إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [3]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى أنه لا ينبغي للزاني أن يتزوج بامرأة عفيفة إلا إذا كان قد تاب وظهرت توبته، وكذلك لا يجوز للزانية أن تتزوج بعفيف، وإنما تتزوج بمثلها، والتزوج من الزانية المشركة يحرم باتفاق، وأما الزانية المسلمة فيحرم التزوج بها إذا لم تتب, وهذا باتفاق أيضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة..)

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    لما حرم الله عز وجل الزنا، وحرم الوسائل التي تؤدي إليه من النظر واللمس وغير ذلك، ذكر هنا شيئاً آخر من الأحكام الشرعية التي تجعل الإنسان يبتعد عن أمر الزنا، ويبتعد عن الزناة.

    قال سبحانه: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال المفسرون: صيغة الخبر هنا في قوله: لا يَنكِحُ بمعنى النهي، فهذا نهي للإنسان أنه يتزوج بامرأة زانية، وكذلك المرأة العفيفة لا تتزوج الرجل الزاني، فالزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فلا يتزوج إلا بمثله.

    ويأتي حديث للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى وهو قوله: (لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله)، وفي رواية في سنن أبي داود : (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يتزوج الزاني المجلود الذي لم يتب إلا من كان مثله، أو أن العادة أنه لا يتزوج الزاني إلا بامرأة توافقه على ما كان فيه من الباطل والمحرم.

    أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)

    اختلف العلماء في معنى هذه الآية، ويذكر الإمام القرطبي ستة أوجه من أوجه التأويل:

    الوجه الأول: أن مقصد الآية تشنيع الزنا وتبشيع أمره، وأنه محرم على المؤمنين، كأنه في قوله: وَحُرِّمَ ذَلِكَ [النور:3] أي: وحرم الزنا على المؤمنين.

    قال: وهذا معنى حسن بليغ، واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ.

    فقوله سبحانه: لا يَنكِحُ أي: لا يطأ ولا يواقع ولا يزني إلا بمن توافقه، فإن كانت مسلمة فقد اتصفت بصفة رذيلة وهي أنها زانية، أو أن التي توافقه على ذلك تكون من المشركات.

    والعكس: فالزانية لا يطأها في حال زناها إلا إنسان زانٍ، فإن كان مسلماً فقد اتصف بهذا الوصف الرذيل: أنه زان، أو لا يطأها إلا إنسان مشرك يستبيح ذلك الفعل، وَحُرِّمَ ذَلِكَ [النور:3] أي: وحرم الزنا على المؤمنين، هذا هو القول الأول من كلام أهل العلم.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه أنهم قالوا: النكاح في هذه الآية بمعنى الوطء، وإن كان النكاح يأتي في القرآن بمعنى العقد، وذهب بعض أهل العلم إلى أن جميع ما جاء في القرآن من نكاح فإنه بمعنى العقد، ورجح ذلك الإمام الزجاج من أئمة اللغة، وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، أي: بمعنى عقد الزواج.

    وقال ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعرف النكاح في كتاب الله عز وجل إلا بمعنى العقد، وهذا القول فيه نظر، فصحيح أنه قد جاء في القرآن قوله الله عز وجل: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] وهذا فيه معنى العقد، ولكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تبيين النكاح بأنه الوطء والعقد وليس مجرد عقد الزواج، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي طلقها زوجها ثلاثاً ثم تزوجت غيره، وأرادت أن ترجع إلى الأول، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) فهنا مجرد تزوجِّها من إنسان آخر والعقد عليها لا يبيح لها أن ترجع إلى الأول حتى يطأها هذا الثاني، فجاء في القرآن النكاح بمعنى الوطء، كما جاء في القرآن بمعنى العقد.

    فعلى ذلك قول ابن عباس هنا في قوله: الزَّانِي لا يَنكِحُ [النور:3] أي: لا يطأ، بمعنى أنه لا يزني إلا بزانية مثله أو مشركة تستبيح ذلك، هذا هو الصواب.

    ذكر سبب نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها...)

    قوله تعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا [النور:3] أي: لا يطأها إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    قالوا: نزلت هذه الآية لسبب، وهو ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسرى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عناق)، كان هذا الرجل الذي هو مرثد بن أبي مرثد يأخذ الأسرى الموجودين في مكة من المسلمين ويهربهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عمل جليل من هذا الرجل، وكان لهذا الرجل امرأة بغي وهي صديقة له، وهذه المرأة كانت تعينه وتساعده في خطف الأسرى حتى يأخذهم ويهرب بهم إلى خارج مكة.

    فالرجل أراد أن يتجمل مع هذه المرأة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا رسول الله ! أنكح عناقاً؟) أي: أأتزوج هذه المرأة التي خدمتني كثيراً في هذا الأمر؟ فكان الجواب (أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3])، وهذه المرأة لم تكن قد تابت بعد من الزنا، بل كانت ما زالت على زناها، ومعروفة بالبغاء، ولكن كانت تساعده في تهريب الأسرى، فهنا الفعل الذي فعلته المرأة وإن كان فعلاً حسناً حيث أعانته في تهريب المسلمين إلا أنها كانت زانية، فلا يحل له أن يتزوج هذه المرأة الزانية، فنزلت الآية: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] يعني: في حال زناه.

    قال: (فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي وقال: لا تنكحها)، هذا لفظ أبي داود ، وجاء في الترمذي بأطول من ذلك.

    فقال أكثر أهل العلم: إن عناقاً كانت كافرة ولم تكن مسلمة، وكانت فاجرة بغي، فهذا الرجل لما أراد أن يتزوجها منع من ذلك؛ لأنها كافرة وأيضاً لكونها زانية، فوصفت بأنها زانية، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنكحها).

    حكم التزوج بالزانية

    اختلف العلماء: هل يجوز للرجل أن يتزوج بالمرأة الزانية؟ ذكرت الآية أن: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم منع من ذلك أيضاً، وذكر أنه: (لا ينكح الزاني المحدود -أو المجلود- إلا مثله).

    إذاً: فلا يجوز لإنسان مسلم أن يتزوج بامرأة زانية، لكن هل معنى ذلك: أنه لو تزوجها يبطل هذا النكاح؟ الراجح أنه يحرم ولا يبطل النكاح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله) وهذا الزاني إذا كان من المسلمين فيجوز له أن يتزوج، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه إذا كان محدوداً وأقيم عليه الحد في ذلك، فهذا المحدود إما أن يكون قد تاب إلى الله عز وجل، فلا بأس على ذلك، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [البقرة:160]، فيجوز له أن يتزوج من عفيفات المسلمين، أو أنه لم يتب، وكأن الحديث يشير إلى الزاني المحدود الذي لم يتب، فهذا لا يجوز له أن يتزوج من عفيفات المسلمين، بل يتزوج بمثله.

    وكذلك المرأة التي اشتهرت بالزنا مثلما كانت عناق مشهورة بذلك، وقد كان هناك في الجاهلية بيوت للزناة معروفة، فهذا بيت فلانة، وهذا بيت فلانة، فيذهب إليها الرجال لهذه الفاحشة، فالمعروفة بهذه الجريمة لا يجوز للرجل أنه يتزوج بمثلها حتى تتوب وتظهر توبتها، فإن تابت جاز أن يتزوجها، وهذا مذهب أحمد رحمه الله، أما لو تابت من الزنا وتزوجها رجل فالنكاح صحيح اتفاقاً، لكن جمهور العلماء عندهم أن النكاح صحيح إذا تزوج الرجل بامرأة كانت تزني ولم تتب، لكنه يأثم في هذا الشيء الذي أتاه.

    ذكر سبب آخر في نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)

    قال الإمام القرطبي : إن هذه الآية مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت من الزانيات، وكانت تشترط أن تتزوج الرجل وتنفق عليه بشرط أن تستمر على الزنا الذي هي فيه.

    فجاء هذا الرجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتزوجها، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل هذه الآية. وكأن الآية نزلت في قصة أم مهزول وقصة عناق أيضاً، والحديثان صحيحان.

    وقيل: إنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوماً من المهاجرين الفقراء، ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، ونزلوا في صفة المسجد، وكانوا أربعمائة، وكانوا يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل، فكان رزقهم ضعيفاً، وليس معهم مال يتزوجون به، وكان في المدينة نساء من البغايا مشهورات، فهؤلاء سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجوا من هؤلاء زواجاً رخيصاً؛ لأن التزوج من المرأة البغي أرخص من غيرها، فنزلت الآية في المنع من ذلك، وأنه ولو كان فقيراً فلا يجوز له أن يتزوج امرأة من البغايا المشهورات بهذا الأمر.

    قول الحسن في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية...)

    جاء عن الحسن: أن المراد هنا الزاني المحدود، والزانية المحدودة. يعني: كأن الآية محمولة على أن من زنى واشتهر بذلك فإنه لا يجوز له أن يتزوج إلا بمثله، ولا يتزوج بعفيفة من المسلمين.

    وقال بعض أهل العلم: إن قوله سبحانه: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] منسوخة بقول الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] قوله: الأَيَامَى مِنْكُمْ يعني: غير المتزوجين، فعمت المتزوجين وغير المتزوجين.

    ولكن الأولى في ذلك أن الإنسان المؤمن لا يجوز له أن يتزوج بامرأة بغي مشهورة بذلك، ويجوز له أن يتزوج بنساء مسلمات عفيفات وهن كثيرات، ويجوز له أن يتزوج بامرأة هذا حالها ولكنها قد تابت إلى الله سبحانه وتعالى، كما ذهب إلى ذلك الإمام الحسن البصري وذهب إلى ذلك الإمام أحمد رحمه الله.

    وكذلك الرجل الذي وقع في هذه الجريمة واشتهر عنه ذلك، لا يجوز أن يوافق ولي المرأة على أن يزوجه بابنته، ولكن إن تاب وبدت توبته جاز له أن يزوجه.

    لكن لو حصل أن إنساناً مشهوراً بهذه الجريمة تزوج بامرأة عفيفة من المسلمين، وقلنا بحرمة ذلك، فهل يبطل هذا العقد ؟ الراجح: أنه لا يبطل هذا العقد، ولكن عليه الإثم في ذلك. والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.