إسلام ويب

تفسير سورة النور [11 - 19]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد ابتلى الله خليله وحبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم ليستخرج منه مكنون خلته، وليعلم أن الخليل لا يرضى بالمزاحمة، فاتهم في عرضه وأحب نسائه إلى فؤاده، ثم زيادة في التمحيص تنتشر الشائعة وينقطع الوحي من السماء، ثم بعد العسر يأتي الفرج وتأتي البشرى: أن ما كنتم فيه من شدة ليس شراً لكم بل هو خير لكم؛ لرفع درجاتكم، ولتسن لكم الحدود، وليجازى المنافقون بسوء صنيعهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور:

    إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:11-19]

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حديثاً تكلم به المنافقون عن عائشة رضي الله عنها في أمر الإفك، فكذبوا وافتروا عليها، قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[النور:11]، وعائشة رضي الله عنها ما كانت تظن أن الله سبحانه وتعالى سينزل في شأنها قرآناً، فتقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل في قرآن، ولكن كانت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه تبرئني، فأنزل الله عز وجل عشر آيات في هذا الشأن كما سمعنا.

    فقال: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ[النور:11] الإفك هو الكذب، وعصبة منكم: أي: مجموعة منكم، وليسوا كل المؤمنين، قال تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ[النور:11]، بل هي مصيبة من المصائب، وما من مصيبة إلا وفيها خير للمسلمين وإن كان ظاهرها الشر.

    قال تعالى: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ[النور:11] فالإنسان الذي يكسب خطيئة وإثماً فإنما يكسب ذلك على نفسه، وإن كان قد يضر غيره في الدنيا بهذا الذي قال، ولكن في الحقيقة أن ضرره ذلك يقع عليه في الدنيا وفي الآخرة كما حدث بهؤلاء الذين تكلموا بهذا الأمر، وأما الذي أشاع هذا الأمر واستهواه ونشره في الناس، وتكلم به سراً بينه وبين المنافقين حتى شاع بعد ذلك، فهو الذي تولى كبره كما قال سبحانه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ[النور:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ...)

    قال تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] يحض الله سبحانه وتعالى المؤمنين أنهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يحسنوا الظن بإخوانهم، وأنهم إذا أحسنوا الظن في أنفسهم فليقيسوا إخوانهم على أنفسهم، وإخوانهم أفضل منهم، فيقول سبحانه: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [النور:12]يعني: كل مؤمن ومؤمنة، بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12]يعني: ظن بعضهم في بعض ظن الخير وليس ظن السوء، أو أن كل إنسان عند نفسه أنه على خير، فإذا كان يرى نفسه كذلك فكيف بنظره إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله وتعالى عنها؟

    فالمفروض عليهم أن يحسنوا الظن ولا يتكلموا في ذلك، فهلا فعلوا ذلك؟

    وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] كما قال ذلك أبو أيوب الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ...)

    قال تعالى: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ [النور:13] أي: هؤلاء القائلون الكذابون هلا جاءوا بأربعة شهداء يشهدون لهم أن ما يقولونه حق؟ وهيهات أن يقدروا أن يأتوا بالشهداء على ذلك.

    قال تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ[النور:13].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ...)

    قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، فالله عز وجل رحمن ورحيم في الدنيا والآخرة، فلولا أنه تفضل على المؤمنين فعفا عنهم سبحانه لجازى الجميع بهذا الذي قالوه، وحاسبهم في الدنيا بأن يعذبهم فيجعلهم عبرة لغيرهم.

    وقوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14] أي: فيما خضتم فيه من الحديث عذاب عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ...)

    قال تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15] أي: تتلقونه من لسان إلى لسان فتتكلمون به، وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ [النور:15] كأن الكلمة كلمة عظيمة وخطيرة وشنيعة تملأ الفم، فتكلموا بأفواههم.

    قال تعالى: مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النور:15]، وربنا سبحانه قد حذرنا من ذلك فقال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، فالإنسان مسئول عن سمعه ماذا يسمع به، وماذا ينصت إليه، ومسئول عن بصره ما الذي ينظر إليه ويبصره، ومسئول عن قلبه ما الذي يكنه فيه وينويه ويضمره.

    فقال سبحانه: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النور:15] فالذم هنا لمن يتكلم فيما لا يفقهه ولا يفهمه وليس له به علم.

    وفي قوله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا [النور:15] تحسبون ذلك هيناً في أنفسكم وفي نظركم وهو عند الله سبحانه شيء عظيم فظيع.

    القراءت في قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً)

    وفي قوله: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا [النور:15] قراءتان: بفتح السين، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة.

    وقراءة أبي جعفر وباقي القراء بكسر السين: (وَتَحْسِبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ...)

    ثم قال: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] أي: هلا إذ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] أي: لولا أنكم فعلتم ذلك فقلتم: هذا شيء فظيع ولا نتكلم بمثله أبداً، لخمدت الفتنة في مهدها.

    قال تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16] أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الإفك الفظيع في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم.

    فلو أنهم عقلوا ذلك فنظروا أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشا لله سبحانه أن يجعل له ما يؤذيه في أهل بيته، وقد قال الله سبحانه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33].

    فهلا أحسنتم الظن في ربكم سبحانه وقلتم: حاشا لله أن يجعل أحداً يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجته وحبيبته، سبحانك يا ربنا أن يحدث هذا، أو أنك تجعل من يؤذي نبيك صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك، فيقولون: هذا الذي قالوه بهتان عظيم، والإفك أعظم الكذب، والبهت أن يرمي الإنسان غيره بما ليس فيها جهاراً.

    فيقولون: لو أننا قلنا ذلك فهو بهتان عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً ...)

    قال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ [النور:17] أي: يحذركم بهذه الموعظة وبما حدث أن ترجعوا لمثل ذلك أبداً، قال: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:17]، وهذا تحضيض وتهييج للإيمان في القلوب، فإذا كنتم مؤمنين فلا تعملوا هذا الشيء، وهذا كما تقول لإنسان: إن كنت رجلاً فاعمل كذا، وهنا إن كنتم مؤمنين فلا ترجعوا إلى هذا أبداً واحذروا أن تتكلموا به أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليكم حكيم)

    قال تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:18] أي: يوضحها لكم لئلا يكون لكم حجة على الله سبحانه بعدما بين ووضح وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:18] يقول هشام بن عمار : سمعت مالكـاً يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل.

    هذه فتوى الإمام مالك رحمه الله، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنزلته منزلة عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً) وإيمانه لو وزن بإيمان الأمة ليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم لرجح إيمان أبي بكر على الأمة، فيقول مالك: لو أن إنساناً سب أبا بكر رضي الله عنه فإنه يستحق أن يعزر وأن يؤدب، وكذلك عمر رضي الله وتعالى عنه.

    وأما من سب عائشة -يعني: بالإفك- فيستحق القتل، فما الفرق بين الاثنين؟

    الفرق أن أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رجل فاضل من المؤمنين، فالإنسان الذي يقذفه يكون فاسقاً وكذاباً يستحق الحد الذي ذكر الله في الكتاب.

    لكن الذي يقذف عائشة فهذا مكذب بكتاب الله سبحانه، فربنا أنزل براءة عائشة رضي الله عنها في القرآن، فلما يأتي إنسان يرميها بذلك كالشيعة أو كالمجرمين منهم الذين يرمونها بذلك فهنا ربنا سبحانه وتعالى يشهد عليهم بأنهم كاذبون، فلذلك أفتى الإمام مالك: أن من يسبها -يعني يرميها بهذه الفاحشة- فإنه يستحق القتل.

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:18] حكيم بما يشرعه لكم؛ ليردعكم وليؤدبكم، ولتنتهجوا منهج الله سبحانه وتعالى في أمره ونهيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا...)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] أي: الذي يحب ويتمنى في قلبه أن يشيع أمر الفاحشة ويفشو ويكثر.

    والفاحشة هي الأمر المفرط في القبح، والمقصود به جريمة الزنا.

    فالإنسان الذي يحب ذلك ويتمنى أن يكون هذا بين الناس أمراً عادياً والناس يفعلونه، فالذي يحب ذلك ولو لم يفعل، ولو لم يعن على ذلك، ولكن يتمنى بقلبه ذلك هذا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف بالذي يفعلها ويأتيها؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) .

    قوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]، في الدنيا لهم عذاب أليم بإقامة الحد وغيره مما يبتليهم الله عز وجل به في ذلك الأمر، وذلك إذا لم يتوبوا إلى الله سبحانه، وقد رأينا كيف أن الله يبتلي هؤلاء الزناة واللواطين بالإيدز، ويبتليهم بالسيلان وبالزهري وبالهربز وغيرها من الأمراض الفتاكة التي لا يعرفون لها دواءً.

    وفي الآخرة العذاب الأليم في نار جهنم، لكنه هنا مقيد في عذاب الآخرة بمن مات مصراً على هذا الذنب، وأما من تاب فيتوب الله عز وجل عليه، والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء وأنتم لا تعلمون، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    وقد روى الإمام أبو داود والإمام أحمد أيضاً من حديث معاذ بن أنس الجهني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم) يعني: سمع منافقاً يتكلم في عرض مؤمن من المؤمنين فيرميه بالفاحشة، ويرميه بكلام زور، فحمى عرضه منه وقال له: فلان لا يفعل مثل هذا الشيء، وأنت كاذب فيما تقول، فحمى عرض المؤمن، ودافع عنه، فالله عز وجل يبعث له ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، فلا يدخلها، فإذا مر على الصراط وكاد أنه يهوي بذنوبه إذا بالملك يعدله على الصراط ولا يجعله يقع في نار جهنم.

    ثم قال: (ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قاله) فالإنسان الذي يسيء الظن في المسلمين فيفتري عليهم، أو يتحدث عنهم بأكاذيب سواء عرف أنها أكاذيب أو لم يعرف كان مصيره ما ذكر في الحديث؛ لأن التحدث في أعراض الناس لا يحل لأحد، وإذا تكلم فإنه يأتي بشهود على هذا الذي يقوله حتى يقبل منه هذا الشيء، فيقام الحد على من رماه بهذه الجريمة.

    وإذا كان يتكلم نقلاً للحديث يريد شينه كأن يكون مغتاظاً من شخص فيقول: أنا سمعت الناس يقولون عنه كذا وكذا، يريد شين هذا الإنسان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يحبسه يوم القيامة على جسر جهنم، فإذا مر على الصراط يحبس فوقه فلا يستطيع أن يمر على الصراط حتى يخرج مما قال، فهو محبوس على جسر جهنم تلفحه النار، ولن يستطيع أن يخرج مما قال؛ لأنه قد قاله في الدنيا.

    وكأن المعنى أنه يعذب بذلك في هذا المكان، ويحبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال.

    وهذا الحديث حسنه الألباني في سنن أبي داود في الطبعة الثانية.

    وقد ذكر هنا الإمام القرطبي حديثاً بهذا المعنى رواه الطبراني وإسناده فيه ضعف، وفيه: (أيما رجل شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها) وهذا يشهد له الحديث الذي ذكرنا في المعنى.

    فأي رجل -وكذلك المرأة- شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، يعني: لقي اثنين يختصمان من الناس فوقف مع واحد على الثاني، فشد عضده وهو لا علم له بشيء ولكن عصبية وتحيز له، وبدأ يتكلم مع هذا ويفتري أيضاً فيقول: أنا رأيته وسمعته، وهو لم ير ولم يسمع شيئاً، فذكر هنا أنه في سخط الله حتى ينزع عنها.

    ثم قال: (وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقاً) وهذا الحديث إسناده ضعيف لكن له شاهد آخر بهذا المعنى: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) كأنه يعاند الله تعالى، فربنا يأمر بإقامة الحد، وهذا يرفض ذلك ويمنعه.

    قال هنا: (فقد عاند الله حقاً، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار) وهذا الجزء من الحديث الذي ذكرناه حسنه الشيخ الألباني في سنن أبي داود وإن كان ضعفه في ضعيف الجامع الصغير لكنه في طبعة ثانية حسن هذا الحديث.

    والحديث الذي عند الطبراني يشهد له ما عند أبي داود وعند الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ بالمعنى نفسه.

    فذكر هنا أن الذي يريد أن يشين امرأً مسلماً فيرميه بشيء هو منه بريء، فقال: (كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار، ثم تلا مصداقه من كتاب الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] ).

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.