إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [4]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حفظ العرض مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولذلك فقد عاقبت الشريعة كل من يفتري على الآخرين ويطعن في أعراض المسلمين، فشرع الله حد القذف صوناً للأعراض وحفاظاً على سمعة العباد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:4-5].

    في هذه السورة الكريمة يذكر الله عز وجل فيها حكم الإنسان القاذف الذي يقذف مؤمناً أو مؤمنة، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة، فحكمه الشرعي فيه هو ما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية.

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، والمحصنات هن العفيفات من المؤمنات.

    والمحصنة: هي التي أحصن فرجها، وهي العفيفة التي استعفت عن الحرام، فهي كريمة مؤمنة.

    وقراءة الكسائي : ( والذين يرمون المحصِنَات ) بكسر الصاد فهي محصنة لنفسها، موصوفة بأنها حصان محصنة، وقراءة الجمهور: ( المحصَنات ) بالفتح.

    والرمي: السب والقذف، فالذين يرمون، أي: يسبون ويقذفون، وأصل القذف: أخذ الحجارة والحذف بها، فاستعير ممن يقذف بالحجر فيجرح إلى الذي يقذفه بلسانه فيجرح كذلك، فقالوا: وجرح اللسان كجرح اليد، وقد يكون جرح اللسان أشد بكثير من جرح اليد، فجرح اليد يبرأ، ولكن جرح اللسان بالسب أو القذف ينتشر بين الناس.

    وقد جاء الإسلام بحماية الأنساب وحفظ النسل بأن حرم الزنا؛ حتى لا تختلط الأنساب، فلا يعرف لمن يكون الولد ومن الذي اشترك فيه.

    وجاء أيضاً بحماية الأعراض، فحرم على الناس أن يقذف بعضهم بعضاً، وعرض الإنسان هو محل المدح والذم، فالذي يرمي محصناً أو محصنة بجريمة الزنا عوقت بهذه العقوبة، قال سبحانه وتعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]، فإذا رمى القاذف أحداً بجريمة الزنا فإنه يحد حد القذف، وأما إذا سب بشيء آخر غير الزنا فلا يحد حد القذف وإنما يعزر، وحد القذف ثمانون جلدة، لقول الله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4].

    والأمر الثاني: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور:4] أي: إلى أن يموتوا، لا تقبل لهم شهادة، بل يصيرون كذابين،

    والأمر الثالث: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]، فوصفهم بالفسق، هو الخروج عن طاعة رب العالمين سبحانه، فعاقب الله الفاسق بعقوبة شديدة منها ما هو حال الآن وهو حد القذف بطلب المقذوف، ومنها ما هو مستمر إلى أن يموت، وهي وصفه بالفسق وعدم قبول شهادته، إلا إذا تاب فحكمه سيأتي.

    وفي قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ [النور:4] قال العلماء: الرمي هو السب بجريمة الزنا، ويسمى: القذف، ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بـشريك بن سحماء .

    الحكمة من تخصيص المحصنات بالذكر

    والحكم في قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4] يعم الجميع، فالذي يرمي محصنة أو محصناً بهذه الجريمة فهو داخل تحت هذه الآية، ولكن لما كان أمر النساء أشد وأهم في ذلك خصصه الله عز وجل بالذكر، كما بدأ بذكر الزانية في أول السورة؛ لأنها داعية إلى ذلك بفتنتها.

    وهنا لما كانت المرأة مصونة مستورة خصها بالذكر وإن كان الحكم عاماً لمن يرمي المحصنة أو المحصن.

    يقول العلماء: إن الله عز وجل ذكر في هذه الآية النساء من حيث كونهن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس، وسوف يلحقها ويلحق أهلها العار فذكرت لأهميتها.

    وقذف الرجال المحصنين داخل تحت هذا الحكم بالمعنى وبإجماع الأمة على ذلك، وإن كان النص قد ذكر قذف النساء المحصنات وهذا كتحريم لحم الخنزير، فقد ورد النص به لأهميته، وعظم الخنزير وشحمه وجلده تبع له في التحريم.

    شروط حد القذف

    وحتى يقام حد القذف على القاذف لا بد من توفر شروط إقامة الحد، وهي تسعة شروط: شرطان في القاذف، وشرطان في المقذوف، وخمسة شروط في المقذوف به.

    فالقاذف هو الإنسان الذي يرمي آخر بالزنى، ويشترط أن يكون عاقلاً بالغاً حتى يقام عليه الحد، فإذا كان مجنوناً فلا حد عليه، وإذا كان غير بالغ فيعزر تعزيراً ولا يقام عليه الحد؛ لأنه غير مكلف.

    وأما المقذوف به: فهو الكلام الذي يقذف به الإنسان، كأن يقذفه بوطء يلزمه فيه الحد، سواء كان بالزنا أو باللواط، أو بنفيه من أبيه، كأن يقول: يا فلان أنت زان أو واقع في اللواط مثلاً، أو أنت لست ابن فلان، على وجه يقصد به نفيه عن أبيه بسبب هذه الجريمة.

    ولكن إذا لم يكن يقصد ذلك وإنما يقصد معنى آخر، كأن يرى إنساناً ذكياً ويقول له: أنت لست ابن فلان؛ لأن أباه غبي، فهذا لا يقصد القذف، وإنما يقصد معنى آخر.

    فهذان شرطان في المقذوف به.

    وأما المقذوف فيشترط فيه خمسة شروط حتى يؤخذ له من الآخر حقه، ويقام على الآخر الحد:

    الشرط الأول: أن يكون المقذوف عاقلاً، فإذا كان مجنوناً فلن يتأثر بالقذف، وإن تأثر أهله؛ لأن تشريع حد القذف كان حماية للمقذوف، وتأديباً للقاذف، إلا أنه لما لم يتأذى المقذوف بأن كان مجنوناً فلا يجلد القاذف في هذه الحالة، وقد يعزر على ذلك، والتعزير معناه العقوبة في الشيء الذي لا حد فيه، كعشر جلدات من ذلك ولكن لا يبلغ به حد القذف.

    وإذا لم يكن المقذوف بالغاً فلا يقام الحد على القاذف؛ لأنه معلوم أنه كذاب، وقد يعزر في ذلك.

    ويشترط في المقذوف كذلك أن يكون مسلماً، فإذا قذف المسلم كافراً فإنه يعزر على ذلك، ولكن لا يقام عليه الحد. ويشترط في المقذوف أن يكون حراً حتى لا يكون أدنى من القاذف، فإذا كان المقذوف عبداً فلا يقام على قاذفه الحد، ولكن يحرم قذفه، وقاذفه يحد في يوم القيامة، والله عز وجل جعل الناس مسخرين بعضهم لبعض، فجعل هؤلاء أحراراً وجعل هؤلاء عبيداً، وجعل للأحرار أحكاماً وجعل للعبيد أحكاماً، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى.

    فلو قذف العبد أقتص من قاذفه يوم القيامة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من قذف مملوكه أقيم عليه الحد يوم القيامة).

    ومن شروط المقذوف: أن يكون عفيفاً عن الفاحشة، فلو أن إنساناً قذف آخر وقال له: يا زاني، وتبين أن هذا الإنسان المقذوف ليس عفيفاً، فعلى ذلك لا يقام عليه الحد، وقد يعزر على ذلك تعزيراً.

    اختلاف أهل العلم في التعريض بالزنى هل هو قذف أم لا

    اتفق العلماء على أن القاذف إذا صرح بالزنا كان قذفاً، كأن يقول: أنت زانٍ مثلاً، وأما إذا لم يصرح بالزنى بل عرض بكلام يفهم منه ذلك فاختلف العلماء هل يقام عليه الحد أو لا؟ فذهب الإمام الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه في التعريض لا يقام عليه الحد، وقد يعزر على ذلك.

    وذهب الإمام مالك والمشهور عن أحمد أنه في التعريض يقام الحد عليه. وسبب الخلاف أن هذا التعريض هل ينظر فيه إلى براءة ظهر هذا الإنسان فيحمي ظهره من الجلد، أو إلى أن المقذوف أوذي بهذا الكلام الذي قيل له؟ فمن العلماء من غلب النظر إلى أن الأصل البراءة إلى أن يثبت القذف بالتصريح، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة .

    ومن العلماء من قال: إن التعريض فيه ما يساوي التصريح، فإذا عرض في الكلام كان في ذك إيذاء يستحق أنه يقام عليه الحد، ولعل هذا هو الأرجح.

    وقد ذكر الله التعريض في كتابه عن قوم شعيب لما قالوا عن سيدنا شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] وهم يقصدون: إنك لأنت السفيه المتهور، فذكرها الله عز وجل في كتابه مشنعاً على هؤلاء السفلة الذين قالوا ذلك لنبيهم عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن التعريض كالقذف الصريح.

    وكذلك ذكر الله سبحانه وتعالى عن أبي جهل أنه يقال له يوم القيامة: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49] وهو في موقف ذل ومهانة يوم القيامة، والمقصود به الإهانة والتحقير، لأنه كان يظن نفسه عزيزاً في الدنيا، فقيل له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49]، والمقصود: إنك أنت الذليل المهان.

    وكذلك حكى الله عز وجل عن قوم مريم عليها السلام لما أتت قومها تحمل غلاماً أنهم قالوا لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: من أين أتيت بهذا الغلام ولم يكن أبواك يقع في جريمة الزنا، ولا كانت أمك بغياً، والمقصد هو التعريض بأن هذا الغلام من البغي، فأنطقه الله سبحانه وتعالى وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30]، وقد ذكر الله عز وجل قول اليهود عن مريم فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء:156]، وكان من قولهم: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28]، فكأن التعريض أخذ حكم التصريح.

    وأيضاً: جاء أن عمر رضي الله عنه حبس شاعراً اسمه جرول، لما قال لأحد الناس:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    فهذا لا يقصد به المدح، وإنما المقصود به الذم والشتم وأنه كالمرأة تقعد في بيتها، وتؤتى بالطعام والشراب والكسوة، فلذلك حبسه عمر رضي الله عنه، وتوعد هذا الشاعر بقطع لسانه.

    وأيضاً لما سمع قول النجاشي يقول عن أناس:

    قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

    أي: أن هذه القبيلة لا يظلمون أحداً ولا يغدرون بأحد، وهذا كأنه مدح ولكن الحقيقة أنه شتم وسب، فـعمر سمعه وأخذ الكلام على محمله أنه يمدحهم، فسأل رجلاً عنده: تراه ذمهم؟ قال: لقد بال عليهم بهذا الكلام، والمقصود أنهم ضعفاء لا يقدرون أن يقوموا بهذا العمل.

    فقوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل تعريض بضعفهم وقلة عددهم، وكان أهل الجاهلية ينصح بعضهم بعضاً بالظلم، وأنه دليل القوة، فهؤلاء لا يظلمون الناس حبة خردل لضعفهم وقلتهم، وعدم قدرتهم على ذلك.

    فعاقب عمر هذا الشاعر، وعاقب الآخر؛ لأن التعريض بالكلام قد يكون مثل التصريح.

    فلذلك إذا عرض إنسان بآخر بهذه الجريمة وفهم من الكلام أنه يقصد الزنا فإنه يقام عليه الحد كالذي يصرح بذلك، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.