إسلام ويب

تفسير سورة النور (تابع) الآية [31]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء الإسلام بصيانة المرأة وسترها والمحافظة عليها، وكذلك جاء لتطهير المجتمع من أمراض الشهوات والرذائل، ولذلك حرم الزنا، وأمر بحفظ الفروج. ولما كانت المرأة هي العامل الأقوى في نشر هذه الأمراض أمرها الله عز وجل بحفظ البصر والفرج، وأمرها بالحجاب وعدم إبداء الزينة إلا لمن ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ...)

    أنواع الزينة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة النور: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يأمر المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31].

    والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة. فالزينة الظاهرة لا تبدي المرأة منها إلا ما تحتاج إلى إبدائه كالثياب الخارجة، بشرط ألا تكون زينة في نفسها بحيث تلفت إليها أنظار من تمر به من الرجال ونحو ذلك، قال تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، والخمار هو: ما تغطي به المرأة رأسها، فتضرب بهذا الخمار على رأسها، وتستر به صدرها. والمقصود بالجيب: جيب القميص، أو جيب الدرع، وهو مكان دخول الرأس في القميص أو في الدرع أو في ما تلبسه المرأة، وقد يكون واسعاً فيبدو صدرها فأمرها الله عز وجل أن تنزل الخمار الذي فوق رأسها فتستر به صدرها.

    قال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور:31]، وهذه هي الزينة الثانية وهي الزينة الباطنة، فلا لا يجوز للمرأة أن تبدي هذه الزينة إلا لمن ذكرهم الله عز وجل هنا وأباح لها أن تبديها لهم.

    وما تبديه المرأة للزوج غير ما تبديه لباقي هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية.

    وقد ذكر سبحانه هنا اثني عشر صنفاً من الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم.

    الزينة التي تبديها المرأة أمام الزوج

    قال تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، والبعل: هو زوج المرأة، ويطلق على السيد أيضاً. والمرأة إما حرة وإما أمة، فالمرأة الحرة تبدي زينتها وجمالها وبدنها كله لزوجها، فللزوج أن ينظر من زوجته إلى كل شيء منها، وكذلك تنظر المرأة إلى زوجها، وهذا حلال أحله الله عز وجل.

    وكذلك السيد مع أمته، والأمة هي المملوكة المشتراة بالمال، والزوجة هي التي يعقد عليها وليها للزوج، فلا يملك الزوج منها شيئاً، ولكن ينتفع بما أباح الله عز وجل له من استحلال فرجها، والاستمتاع بها. وأما الأمة فيملك سيدها أن يبيعها وأن يبقيها وأن يعتقها، والآن لا توجد إماء ولا يوجد عبيد؛ فقد حررهم الله عز وجل بما فرض في القرآن من كفارات ونحوها، فحررهم كلهم حتى لم يبق في المسلمين عبيد، بل وفي العالم كله لم يبق عبد ولم يبق إلا العبودية لغير الله سبحانه وتعالى الموجودة في الخلق، أو في الكفرة فهم يعبدون غير الله سبحانه، وأما العبيد والإماء فليسو موجودين الآن.

    فالبعل المقصود به: السيد أو الزوج، فللزوج أن يرى من المرأة كل ما يبيحه الله عز وجل له، فينظر إليها إلى بدنها كله، وقد بدا هنا بالزوج.

    الزينة التي تبديها الزوجة أمام بقية الأصناف غير الزوج

    قال تعالى: إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31]، فللمرأة أن تبدي زينتها لأبيها، ولا شك أن ما تبديه المرأة لزوجها غير ما تبديه لأبيها، فإن الزينة التي تبديها المرأة لزوجها هي بدنها كله، وأما الزينة التي تبيدها المرأة لأبيها أو لباقي من ذكر الله سبحانه وتعالى فهي ثياب المهنة أو ثياب البيت، وما قد يبدو منها في ثياب بيتها أو ثياب مهنتها، مثل يدها أو رجلها أو ساقها أو ذراعها أو شعرها أو رأسها، وأما عورتها فيما بين سرتها إلى ركبتها فلا يطلع هؤلاء على ذلك.

    وتخفي صدرها فلا تظهره أمام هؤلاء، قال أهل العلم: إن ما تبديه المرأة لهؤلاء الأحد عشر غير ما تبديه المرأة لزوجها. قال تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أي: آباء البعولة وآباء الأزواج. قال تعالى: أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ... [النور:31] أي: إن المرأة أمام أبيها وأمها وأولادها وبقية الأصناف لا تظهر لهم إلا ما يظهر منها في ثياب مهنتها في بيتها مثل كتفها ونحرها وذراعها وقدمها وشعرها ورأسها وذراعها ولا تظهر أمام هؤلاء ما بين سرتها إلى ركبتها، وإنما هذا يظهر أمام الزوج فقط.

    قال سبحانه وتعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31]، أي: ابن المرأة أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أي: ابن زوجها. أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31]، أي: أن للأخ أن يرى ذراعها وساقها ورأسها فهذا جائز أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أي: من تكون هي عمة له فيجوز له أن ينظر أيضاً إلى رأسها وشعرها وذراعها ورجلها.

    قال تعالى: أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ [النور:31] أي: من تكون لهم خالة، قال تعالى: أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] أي: نساء المرأة فمن كان معها من نسائها قريبة لها فتدخل عليها، وهن غير الكافرات.

    وقد اختلف أهل العلم في المقصود هنا. قالوا: لكن الأصل هنا في قوله: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] يعني: نساء المرأة من المؤمنات. فهنا الاتفاق على أن المسلمات يدخلن على المرأة، وينظرن منها إلى ما يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة منه.

    حكم التجرد وإظهار العورة

    ولا يجوز للمرأة أن تبدو متجردة أمام امرأة أخرى، وكثير من النساء يفعلن هذا الشيء ويتساهلن فيه، فلا تستحي المرأة أن تبدي ما بين سرتها إلى ركبتها أمام امرأة أخرى، وهذا غير جائز، فعلى المرأة أن تستتر من النساء، والرجل يستتر من الرجال، فلا يبد لهم ما بين سرته إلى ركبته، فهذا عورة.

    والعورة قسمان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالعورة المغلظة: السوءتان. والعورة المخففة: غير ذلك مما بين السرة إلى الركبة.

    والعورة المغلظة لا يجوز لأحد أن يبديها، ولا يجوز لأحد أن ينظر إليها إلا لحاجة، والعورة المخففة قد تبدو مع المهنة أو مع شيء آخر، ولكن لا يُنظر إليها. والمرأة مع المرأة كذلك، فلا تنظر المرأة إلى عورة امرأة أخرى فيما بين سرتها إلى ركبتها إلا لحاجة من تطبيب ونحو ذلك. وأما لغير حاجة فليس لها ذلك.

    وقد جاء في ا لحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) يعني: لا تنظر إلى بدنها كله، فقد يكون في نفسها شيء فتذكر هذا الشيء لزوجها، أو تفضح هذه المرأة أمام غيرها، فحمى ربنا سبحانه وتعالى المؤمنة وقال لها: لا تظهري زينتك أمام أحد إلا من ذكر هاهنا.

    ولا يجوز للمرأة أن تظهر ما بين السرة إلى الركبة لأحد إلا لزوجها، وإلا لحاجة من تطبيب ونحوه.

    إذاً: فالمقصود بقوله تعالى: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] النساء المسلمات، قال العلماء: تَظهر المرأة بزينتها للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة، وأما نساء أهل الذمة فقد خاف العلماء من أن تبدي المرأة زينتها أو تكثر من التزين أمامهن فيفضحها، فإنهن لا دين عندهن، فإن من الممكن أن يذكرن أن فلانة شكلها كذا ولونها كذا ورجلها كذا وعينها كذا، فيذكرن أشياء من زينتها فيفضحنها، أو يذكرنها للكفار.

    وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة : أما بعد: فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، وإنهن من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر عورتها أو إلى عورتها إلا أهل ملتها. فهذا مذهب عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد خشي عمر من دخول المسلمات مع الكافرات في الحمامات، فإذا كان المسلمون إذا دخلوا الحمامات العمومية تجردوا من ثيابهم أمام الآخرين فكيف بالنساء؟ فهن ناقصات عقل ودين، فقد تفعل المرأة ذلك، فإذا دخلت المرأة حماماً فيه كافرات أيضاً فقد تفعل هذا الشيء، فخشي عمر من ذلك، فنهى عن مثل ذلك؛ خوفاً من هذا الشيء.

    حكم إبداء المرأة لزينتها أمام النساء

    إن مسألة إبداء الزينة أمام الكافرات أنواع: أما إبداء البدن كله فهذا محرم، فلا يجوز لا أمام مسلمة ولا أمام كافرة. وأما أن تخفي المرأة ما بين السرة إلى الركبة وتبدي غير ذلك أمام امرأة مسلمة فهذا جائز، وأما أمام الكافرة فتمنع المرأة من هذا الشيء، وأما ثياب المهنة التي تلبسها في بيتها أمام أبيها أخيها وأقاربها ومحارمها الذين ذكرهم الله عز وجل فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الشافعي وغيره: إلى المنع من ذلك. فقد ذكر الإمام النووي وغيره أن المرأة المسلمة لا تبدي زينتها أمام امرأة كافرة في ذلك.

    وذهب الحنابلة وغيرهم: إلى أنه لا فرق بين ما تبديه المرأة المسلمة أمام المسلمة وبين ما تبديه أمام المرأة الذمية، كما أنه لا فرق بين ما يبديه المسلم أما المسلم وبين ما يبديه أمام الذمي.

    وجاء عن الإمام أحمد روايتان في هذه المسألة. فقال: أنا أذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج، ولا تقبلها حين تلد. أي: أن المرأة الكافرة لا تكون لها قابلة إذا وجدت الطبيبة المسلمة أو الداية المسلمة، فإن لم يوجد غيرها واحتيج إلى ذلك فلا بأس، ولو اضطرت إلى الذهاب إلى طبيب ذهبت إلى الرجل الطبيب المسلم. أي: أن الأمر في التطبيب مع الحاجة، فقد تذهب المرأة إلى الطبيبة المسلمة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيبة الكافرة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيب الذكر المسلم.

    وجاء عن الإمام أحمد رواية أخرى، وهي: أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية. والقناع هو: الغطاء الذي تجعله المرأة فوق رأسها تستر به رأسها ومحاسنها. فقال: لا تكشف قناعها عند الذمية، ولا تدخل معها الحمام، والخوف من دخول الحمام خوفاً من التجرد، فإن المرأة قد تستهين بأمر دينها فتخلع ثيابها كما يحدث الآن، فقد صارت المرأة تخلع ثيابها في البحار أمام الرجال والنساء، ولا تفرق بين شيء وشيء، فنهى العلماء عن ذلك؛ خوفاً مما يحدث بعد ذلك، فلعل المرأة المسلمة تتجرد أمام المرأة الكافرة، فتصورها وترسلها لغيرها لتفضحها بها. ولعلها إذا تجردت أمام الكافرة يكون في نفسها شيء من شهوات النساء الباطلة أو الشذوذ، فتقع معها في السحاق، والعياذ بالله. أو تدعوها إلى مثل ذلك.

    فإذاً تستتر المرأة ولا تبدي زينتها أمام هؤلاء، وأما إذا كان لا يقصد إلى هذا الشيء فالراجح: أن ما تبدو به أمام المرأة المسلمة جاز لها أن تبدو به أمام غيرها، ولكن الأحوط أن تحتاط المرأة لنفسها، فإذا عرفت عن هذه أنها تتكلم في أمر النساء، أو يخشى من شهوتها، أو ثرثرتها، فإنها تستتر، ولا تدخل أمثالها على بيتها.

    قال ابن قدامة رحمه الله: والأول أولى. وهو أنها تبدو أمام الكافرة بثياب الزينة وبما يجوز لها أن تظهره أمام المسلمة، قال: لأن النساء الكوافر من اليهود وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: كان بعض نساء اليهود يدخلن على السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم ينهاها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أنه أمرها أن تحتجب من هذه المرأة، قال: فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب، وقد جاء أن امرأة يهودية جاءت إلى عائشة رضي الله عنها: تسألها شيئاً، أي: تطلب منها إعانة، فدعت للسيدة عائشة وقالت: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل عليه بعد ذلك (إنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله عز وجل من عذاب القبر). يعني: إلى هذا الحين لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر ولم يوح إليه في أمر عذاب القبر بشيء، حتى دخلت المرأة اليهودية على السيدة عائشة ودعت لها بذلك. فسألت السيدة عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عن قول اليهودية فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (إنكم تفتنون في قبوركم. وقال: إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله من عذاب القبر)، صلوات الله وسلامه عليه.

    وكذلك قالت أسماء وهي أخت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم: (قدمت علي أمي وهي راغبة، يعني: في الإسلام، أو: راغبة عن الإسلام، أو: راغبة في صلة من الصلات، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فقال: نعم)، وقد كانت أم أسماء غير أم عائشة ، فأم عائشة اسمها أم رومان وقد كانت مؤمنة مسلمة، وأما أم أسماء فكانت كافرة، فجاءت تزور أسماء وهي كافرة، فلما جاءت أرسلت أسماء لتسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل تستقبلها وهي كافرة؟ فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبلها؛ فإنها أمها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها هنا أن تحتجب منها. وهنا قد يقال: هي أمها، والمرأة لا تحتجب من أمها، إلا ما لا يجوز لها إظهاره أمام الأم. ولكن اليهودية التي دخلت على عائشة رضي الله عنها لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحتجب منها، ولم يثبت عنه مثل ذلك.

    قالوا: فعلى ذلك لا يثبت الأمر بالحجاب إلا بنص من كتاب أو سنة، وهذا ليس فيه ذلك، فعلى ذلك فقوله سبحانه: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] يحتمل أن يراد به جملة النساء، يعني: من يدخل على المرأة من النساء سواء كن من أقارب المرأة، أو غريبات عنها، أو إمائها مسلمات أو كافرات، أو كن حرائر من ذميات أو نحو ذلك، فيجوز للمرأة أن تظهر أمامهن كلهن بثياب زينتها، ولكن لا تتجرد أمامهن، وعليها أن تستر أمام النساء ما بين سرتها إلى ركبتها، وتستتر أكثر من ذلك أمام النساء الكافرات.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (... أو ما ملكت أيمانهن ...)

    قال الله عز وجل: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31] وهذا هو الصنف العاشر ممن تبدي المرأة زينتها أمامهم، قال تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31] فإذا كانت فالمرأة تملك أمة مسلمة أو كافرة فيجوز لها أن تبدو بثياب زينتها أمامها، وكذلك إذا كانت المرأة تملك عبداً كافراً أو مسلماً، ففي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك).

    فالعبد الذي تملكه المرأة يجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها.

    وفرق بين أن تملك المرأة عبداً وبين أن يملك الرجل أمة، فالرجل إذا ملك أمة فيجوز له أن يطأها؛ لأنها ملكه، والمرأة إذا ملكت عبداً فلا يجوز له أنه يطأها، إلا إذا تزوجها بإذن وليها، أو زوجها وليها عبداً، وكان هذا العبد يجوز له أن يتزوجها.

    فلا يجوز له أيضاً أن ينظر إليها متجردةً، وإنما يدخل عليها ويقضي لها حوائجها، فيجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها ولو انكشف شيء من شعرها أيضاً جاز له أن ينظر إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى لـفاطمة غلاماً عندما كانت محتاجة لمن يخدمها ويعينها، فدخل عليها وكان ثوبها الذي عليها إذا غطت به رأسها انكشف قدمها، وإذا عطت قدمها انكشف شعرها أو رأسها رضي الله عنها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك أو غلامك)، فدل هذا على أن العبد يجوز له أن ينظر إلى يد سيدته ووجهها، أو حتى إلى شعرها. وأما أكثر من ذلك فلا، وهذا الحديث لم يذكر فيه أكثر من أنه بدأ شيء من رأسها أمام هذا العبد، فإذا اعتقت هذا العبد صار حكمه كغيره من الناس، فلا يجوز له أن ينظر إليها.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (... أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ...)

    ومن الأصناف الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ [النور:31]، والإربة أصلها: الحاجة. والمقصود هنا: الشهوة، قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31]، وذلك مثل الرجل الشيخ الكبير والعجوز الذي لا شهوة عنده، أو الإنسان العنين، أو الإنسان المخنث خلقة، يعني: خلق وفيه خنوثة وتكسر، وفيه صفات الأنوثة وليس له في النساء حاجة.

    فإذا بدأ أنه له في النساء ذلك لم يجز أن يدخل عليهن، قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ [النور:31]، قال المفسرون: هو: الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، يعني: المعتوه الذي ليس فيه شيء من العته، ولا شهوة فيه.

    وقيل: العنين، وقيل: الإنسان المخنث خلقة، وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم، ويرتفق معهم وهو ضعيف، يعني: في شهوته وفي علقه، ولا يشتهي النساء. فإذا كان على هذا النحو بأن خلق لا شهوة فيه، أو بسبب مرض فيه جاز له أن يدخل مع رجال البيت على النساء، وأن يسأل أو يأكل أو نحو ذلك.

    قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ [النور:31]، فإذا بدا أن هذا الإنسان يفهم أمر النساء لم يجز له أن يدخل، ولذلك جاء في الحديث: (أن رجلاً كان مخنثاً وكان يدخل على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسأل نساء النبي صلى الله عليه وسلم فيعطينه، وكانوا يرون أنه لا حاجة له في النساء ولا شهوة فيه، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يتكلم في أمر النساء، وهو ينصح أخاً لإحدى أمهات المؤمنين، ويصف له امرأة ويقول: إذا فتح الله عز وجل عليكم ثقيفاً فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألا أرى هذا يعلم ما هناك؟) يعني: يفهم أمر النساء، فمنعه ونفاه خارج المدينة أبداً؛ من أجل ألا يخدع الناس، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فنفي خارج المدينة، وكان يؤْذن له كل أسبوع ينزل المدينة يسأل الناس.

    فهو لما كان معروفاً بين الناس أنه مخنث وأنه لا شهوة له في النساء كانوا يتركونه يدخل بيوتهم يسأل، فيعطونه ويطعمونه، ولما ظهر من كلامه أنه يفهم أمر النساء، ويصف امرأة بأنها فيها من الجمال وكذا وكذا، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منعه من الدخول على بيوت النساء، ونفاه خارج المدينة، فكان بعد ذلك ينزل في كل أسبوع مرة، فيسأل الناس.

    وفي قوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31] قراءتان: فقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر (غيرَ أولي الأربة من الرجال)، وقرأ باقي القراء بالجر فيها.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (... أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ...)

    قال تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ [النور:31]، وهذا هو الصنف الثاني عشر ممن يجوز للمرأة أن تبدو أمامهم بزينتها، وهو: الطفل. والطفل يطلق على من لم يبلغ الحلم، فيطلق على الإنسان وهو في بطن أمه جنين، وعندما يخرج من بطن أمه إلى المراهقة. وكلمة راهق بمعنى: قارب البلوغ ولم يبلغ، فمرحلة المراهقة تطلق على آخر مرحلة من مراحل الطفولة قبل البلوغ.

    أي: أنه قارب البلوغ ولم يحتلم.

    فالطفل إذا لم يبلغ جاز للمرأة أن تبدو بزينتها أمامه، إلا إذا بدأ عليه شيء من الشهوة، أو كان يتكلم بما يراه، وينقله لغيره، أو يصف النساء، فإذا علم منه ذلك فعلى المرأة أن تتستر أمامه. والله أعلم.

    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.