرجعه إلى الله تعالى، ولكن سيكون وعد الله الذي وعد به نبيه صلوات الله وسلامه عليه.

    فرجعوا من الحديبية بعدما كانوا مؤملين أنهم يدخلون مكة، ولم يدخلوا، ولما أمرهم أن يحلقوا كأنهم ما زالوا ينتظرون دخول مكة، فلم يحلقوا، وأصبح كل واحد يتلكأ ويتأخر حتى حلق النبي صلى الله عليه وسلم شعره، ثم بدأ يحلق بعضهم لبعض، وكاد بعضهم يقتل بعضاً من شدة غمهم؛ لأنهم لم يدخلوا مكة هذا العام.

    فلما كانوا راجعين أنزل الله عز وجل سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، فتح ماذا وقد رجعنا من دون فتح ولا شيء؟ فذهب عمر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم -وكان من أكثر الناس كلاماً في هذا اليوم- فقال: (أو فتح هو؟ قال: نعم) يعني: هل هذا الذي عملناه فتح وقد رجعنا بشروط أقرب للهزيمه منها للعدل، ورجعنا ولم ندخل ولم نعتمر؟ فقال: نعم، فتح، فصدَّق عمر أن الأمر فتح، وكان أعظم الفتوح.

    وفي سنين الإسلام الطويلة قبل ذلك كان العدد الذي يدخل في الإسلام قليلاً، إلا أن ما بين الحديبية إلى فتح مكة دخل في دين الله الأفواج الكثيرة، ثم فتحت مكة بعد عامين فكان الفتح العظيم من الله، وكانت الإجابة بوعد الله سبحانه وتعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه.

    فهنا لم يقل: سنفتح لكم مكة اليوم، أو غداً أو بعد كذا، والله أعلم من يستحق أن يستجيب له حالاً، ومن يستحق التأجيل، ومن لا يستحق الاستجابة في الدنيا بل يدخر له ذلك ليوم القيامة.

    لذلك على المؤمن أن يصبر لأمر الله وينتظر الفرج ولو بعد حين، وتأمل صبر يعقوب عليه الصلاة والسلام على ذهاب ابنه، فلما قال الله: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، وهذه رؤيا نبي فهي حق، فلذلك الأب فهم الرؤيا، وأنه لابد أن الأب والأولاد كلهم يسجدون ليوسف عليه الصلاة والسلام، فهذه رؤيا حق، فقال: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5]، ثم أخذوا أخاهم وألقوه في الجب، وجاءوا لأبيهم وقالوا: أكله الذئب، فلم يصدقهم في ذلك، ولم يقل: يا رب ائتني به الآن، فأنا لا أصدقهم فيما يقولون، أو دلني على مكانه، وإنما صبر سنين طويلة إلى أن أصبح يوسف أميراً على مصر، وحاكماً عليها، وهذه سنين طويلة جداً إلى أن رجع يوسف لأبيه أو جاء الأب إلى ابنه.

    فعلم أن الله لا يخلف الميعاد، وأن هذه رؤيا حق، فلم يسأل ربه أو يناقشه في هذه الرؤيا، وأولاده يكذبون عليه يوماً بعد يوم، فقالوا: أكله الذئب، ثم قالوا: تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ [يوسف:85] وقد قالوا له ذلك قبل أن يجد يوسف عليه الصلاة والسلام.

    وقد كان شديد الصبر والكظم لغيضه، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84]، فذهبت عيناه من الحزن، لكنه لم يتعجل أمر الله إلى أن جاء أمر الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، وهذه الرؤيا لها فوق الخمسين سنة قبل ذلك، ثم كان تأويل هذه الرؤيا -وهي رؤيا صدق- وتحققت لكن لم يُحدد زمن لوقوعها.

    كذلك الإنسان المؤمن الذي يتوكل على الله ويثق بوعده، وأن الله يريد به الخير واليسر، وأنه إن أخر شيئاً فلخير أخره، فماذا سيخسر الله إن استجاب الآن أو غداً، ولكن له حكمة سبحانه وتعالى، فثق بالله سبحانه، وانتظر فضله ورحمته الواسعة.

    نسأل الله عز وجل من فضله ورحمته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.