إسلام ويب

تفسير سورة النور (تابع) [1 - 2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حد الله تعالى لهذه الأمة حدوداً وواجبات، وبين حرمة تعديها وتجاوزها، ومن هذه الحدود: حد الزنا؛ ليرتدع الزاني، وليرتدع المفكر فيه كذلك، والحقيقة أن هذه الحدود حياة للمؤمنين؛ لما فيها من حفظ الدين والنسل، ولكي لا يختلط الحابل بالنابل في أمة الإسلام، وقد بين الشارع أهمية إقامة حدود الله، وكيفية إقامتها بما يتناسب مع الحد، وبما يحصل به المقصود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها...)

    قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:1-3].

    هذه السورة بدأها الله سبحانه وتعالى بذكر السورة، فقال: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: هذه السورة العظيمة سورة نزلت من عند الله عز وجل، وقد فرض عليكم أن تقيموا الأحكام والشرائع التي أنزل فيها.

    ثم ذكر حكماً من الأحكام التي في هذه السورة فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2]، وقدم الزانية على الزاني لشدة فتنة المرأة، فهي تدعو الرجل إلى الوقوع في هذه الجريمة الشنيعة، فبدأ بها وقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، وهذا الحكم عام في جميع الزناة سواء كانوا محصنين بزواج أو غير محصنين بزواج، فيكون الجلد مائة على غير المحصن، وزاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغرب سنة، كما في الحديث، ويكون الجلد مائة في الثيب من النساء والرجل المحصن بزواج، ثم بعده الرجم، كما صنع ذلك علي رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقد يختص الحكم هنا بغير المحصنين، فيكون قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [النور:2] أي: إذا لم يكونا محصنين بزواج فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2].

    بيان ما يجلد به الزناة، وكيفية الضرب بالنسبة للرجل والمرأة

    لقد ذكر العلماء أن هذا الجلد يكون بجريدة لا يكون فيها شوكها فتؤذي في قطع لحم أو إدماء جلد، ولا قديمة منهكة صغيرة بحيث لا تؤلم الذي يضرب بها.

    واختلف العلماء في كيفية ضرب الرجل والمرأة، فقال الإمام مالك رحمه الله: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، يعني: يضرب الرجل وتضرب المرأة وهما جالسان، ولا يكون الضرب عند الإمام مالك إلا في الظهر.

    وذهب الأحناف والشافعي إلى أن الرجل يضرب وهو واقف، والمرأة وهي قاعدة، وتكون مستورة بثياب حتى لا تتكشف.

    وقال الليث وأبو حنيفة والشافعي : الضرب في الحدود كلها وفي التعذيب يكون الرجل مجرداً قائماً غير ممدود، يعني: يجرد ظهره الرجل إذا ضرب، وذكر غيرهم أنه يضرب الرجل والمرأة وعليهما الثياب، ولكن تكون ثياب الرجل رقيقة بحيث إنها لا تمنع وصول الضرب إلى الجسم.

    أقوال العلماء في مواضع الجلد

    اختلف العلماء في مواضع الضرب هل هو على الظهر فقط أم على الجسد كله؟ والراجح أن الضرب يوزع على الجسد كله؛ لأنه لو كان الضرب على الظهر فقط أو في موضع واحد فكثرة الضرب قد تجرح، ولذا يوزع الضرب على الجسد، ولكن تجتنب مقاتل الإنسان، ويجتنب وجه الإنسان.

    وقال العلماء: يجب أن يكون الضرب مؤلماً لا يجرح -أي: لا يشق ويسيل الدم- ولا يبضع -أي: يقطع اللحم-. قالوا: ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، أي: لا يرفع يده حتى يظهر إبطه، وهذا هو قول الجمهور، وممن قال بذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما.

    وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد، فأتى بسوط بين سوطين، أي: لا هو جديد بشوكه بحيث يجرح ويؤذي، ولا قديم ضعيف بحيث لا يؤثر، وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، أي: وزع الضرب على الجسد، ولا تضرب في مكان واحد فتتسبب في شدة الأذى، ولكن وزع الضرب على الأعضاء.

    وأتي رضي الله عنه بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العدوي لكي يجلده، وقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضرباً شديداً، يعني: وعمر ما كان يظن أنه سيضربه بهذه القسوة، فهو يقصد بقوله: (لا تأخذه فيك هوادة) يعني: أنه لن يرحمك على ما ذكر الله عز وجل في الكتاب، وإنما سيقيم الحد بتمامه ولا ينقص فيه، فلما رآه يضربه ضرباً قاسياً، قال رضي الله عنه: قتلت الرجل، كم ضربته؟ قال: ستين، فقال: أقصّ عنه بعشرين، يعني: اجعل بدل الثمانين ستين، ولا تضرب أكثر مما ضربت؛ لأنك أوجعت وقسوت في الضرب.

    بيان من يقوم بتنفيذ الحدود

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: الحد الذي أوجب الله عز وجل في الزنا والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين يدي الحكام.

    أي: أن الحد ليس لآحاد الناس، فكل إنسان يأخذ من وجده يشرب خمراً ويضربه بنفسه، أو من وجده يزنى فيجلده الحد بنفسه؛ لأن الحدود لو تركت لآحاد الناس لدخل في الأمر كل إنسان بحسب ما يشتهي أن يفعله في المحدود، وقد يصل في النهاية إلى قتله، فلذلك فالحدود لا يقيمها غير الحكام، فالقاضي ينظر في الإنسان الذي وقع في حد من الحدود، وينظر هل عنده شبهة من الشبهات؟ وهل هو مستحق لذلك أم غير مستحق؟ وهل عقله حاضر أم أنه مجنون حينما وقع في هذا الشيء؟ فإذا وجد شيئاً من ذلك فلا يقام الحد؛ لأن الحاكم لو أخطأ في العفو فعفا عن إنسان يستحق العقوبة خير له من أن يخطئ في عقوبة إنسان بريء، وأما لو تركت الحدود للناس فقد يأتي إنسان ويمسك شخصاً ويقول: أنا رأيت هذا يزني، فيجتمع عليه الناس ويضربونه ضرباً شديداً حتى يقتل، وبعد ذلك يتبين أن هذا كان بينه وبينه عداوة فاتهمه بالزنا، وكانت النتيجة أن قتل بسبب كلام كذاب من الناس.

    وكذا لو يدعي إنسان أنه رأى آخر يسرق وجاء الناس وقطعوا يده، وبعد ذلك يتبين أنه: لم يسرق شيئاً، أو سرق شيئاً لا يحد فيه السارق ولا ينطبق عليه فيه حد السرقة.

    إذاً: فلا بد من أن ينظر القاضي في هذه الجريمة هل هي الجريمة التي ذكرها الله عز وجل ونص عليها؟ وهل هذا الإنسان مستحق لهذا الحد أم أن هناك موانع وأعذار تمنع من إقامة الحد عليه؟ وإذا كان مستحقاً لذلك فهل الذي يقام عليه الحد في الزنا هو محصن بزواج أم غير محصن بزواج؟ لكن لو ترك لرعاع الناس ليقيموا الحدود فجلدوه حتى مات فهل سيعيدونه إلى الحياة مرة أخرى؟ لا.

    إذاً: فالحدود لا تكون لآحاد الناس، وإنما تكون للقاضي، فهو الذي يأمر بذلك ويقيم الحد.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وينبغي أن يقام بين يدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم الذين يختارهم الإمام لذلك.

    وكذلك كان الصحابة يفعلون رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، ويقولون: تجب المحافظة على إقامة هذه الحدود، والقدر الذي فيها، والمحل والحال، بحيث لا يتعدى فيها الشروط.

    ففي الصحيح عن حضين بن المنذر قال: (شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد أتي بـالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، فقال: أزيدكم؟) أي: أأكمل لكم أربعاً؟! فعرف أنه سكران، فأتي به إلى عثمان رضي الله عنه وكان قريباً لـعثمان رضي الله تعالى عنه، فأمر بإقامة الحد عليه، فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران وهو مولى عثمان أنه شرب الخمر، وشهد آخر عليه أنه كان يتقيؤه، أي: الخمر، فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فأمر علياً أن يجلده، فقال علي : قم يا حسن فاجلده، يريد الحسن بن علي رضي الله عنه، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر : قم فاجلده، فجلده ثمانين جلدة وعلي يعد.

    ومعلوم أن هؤلاء كلهم من فضلاء الصحابة رضوان الله عليهم ولذا فإنه لا يقيم الحدود إلا فضلاء الناس.

    مقدار الجلد في حدي الزنا والقذف

    لقد نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنا والقذف، ففي القذف ثمانون جلدة، والقاذف هو الذي يرمي رجلاً أو امرأة بالفاحشة، ويجلد القاذف الحد المنصوص عليه في كتاب الله عز وجل، وهو ثمانون جلدة، وأما الزاني غير المحصن سواء كان رجلاً أو امرأة فيجلد مائة جلدة.

    الأقوال في مقدار الجلد في حد شارب الخمر

    لقد ثبت التوقيف في الخمر على ثمانين جلدة من فعل عمر رضي الله تعالى عنه، وقد كانوا قد اختلفوا كم جلد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر، فقيل: جلد أربعين وقيل: ثمانين، وقد ورد (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشارب الخمر فأمرهم بضربه، فقال: قوموا له، فقاموا له، قال الراوي: فمنا الضارب بسوطه، ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه).

    فقوله هنا: (قوموا له) خطاب لفضلاء الصحابة ليفعلوا ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً، فلو فعل أحد منهم شيئاً فيه ضرر بالمجلود فالله سبحانه وتعالى سيطلع النبي صلى الله عليه وسلم أن فلاناً تعمد أن يفعل كذا.

    فلا يعقل أن يترك هذا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فيقال: قوموا له، فيأتي بعض الناس ممن بينه وبينه عداوة فيقوم يضربه بشيء يقتله، فلكي لا يكون مثل ذلك فإن الحد لا يترك لآحاد الناس أن يقيموه، وإنما الحاكم يوكل من يقيم هذا الحد كجلاد يكلف بذلك ويقوم به في مشهد من فضلاء الناس؛ حتى يعرف أن هذا لم يقتله بالحد الذي يقام عليه.

    فلذلك أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإقامة هذا الحد، وتتابع الصحابة أنه يقام الحد في شرب الخمر بثمانين جلدة.

    يقول ابن العربي المالكي : وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم المعاصي حتى يتخذوها ضراوة، فيزاد الحد لأجل زيادة الذنب.

    والأصل في الحد ما جاء في الشرع في كتاب الله عز وجل، أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الزيادة خلاف الأصل، إلا أنهم قد استدلوا على هذه الزيادة بما وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن شربها في الثانية فاجلدوه، فإن شربها في الثالثة فاجلدوه، فإن شربها في الرابعة فاقتلوه)، فالإنسان الذي لم يزجر مع تكرار الجلد فقد يصل الأمر به في النهاية أن يعزر بالقتل؛ فلذلك قالوا: إنه إذا احلولت له المعصية فيزداد في الحد، وقد أتي عمر رضي الله تعالى عنه بسكران في رمضان، -ومعلوم أن حد شرب الخمر إما أربعون وإما ثمانون- فقال عمر رضي الله عنه والصحابة: إن الحد ثمانون جلدة. وكأنهم رأوا أن الذي يردع هذا الإنسان ثمانون، وهذا أقرب إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً قاسه عمر رضي الله عنه على أقل الحدود وهو حد القذف؛ لأن الإنسان إذا شرب الخمر أصيب بالهذيان، ومن ثَم يقذف الناس، فلذلك جعلوا حد شرب الخمر كحد القذف، لكن الذي سكر في نهار رمضان، أمر عمر بضربه مائة، فكأن عمر نظر لحرمة اليوم فهو يوم من شهر رمضان، فأمر بعشرين جلدة زيادة تعزيراً، فحد الخمر ثمانون، وعشرون لهتك حرمة الشهر.

    قال ابن العربي رحمه الله: فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات، وذكر أن رجلاً لعب بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط، فلم ينكر ذلك الإمام مالك حين بلغه.

    وقوله: لعب بصبي كأنها مقدمات اللواط والعياذ بالله، فاللوطي حده الشرعي القتل سواء بالرجم أو بالضرب بالسيف، أو بحسب ما ذكر العلماء في ذلك، لكن الوالي هنا جلده ثلاثمائة جلدة، فلم يضربه ثمانين جلدة كما في حد القاذف، ولا مائة جلدة كما في حد الزاني غير المحصن، ومع ذلك لم ينكر الإمام مالك رحمة الله عليه، وكأنه رأى في هذا الباب أنه يقام عليه الحد ويعزر بأكثر من ذلك.

    وقد صنع عمر في التعزير أكثر من ذلك، فإنه قام شخص بتزوير خاتم عمر رضي الله عنه، وأخذ مالاً من بيت المال بتزويره لختم عمر رضي الله عنه، فأمر عمر بجلده مائة، فجلد مائة، ثم تركه في السجن إلى أن برئ من هذه الجلدات، ثم أخرجه وجلده مائة أخرى، ثم أدخله السجن حتى برئ، ثم أخرجه وجلده مائة ثالثة، فدل ذلك على أن الإنسان يؤدب بالشيء الذي يردعه في باب التعزيرات، وقد يصل أحياناً إلى أن يقتل إذا كان يستمرئ الذنب ويخشى الضرر على الناس منه، كمن يتاجر في الحشيش أو الأفيون، فإنه يوزع على الناس ما يؤذيهم، فقد يصل التعزير في مثله إلى أن يقتل.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حده شارب الخمر من حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسألهم عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان عنده فضربوه بما في أيديهم، قال: وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه التراب، فلما كان أبو بكر رضي الله عنه أتي بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين)، يقول الإمام الزهري : ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ، فآتيه وهو في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه.

    فقال عمر : هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر : أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين، وتتابع الناس على ذلك أن شارب الخمر يجلد ثمانين جلدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله...)

    قال الله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2]، فقوله سبحانه: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2] الخطاب هنا للمؤمنين، وهذا فيه تهييج داعي الإيمان في القلوب، كما تقول لإنسان: إذا كنت رجلاً فتعال لي، مع أنه رجل أمامك وليس امرأة، ولكن تريد تهييجه ليفعل ذلك.

    فكذلك هنا الله عز وجل كأنه يقول: إن كنتم مؤمنين فافعلوا ذلك، فكل إنسان يخشى أن يسلب منه هذا الإيمان إذا ترك أمر الله سبحانه وتعالى، فإنه يفعل ما أمر الله عز وجل به من إقامة هذا الحد.

    قوله: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ، قراءة الجمهور: رَأْفَةٌ بتسكين الهمزة، وأما قراءة ابن كثير (رَأَفَةٌ في دين الله) بفتح الهمزة.

    والرأفة هي الرحمة، وهي أرق الرحمة، والمعنى: لا تأخذكم بهما رقة وأنتم تفعلون ذلك، فلا تخففوا الضرب من غير إيلام؛ لأن الله سبحانه هو أولى بالرحمة منكم إذا كان هذا يستحق الرحمة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، ثم قرأ: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2]، وجاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (حد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً)، والمطر أربعين صباحاً يأتي بالبركة من السماء، فإقامة الحد سبب في نزول البركات من السماء؛ لأن الحد فيه أمر بمعروف ونهي عن منكر، وفيه ردع لأصحاب المعاصي عن معاصيهم، وفيه أن أخذ الناس لحقوقهم بإقامة الحد، فمن حُدّ في الدنيا سقط عنه العذاب يوم القيامة، وكذا الإنسان إذا ظلم بأن قذفه آخر أخذ حقه بأن يقام على الظالم حد القذف مثلاً.

    إذاً: إذا وجد شرع الله عز وجل بين الناس في الدنيا وحكم فيما بينهم؛ فإنهم يستحقون الرحمة، ويستحقون أن يوصفوا بالإيمان، يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]، فإقامة الحدود دليل الإيمان والتقوى وتنزل البركات من السماء والأرض.

    وقال سبحانه وتعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2] أي: ليشهد إقامة الحد عليهما طائفة من المؤمنين، وقالوا: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، أي: لا يشهد هذا الحد إلا من وصفهم الله عز وجل بأنهم من أهل الإيمان، فخرج بذلك الفساق.

    كما أنه إذا كان الحاضرون من المؤمنين فقد يدعون الله عز وجل أن يتوب عليه، فيتوب الله عز وجل عليه، فلذلك قال العلماء: المقصود بذلك الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضور الناس، وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله.