إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [11]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان له من البلاء أوفر نصيب، فقداتهم في عرض أحب نسائه إليه، وزيادة في التمحيص واستخراج مكنون الصبر ينقطع الوحي شهراً، فعمت الشائعة، وهمس المنافقون ثم صرحوا، واشتد الكرب على بيت النبوة وصاحبه الكريم لتصفى خلته لربه، ولما بلغ الأمر ذروته جاء الفرج والوحي من الرب الرحيم ببراءة الطاهرة زوجة المصطفى وحبيبته رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم ... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وما بعدها حديث الإفك الذي قاله المنافقون، ووقع فيه بعض المسلمين في شأن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي ذلك موعظة لكل إنسان مؤمن لئلا يتطاول على أشياء قد حرمها الله عز وجل فيقع فيها.

    وقد بدأت هذه السورة بذكر حرمة الزنا، ثم الكلام عن القذف وأن الإنسان الذي يقذف غيره إن لم يأت بالشهداء فهو عند الله من الكاذبين، وقال سبحانه: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4].

    فالأصل في الإنسان المسلم أن يمسك لسانه عن الوقوع في أعراض الناس، كما أنه يكف يده عن أن يقع في سفك الدماء، أو أن يأخذ أموال الناس بالباطل.

    ولما ذكر الله عز وجل في أول هذه السورة القذف والزنا حدثنا هنا عن أمر من الأمور التي وقعت لزوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأحب أزواجه إليه، ففي ذلك موعظة وبيان أنه إذا نزلت بإنسان مصيبة فليست هي آخر الدنيا، وأنها ليست الهم الذي يجعل الإنسان يستشعر الشر العظيم في ذلك، ولكن ما من مصيبة تنزل إلا وفيها خير من الله عز وجل، ولذلك يطمئن الله المؤمنين ويقول: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، وإن كانت صورته شراً للمؤمنين، وشراً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث هذا الإفك الذي يفتريه الكذابون على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك يقول الله: هو خير، وما من شر يحدث للإنسان إلا ومن وراءه خير لو صبر على الذي ابتلي به.

    وليس هناك شيء يدوم، بل إن الشر الذي يبتلى به الإنسان لا بد أن يأتي عليه الوقت ويزيله الله عز وجل، ويرفعه بعدما يكون هذا الإنسان المؤمن قد أخذ الأجر العظيم من الله سبحانه على صبره على ذلك.

    قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ [النور:11].

    الإفك: حديث الكذب، يقال: الإنسان الأفاك، أي: الكذاب الذي يختلق الشيء، ويؤلف الكذبة ويقولها، فيتناقلها الناس ويتناولونها منه.

    والعصبة: الجماعة من الناس من ثلاثة فما فوق، وتطلق على العشرة أيضاً، وقد تطلق على الأربعين.

    فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أي: أن مجموعة منكم وقعوا في الإفك، إلا أن صاحب الجريمة والإفك والكذب هو عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المنافقين، وكان خزرجياً أنصارياً، ووقع فيه كذلك مجموعة آخرون من المسلمين أساءوا بالوقوع في ذلك، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليهم الحد، والعجيب أن هذا المنافق لم يقم عليه الحد؛ لأنه تكلم في السر وكلم المنافقين أمثاله، وشاع الخبر فتناقله المسلمون، ووقعوا فيه، فكان ممن تكلم في ذلك مسطح بن أثاثة، وأمه ابنة خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أبو بكر ينفق عليه؛ لأنه كان فقيراً، وكان ممن شهد بدراً، فوقع في شأن عائشة رضي الله عنها، ووقع فيها رجل آخر وهو شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه، وكان ممن نقل هذا الكلام أيضاً أخت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم واسمها حمنة بنت جحش، وهي أخت زينب بنت جحش رضي الله عنها وضرة عائشة ، ولكن عصمها الله عز وجل بالورع.

    ومعلوم أن النساء الضرائر تكيد كل ضرة لصاحبتها، ولكن هذه التي كانت في منزلة عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم تقول عنها عائشة : وكانت تساميني عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تحدث الناس بهذا الحديث الكاذب فـزينب رضي الله عنها مع كونها ضرة لها عصمها الله عز وجل بالورع، وقالت: لا أقول إلا خيراً، أحمي سمعي وبصري، ما علمنا إلا خيراً.

    لكن أختها حمنة بنت جحش وقعت في ذلك وتكلمت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد هؤلاء الحد الشرعي بعد القصة الطويلة التي حصلت.

    والله عز وجل له حكم عظيمة في هذا الأمر الذي حدث لأحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فغيرها لن تكون أفضل منها فإذا حدث لها مثل ذلك فلتتصبر بما حدث لـعائشة رضي الله عنها.

    وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما وجد مسطحاً ابن خالته يتكلم عن ابنته وكان ينفق عليه حلف أنه لا ينفق عليه، فنزل القرآن يؤدب أبا بكر الصديق ويحذره من ذلك ويقول: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22].

    فإذا به يقول: بلى أحب أن يغفر الله لي.

    سياق قصة الإفك كما في صحيح مسلم

    وهذه القصة موجودة في الصحيحين: صحيح بخاري وصحيح مسلم لكنها في صحيح مسلم أكمل وأتم، فنذكر رواية مسلم لهذا الحديث عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها حين قال لها أهل الإفك مقالاً فبرأها الله مما قالوا.

    فـالزهري أخذ هذا الحديث من أربعة من التابعين وهم : سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود، قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً.

    فهنا تتبين قوة حفظ ابن شهاب الزهري رضي الله عنه، فقد كان جبلاً في الحفظ؛ لذلك كانوا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه الزهري ليس حديثاً أصلاً.

    فـابن شهاب الزهري يذكر الحديث عن أربعة كل واحد حدثه بهذا الحديث، ويعرف ماذا قال كل واحد، وما هو النقص الذي عنده، والزيادة التي عند الآخر، ويذكر هذه الألفاظ، وقد حفظ الله عز وجل هذا الدين بهؤلاء الحفاظ رضوان الله تعالى عليهم.

    قال: ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه) أي: كانت عادته -وهو متزوج تسع نساء- إذا أراد أن يخرج في غزو أو سفر أن يقرع بينهن، فلم يكن يقول: هذه المرة فلانة، والمرة الثانية فلانة، وهو لا يعرف هل ستكون المرة الثانية أو لا، فلذلك كان في أمر السفر يقرع بينهن، والتي يخرج سهمها يأخذها معه صلوات الله وسلامه عليه.

    قالت: (فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما أنزل الحجاب)، وهذا كان في غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع، وكان ذلك سنة ست بعدما أنزل الله عز وجل آية الحجاب.

    قالت: (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل)، فقد أمر الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته بالحجاب الذي هو حجاب الشخص فلا ترى، فهي تحمل في هودج، وهو محفة مثل الصندوق فوق ظهر الجمل، فلا يعرف من حمله أبداخله أحد أم لا؟ فهي مطيعة لله عز وجل حين أمرها بالحجاب على هذه الهيئة وليس مجرد لبس الثياب فقط. فتقول رضي الله عنها: (فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي) يعني: كأنها ذهبت تقضي حاجتها ثم رجعت، وكان معها عقد تلبسه فضاع في المكان الذي ذهبت تقضي حاجتها فيه، فرجعت تأتي بالعقد من ذلك المكان، وعند ذلك جاء الذين يحملون الهودج فحملوه وظنوا أنها بداخله، وهي تذكر لماذا لم ينتبهوا إلى الهودج هل هو ثقيل أم خفيف؟ وهل فيه أحد أم لا؟ تقول رضي الله عنها: (وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام) يعني: لم يكن عندهم سعة، فكان أكل النساء أكلاً قليلاً؛ فلذلك كانت خفيفة لم تحمل اللحم ولا غيره، فالذي يحمل الهودج لا يعرف هل هناك أحد أم لا؟ قالت: (فرحلوا الهودج) يعني: على البعير (وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم) فهي تذكر أنها كانت جارية حديثة السنة ولا زالت صغيرة، إذ حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم كان لها من العمر ست سنوات ودخل بها ولها تسع سنوات في المدينة، فالعقد كان في مكة والدخول كان في المدينة، وهذه الغزوة كانت في سنة ست، أي: أن عمرها خمسة عشر عاماً رضي الله عنها، وتذكر أنها كانت جارية حديثة السن.

    فقالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب)، وقد كان تفكيرها على قدر سنها رضي الله عنها، فذهبت تبحث عن العقد الذي ضاع، وكان من الممكن أن تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذهابها؛ ولكن لعله لم يكن موجوداً بجوارها صلى الله عليه وسلم، ولم يخطر على بالها أن تخبر أحداً بالأمر، فظنت أنها ستأتي به وترجع قبل أن يمشوا، فما كان منهم إلا أنهم مشوا قبل رجوعها.

    قالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب) أي: أن المكان الذي كانوا موجودين فيه ليس فيه أحد.

    قالت: (فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت) أي: نامت في المكان الذي كانت فيه.

    قالت: (وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش) والتعريس: هو النزول للمبيت من وراء الجيش، فكأنهم يجعلون مثل ذلك بحيث إنه لو فقد الجيش شيئاً يجده من عرس وراءه.

    قالت: (فأدلج فأصبح عند منزلي) يعني: مكث في المكان الذي هو فيه وبعد ذلك قام من الليل وصار وراء الجيش فجاء على المكان الذي هي فيه في وقت الصباح.

    قالت: (فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ).

    يعني: كأنها نامت في مكانها فلما نامت انكشف حجابها عن وجهها فهو جاء فرآها فعرفها، وكان يعرفها من قبل ذلك.

    قالت: (فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني) استرجاعه يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

    قالت: (فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة).

    فانظروا أدب الرجل لم يكلمها ما الذي أتى بك إلى هنا؟ وما الذي أخرك؟ لم يقل شيئاً رضي الله عنه أكثر من أن قال: إنا لله وإنا إليه راجعون: (والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين عرفني، فأناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها) أي: أناخ الجمل ودعس على يده بحيث يكون ثابتاً على الأرض، فركبت عائشة رضي عنها.

    قالت: (فانطلق يقود بي الراحلة) فهي راكبة وهو يمشي يقود الجمل.

    قالت: (حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغلين في نحر الظهيرة) يعني: خرج بها من مكانها في الصبح ووصلت إلى الجيش عند الظهر.

    قالت: (فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول) فأبوه أبي، وأمه سلول؛ ولذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول فعندما نكتبها نثبت همزة الوصل في ابن الثانية دون الأولى؛ لأن سلول أم عبد الله وليست أم أبي.

    قالت: (فقدمنا المدينة فاشتيكت حين قدمناها شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي) يعني: تغير النبي صلى الله عليه وسلم وهو بشر، وذلك حين سمع الناس يقولون هذا الكلام.

    وكان الذي بدأ بالكلام في ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فجاء في رواية في غير صحيح مسلم أن هذا الرجل حين وجدهما راجعين قال: والله ما سلم منها ولا سلمت منه، فبهذه الكلمة تعرف إجرام هذا الرجل الذي تسامح النبي صلى الله عليه وسلم معه كثيراً، ومن ذلك أنه حين مات هذا المجرم -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- إذا بابنه -وابنه رجل صالح- يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على أبيه، فمجاملة للابن ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه. وقد قال هذا الرجل مقالته في استخفاءً، فلما ذكر مقالته تكلم الناس وانتشر الحديث، فتغير النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مرضت لم تعرف من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اللطف الذي كان فيه قبل ذلك، فقد كان يأتيها ويسأل عنها ولا يزيد على أن يقول: كيف تيكم؟ وينصرف صلى الله عليه وسلم، وهي لا تدري ما الأمر، وما الذي حصل.

    قالت رضي الله عنها: (فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل) يعني: كان أمر العرب أن البيوت ليس فيها دورة مياه، فلكي يخرجوا للخلاء تخرج المرأة بالليل في صحبة امرأة أخرى، وتذهب إلى المناصع وهو المكان الذي تقضي فيه حاجتها وترجع بالليل.

    قالت (فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح) أي: دعت على ابنها بالتعاسة، فتعجبت عائشة من ذلك وقالت لها: (أتسبين رجلاً قد شهد بدر؟) يعني: ابنك شهد بدراً ثم تسبينه وهي لا تعرف ما الذي عمله مسطح وما الذي عمله غيره.

    فقالت لها: (أي هنتاه أتسمعي ما قال) تعني: أنت لا تعرفين ماذا قال فيك.

    قالت: (وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي) يعني كانت في بداية شفائها من مرضها، فإذا بها تخبرها بذلك فازداد مرضها رضي الله عنها.

    قالت: (فلما رجعت إلى بيتي فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ قالت: قلت أتأذن لي أن أتي أبوي، وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر) أي: ليست مصدقة أن يكون الناس قد قالوا عليها هذا الشيء، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قالت: (فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يابنية هوني عليك).

    أمها هي أم رومان وهي امرأة مؤمنة تقية، فقالت لابنتها: (هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها) فكأن أمها نسبت الأمر إلى ضرائرها وجعلت ذلك نتيجة الغيرة.

    قالت: (قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا، قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد).

    و علي بن أبي طالب رضي الله عنه رباه النبي صلى الله عليه وسلم وأسامة بن زيد كان أبوه زيد يدعى زيد بن محمد وكان أحب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم، وابنه أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشار علياً وأسامة حين استلبث الوحي ولم ينزل فترة طويلة، وهذا لحكمة من الله عز وجل أن يعاني النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الشديد الفضيع، ويتكلم الناس ويصبر فيؤجر صلى الله عليه وسلم، ويأتسي به الناس بعد ذلك.

    فقالت: (فأما أسامة) يعني: حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة هل يطلقها؟ فأشار أسامة على النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، وقال: (يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً)فـأسامة نظر بأمر الود الذي بينه وبين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فأشار أنه أمسك عليك أهلك واصبر على ذلك.

    وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنظر لأمر المسلمين فأمر البيت أمر سهل، لكن أمر المسلمين والفتنة التي ستحصل لهم أعظم من ذلك، فأشار عليه بطلاقها، ولو أراد حقيقة الأمر فليسأل الجارية، وهذا جعل في نفس عائشة رضي الله عنها شيئاً من علي رضي الله عنه حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يضيق عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني: تريد أن تتحر فسأل الجارية وهي بريرة.

    فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، وكانت أمة وأعتقت بعد ذلك، وكانت تدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتطبخ طبيخها فيه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أي بريرة هل رأيتي من شيء يريبك من عائشة ؟).

    قالت رضي الله عنها: (والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله).

    يعني: العيب الوحيد الذي رأيته أنها كانت صغيرة السن فتعمل العجين ثم تتركه وتنام، فتأتي الماعز فتأكله.

    فقالت: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر بعدما سمع ذلك فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول).

    استعذر يعني: من يقيم عذري حين أفعل بهذا الرجل شيئاًًًً؟

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي) وهو عبد الله بن أبي ابن سلول

    والقصة حين نذكرها تبدو سهلة، وأما ما كان يحدث بين الناس فأمر في غاية الصعوبة، فأهل المدينة هم الأوس والخزرج، وهؤلاء هم أكبر الناس وأقواهم في المدينة، وهم الذين يدافعون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل المنافق المجرم من الخزرج، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله دون أن يكلمهم في ذلك فسيقوم ناس من الخزرج يدافعون عنه، وسيقوم الأوس ضده، فترجع أحقاد الجاهلية التي كانت بينهم سنين طويلة، ويرجع القتال بينهم.

    ولذلك لما قال ذلك كادت أن تحدث الفتنة بينهم مع أنهم من خيار الناس، ولكن الفتنة تبقى نائمة وسرعان ما تستيقظ وتحصل مصيبة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً) يعني صفوان بن المعطل السلمي قال: (وما كان يدخل على أهلي إلا معي).

    فعند ذلك قام رجل فاضل من الأنصار وهو سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: (أنا أعذرك منه يا رسول الله! فإن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك) وهنا رجع التفكير إلى العداء القديم الذي كان بين الأوس والخزرج، فلو قال سعد بن معاذ : إن كان من الخزرج ضربنا عنقه، تحصل مصيبة في ذلك؛ لذلك قال: سننظر بم تأمرنا فنفعله. وهنا قام سعد بن عبادة سيد الخزرج -وسرعان ما تثور جاهلية الإنسان وترجع إليه فجأة- قالت عائشة رضي الله عنها: (وكان رجلاً صالحاً) يعني: هو رجل صالح (ولكن احتملته الحمية) أي: أن الحمية والعصبية جعلته يجهل ويتكلم بكلام الجهل.

    فقال لــسعد بن معاذ : (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله) فتأمل كلام الشر الذي يحدث من أناس أفاضل.

    و عائشة رضي الله عنها طيبة القلب لما حدثت بذلك قالت: كان رجلاً صالحاً، يعني: لا تأخذوا عليه هذا الفعل، فهو صالح لكن الحمية دفعته إلى كلام الشر الذي قاله.

    عند ذلك قام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لـسعد بن عبادة : (كذبت لعمر الله لنقتلنه) يعني: لو قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: نقتله سنقتله، ولو كان من قومك، قال: (فإنك منافق تجادل عن المنافقين).

    نسوا أصل القصة ورجعوا لما كان بين الأوس والخزرج، فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يهدئ الجميع قالت: (فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا)

    وترك أمره الخاص صلى الله عليه وسلم حتى يكفوا الشر، فسكت الجميع.

    قالت: (وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي) وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا بعد شهر ولم ينزل في شأن عائشة رضي الله عنها شيء، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد وجلس وقال: (أما بعد: يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممتي بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه) فكان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم موعظة.

    أما على عائشة فكان كلاماً شديد جداً، فقالت لأبيها: (أجب عني رسول الله) أي: أنت تعرف أني بريئة فأجب عني.

    وهنا ظهر أدب أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: (والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا أدب الصحابة ولم يدافع عن ابنته.

    فقالت: (فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقالت أمها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم)

    إذاً: فتجيب هي عن نفسها، فقالت: (قلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن) يعني: لم أكن حفظت كثيراً من القرآن : (إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني).

    والعادة أن الإنسان المظلوم الذي يحققون معه يريدونه يكون ظالماً، فهي تعتقد أنها لو قالت: إنها فعلت ذلك تكون قد كذبت، فيصدقونها.

    قالت رضي الله عنها: (وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف): تقصد يعقوب عليه السلام، فنسيت اسمه في هذا الوقت.

    قالت: (قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي لبراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى) يعني: ما كانت تتخيل أن ينزل فيها قرآن، قالت: (ولكن كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها) فإذا بالله عز وجل ينزل هذه الآيات.

    قالت: (فوالله مارام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، قالت: فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك)، هنا جاءت البشارة من رب العالمين سبحانه

    فقالت أمها لها: (قومي إليه) يعني: بشرك فقومي إليه.

    فقالت عائشة : (والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله؛ هو الذي أنزل براءتي)

    فأنزل الله عز وجل إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، قالت: (فقال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح: والله لا أنفق عليه شيء) أي: لا أنفق عليه شيئاً أبداً، فأنزل الله عز وجل وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22] إلى آخر ما أنزل الله عز وجل.

    قالت رضي الله عنها: (فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله إني لأحب أن يغفر الله لي) فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: (لا أنزعها منه أبداً).

    قالت عائشة: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيراً)، ثم قالت: (وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك) يعني: دخلت تحت هذه الآية، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم عليها حد القذف لما قالت .

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.