إسلام ويب

تفسير سورة النور [31 - 32]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ينفذ إلى القلب فيمرضه، أو يصيبه في مقتل، ومن تركه أورثه الله نوراً يجد حلاوته في قلبه، وقد جاء الأمر الرباني لمن اتصفن بصفة الإيمان من النساء أن يغضضن أبصارهن، وألا يكن داعيات للفتنة بحركاتهن أو زينتهن وملابسهن، أو حتى بالضرب بأرجلهن ليعلم ما يخفينه من زينتهن، ثم جاء النداء الرباني الرحيم بأن من فعل شيئاً من ذلك فطريق فلاحه أن يتوب إلى الله تعالى، ويرجع إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    لما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة عما يجوز للمرأة أن تظهره أمام محارمها، وعن الزينة الظاهرة والباطنة، وما لا يحل لها أن تظهره أمام غير محارمها، أمر عباده بالتوبة إليه سبحانه فقال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فإذا كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)، وهو المعصوم الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويعد له في المجلس الواحد سبعين مرة يستغفر فيها، فالمؤمنون مأمورون بأن يتوبوا في كل وقت إلى الله سبحانه، قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وتوبة العبد سبب للفلاح، فما من إنسان إلا ويبدر منه ذنب من الذنوب كبر أو صغر، جاء في الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

    وذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى ما تتعلق هذه الآية أو هذه الجملة به، فذكر النساء وقال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، فذكر هؤلاء.

    وقد يبدو من المرأة شيء من زينتها أمام غير من ذكر الله عز وجل، فكأنه يشير إلى ذلك ويقول: توبي إلى الله عز وجل مما بدر منك سواء كان عمداً أو خطأً، وقد تنكشف المرأة أمام البعض، وتستتر أمام البعض الآخر، وقد منع الله عز وجل من إظهار الزينة إلا أمام من ذكر.

    وقد تستصغر إنساناً ولا يكون صغيراً، وقد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ويكون من هؤلاء، فيأمر الله عز وجل بالتوبة إليه، ففي نهاية هذه الآية قال الله سبحانه وتعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ [النور:31] يعني: الرجال الذين لا حاجة لهم في النساء: من كبر سن فيه، أو يكون إنساناً مخنثاً خلقة.

    فإذا دخل وطلب طعاماً أو سأله ونظر إلى شيء فهنا لا يجب على المرأة أن تستتر استتاراً كاملاً منه، ولكن قد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ثم يبدو أنه من هؤلاء، مثل المخنث الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونقصد بالمخنث الإنسان الذي ليس به حاجة إلى النساء، أو الذي في تركيبه طبيعة النساء، وأما المخنث تطبعاً فهذا ملعون، وفي الحديث: (لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).

    فالإنسان الذي يتكسر في مشيته ويتشبه بالنساء ملعون، والمرأة المترجلة التي تتشبه بالرجال في زيها وفي مشيتها ملعونة.

    ولكن لما نتكلم عن المخنث الذي يجوز أن يدخل البيت ويسأل المرأة نقصد به من كان أشبه بالنساء منه بالرجال خلقه. وكذلك الطفل قال تعالى: وَالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] أي: الطفل الذي لا يميز العورات، أو الطفل الذي لم يبلغ .

    فإذا كان الطفل صغيراً جاز للمرأة أن تبدو أمامه بزينتها، فإذا كان الطفل كبيراً وهنا سواء كان ابنها أو غير ابنها، فإذا كان ابن لها فهو ممن دخل في هذه الآية، وإذا كان ليس ابناً لها وكان صغيراً مثله لا يطلع على عورات النساء ولا يفهمها جاز أن تبدو في ثياب مهنتها أمامه، لكن إذا ظن أنه يفهم ذلك وأنه قد قارب البلوغ، وأنه يتكلم بكلام كثير ممكن ينقل أوصاف المرأة للرجال مثلاً فيجب عند ذلك أن تستتر المرأة أمامه، فإن بدا منها شيء فهنا ربنا سبحانه وتعالى يذكر بالتوبة فيقول: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [النور:31]، فالإنسان المؤمن يكثر من التوبة إلى الله عز وجل من ذنوبه التي يقع فيها.

    وأيضاً هنا ذكر في هذه الآية تحذير للنساء من الضرب بالأرجل فقال: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31]، فقد كانت المرأة في الجاهلية تمشي وقد ينكشف شيء من شعرها، أو شيء من صدرها فلا تبالي بذلك، وإذا أحبت إحداهن أن تلفت النظر لبست خلخالاً في رجلها، فإذا مرت بالرجال ضربت برجلها الأرض فيحدث الخلخال صوتاً، فينتبه الرجال لها وينظرون إليها.

    وقارن بين جاهلية الأمس وجاهلية اليوم كيف أنها اليوم لا تحتاج إلى الخلخال ولا غيره، فهاهي تمشي عريانة أصلاً، فتلفت نظر جميع من ينظر إليها في الطريق، وأيهما أشد الجاهلية الأولى حين يبدو من المرأة شيء من رقبتها، أو شيء من شعرها وهي تمشي، أو لكي تبين أنها امرأة تسير في الطريق تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال، أم جاهلية اليوم حين تمشي المرأة كاسية عارية في الطريق والكل ينظر إليها؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقد تمشي المرأة في الطريق فتضحك بصوت مرتفع ينتبه إليها من ينظر إليها، وقد تتكلم بصوت عالٍ، وهذه هي الحرية التي تطلبها، النساء فتضع إحداهن المساحيق على وجهها أو على جسدها، وهي ألوان تلفت النظر إليها، أو عري فاضح وتهتك أمام الناس، فتهتك ما بينها وبين ربها من ستر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    القراءات في قوله تعالى: (أيه المؤمنون)

    قوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور:31] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر :(أيهُ الْمُؤْمِنُونَ)، كأنه أخذ الكلمة على أنها كلمة واحدة أصلها: أي والضمير، فتعامل معها على أنها كلمة واحدة، فهي مناداة، فعلى ذلك بناها على ما يرفع به فكانت (أيهُ الْمُؤْمِنُونَ).

    وهي قراءة أنكرها بعض أهل العربية، ولكن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، فأفصح اللغات ما نزل به كتاب رب العالمين، وطالما ثبتت القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي حجة وحدها لذاتها.

    وأيها مكتوبة في المصاحف همزة وياء وهاء، فعلى قراءة (أيه) ستكون عليها فتحة بدون ألف، ولذلك اختلف القراء في الوقف عليها: فذهب أبو عمرو ، ويعقوب والكسائي إلى أنها تقرأ بالألف على أصلها وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا [النور:31].

    وباقي القراء قالوا: نتعامل مع الرسم الذي هو موجود فيها.

    فإذا وقفنا عليها قلنا: أيّهْ على أنها همزة وياء وهاء، والهاء عليها فتحة فإذا قرئت وصلاً كانت: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور:31]، وإذا وقف عليها يبقى: أيُّه على قراءة الجمهور.

    قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فقيد الفلاح بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تجب ما قبلها)، فالتوبة تمحو وتزيل ما كان قبلها من معاصي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ...)

    ثم قال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، هذه الآية خطاب من الله عز وجل للأولياء أن أنكحوا بمعنى: زوجوا، فكأنه يشير لولي المرأة، أو إلى ولي من يحتاج إلى تزويج ممن لا يقدر أن يتزوج بنفسه؛ لضعف عقله مثلاً، أو لكونه عبداً، فيقول: زوجوا هؤلاء.

    فالإنسان الذي يقدر على الزواج بنفسه فسيتزوج، ولكن المرأة لا تزوج نفسها فوليها مأمور أن يزوجها، فقال: وَأَنكِحُوا [النور:32]، وفرق بين أنكحوا وانحكوا، فانكحوا بمعنى تزوجوا، وهو خطاب للرجل، وأما أنكحوا فمعناها: زوجوا، وهو خطاب لولي المرأة ألا تعضل المرأة عن الزواج.

    وفيها إشارة إلى أن المرأة لا تزوج نفسها إذ لم يقل: أنكحن، ولذلك جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن تزوجت بغير ولي: (أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، ولكن الولي هو الذي يزوجها، والولي أبوها أو جدها أو عمها أو أخوها، فهؤلاء عصبة المرأة الذين يزوجونها.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فلا يتم النكاح إلا بأن يعقده ولي المرأة.

    قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32] والأيامى: جمع أيم، والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وقد يطلق على الرجل الذي لا امرأة له، ولكن هذا قليل.

    فأصل الأيم المرأة غير المتزوجة سواء كانت لم تتزوج أصلاً، أو تزوجت وطلقت، أو تزوجت وتوفي عنها زوجها، فهذا كله داخل تحت الأيامى.

    وقد اختلف العلماء في حكم هذا النكاح: هل هو فرض، أم مستحب، أم مباح؟

    فقال العلماء: يختلف ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، وعدم صبره.

    يعني: حسب حال الإنسان: هل يقدر على الصبر عن النكاح فلا يتزوج، أم أنه لا صبر له عن النكاح، فإذا كان يخاف على نفسه العنت، ويقدر على الزواج فيجب عليه أن يتزوج إذا كان عنده التكاليف المالية، ويخاف على نفسه الوقوع في الزنا.

    وإذا كان معه مال يكفيه: إما للحج وإما للزواج فهو مخير بين الاثنين.

    لكن إذا كان يخاف على نفسه الزنا في زمن مثل زماننا الذي كثرت فيه الفتن، ويخاف على نفسه الوقوع فيها، ولا صبر له عنها فيبدأ بالزواج، ثم يرزقه الله عز وجل ما يحج به بعد ذلك، وإلا فليقدم الحج على الزواج.

    يقول العلماء: إذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم واجب، وإن لم يخش شيئاً فيقول بعض العلماء: إنه يباح له الزواج.

    وقال البعض: إنه مستحب، وهذا هو الراجح؛ فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها) أي: أن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذهبوا يسألون نساء النبي صلى الله عليه وسلم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عبادته: كم يصوم؟ وكيف يصلي؟ وكم يقوم من الليل؟ فلما أخبر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الصحابة عن حاله وعن صلاته؛ كأنهم تقالوها، يعني: كانوا يظنون أن يقال لهم: إنه يصلي من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر يحتاج لقضاء حاجته، ويحتاج إلى أن يكون مع نسائه، وهو مشغول بأشياء فلا يمكن أن يكون وقته كله صلاة وصوم فقط.

    فهؤلاء كأنهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض: (وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً).

    يعني: هو الذي كان يتوقعه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل كله من العشاء إلى الفجر، فقال: أنا سأعمل هذا الشيء.

    وقال الآخر: (وأنا أصوم الدهر ولا أفطر)، وهذا كان متوقعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم كل يوم.

    وقال الآخر: (وأنا اعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال لهم: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) أي: أنا أخشى الخلق لله عز وجل، واتقى خلق الله لله سبحانه.

    قال: (لكني أصوم وأفطر)، ولو أن الدهر كله كان صياماً فكيف سيقوم بالعبادات الأخرى كالجهاد في سبيل الله عز وجل، وتعليم الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!

    قال: (وأصلي وأرقد)، ولو أنه يقوم الليل كله لتعب، ونفهت عيناه، وتعبت قدماه، ولم يقدر على المواظبة والمواصلة، ولكنه يقوم من الليل، ويرقد صلوات الله وسلامه عليه.

    قال (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وضع لهم هذه القاعدة: فالذي لا يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستحق أن ينسب إليه، ولا يستحق أن يتشرف بأن ينسب إلى سنته، أو أن يكون معه يوم القيامة.

    فوضع لهم هذه القاعدة التي أراحت المؤمنين، ومن شدد على نفسه وجد المشقة بعد ذلك، فـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه شدد على نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ القرآن في خمسة عشر يوماً، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: في أسبوع، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه).

    فشدد على نفسه فكان يختم في كل ثلاثة أيام، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صم يوماً وأفطر يوماً، فقال: أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل مثله، ثم قال: خير الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً).

    فـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لم يأخذ الرخصة، وأخذ بهذا لما كبر سنه رضي الله تعالى عنه وجاءته الشيخوخة، فلم يكن قادراً على ذلك، وهذا ليس فرضاً عليه، وكان يقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: هو كان أعلم مني بنفسي، فقيل له: لماذا لا تترك الذي أنت فيه؟ يقول: لا أريد أن أترك شيئاً كنت أفعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأريد أن أقابله يوم القيامة، فشدد على نفسه فشدد عليه.

    قال الله سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، هذا إذا وجد العبيد، فهنا يأمر الله عز وجل سيد العبيد أن يزوجهم ويعفهم، وإذا تركوا بغير زواج أوشك العبد أنه يهرب من سيده ليزني، والأمة كذلك، فأمره بإعفاف هؤلاء.

    ثم وعد الله عز وجل الجميع فقال: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، وفضل الله عظيم سبحانه.

    والإنسان يعيش في الدنيا يبتغي فضل الله سبحانه، ورزقك عند الله مقسوم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، فوعد من الله عز وجل لهم أنهم إذا استغنوا بالله سبحانه، وطلبوا العفاف في هذا الزواج، فالله يغني الناكح المتعفف، وكم من إنسان يتزوج ويغنيه الله سبحانه، وكم من إنسان يتزوج ويفتقر، فهذا وعد الله والله لا يخلف الميعاد، فمن توكل على الله فالله وكيله، والله حسبه، والله يعطيه سبحانه.

    والإنسان الذي يعتمد على نفسه ويترك توكله على الله سبحانه ويحسن الظن بنفسه، ويسيء الظن بالله لا يستحق أن يعان إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم)، فجعل الله عز وجل لهؤلاء حقاً عليه عز وجل أن يعينهم.

    فقال: (المجاهد في سبيل الله سبحانه) أي: ليس في سبيل دنيا ولا مغنم، وإنما في سبيل الله، ولرفع دين الله ونصره .

    قال: (والناكح يريد العفاف)، إنسان يتزوج يريد أن يغض بصره، وأن يحصن فرجه، ويريد أن يتعفف بهذا النكاح، ويرجو رحمة الله ثقة في الله، فهذا حق على الله أن يعينه وأن يغنيه سبحانه.

    قال: (والمكاتب يرد الأداء)، والمكاتب: هو العبد الذي كاتبه سيده على أن يؤدي مالاً معيناً ويصير حراً، فهو يسعى جاهداً لذلك، فحق على الله عونه. وهذا حديث صحيح رواه النسائي ، والترمذي ، وابن ماجه .

    يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (التمسوا الغنى في النكاح)، أي: أنه يستدل وينزع بهذه الآية: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].

    وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال الله تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].

    فهذا في الإنسان الناكح الذي يريد العفاف، والذي يتوكل على الله، ويتقيه، ولا يرهق نفسه ولا يرهق غيره بتكاليف النكاح، فالإنسان الذي يتزوج على كتاب الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويريد أبسط الأشياء، والمرأة التي تريد ذلك فهذا زواج مبارك، وهذا من بركتها.

    فالله عز وجل ييسر النكاح لهؤلاء، وييسر لهم الغنى، والإنسان الذي يتزوج ويريد أن يتزوج بالديون، وأن يكون عنده الشيء العظيم من والمتاع، والمرأة تأبا أن تتزوج إلا إذا كان المهر كذا، وكان المتاع كذا، فهؤلاء يفتقرون في النهاية.

    ولكن كلما تيسر أمر النكاح كان فيه بركة من الله عز وجل، وكان فيه عون من الله سبحانه على ما في هذه الآية من وعد الله، نسأل الله من فضله ورحمته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.