إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [39 - 43]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في سورة الشورى: الانتصار ممن ظلمهم؛ ليردعه ذلك عن الاجتراء على أعراض المسلمين وأموالهم، ولكن الأفضل هو العفو والصفح عن الظالم، وهذا لا يكون في الظالم الذي يستحلي ظلمه، وإنما يعفى عمن ترك ظلمه ورجع وتاب إلى الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    يقول الله عز وجل في صفات المؤمنين الذي لهم الدار الآخرة: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:39-41].

    البغي: هو الظلم، فمن صفات المؤمنين أنهم إذا ظلمهم أحد فهم ينتصرون إذا كان قصاصاً أو نحو ذلك، ولكنهم قد يفضلون العفو على ذلك، فلهم أن ينتصروا.

    ولذلك كان السلف يحبون الإنسان ينتصف من ظالمه، وإذا كان قادراً عفا عنه، والسبب في ذلك: أنهم كانوا يخافون من تمادي الظالم في ظلمه، فالإنسان الوقح الذي يريد ظلم غيره لو سكت عنه كل الناس، وعفا عنه كل الناس لتمادى في بغيه وفي ظلمه.

    فالإنسان المستكبر والظالم الباغي الذي يأخذ أموال الناس لا بد من التصدي له، ولا ينبغي العفو عن مثل هذا.

    قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) فكأن الأصل أن تنتصف وأن تنتصر ممن يظلمك، فإذا وجدت منه تراجعاً وندماً على ما فعل، فيكون العفو أولى عن مثل هذا الإنسان.

    والآية في هذه السورة مكية، فهي في المشركين وفي غيرهم، ومن صفات المؤمنين: أنهم ينتصرون من الجميع، من المشركين ومن غير المشركين، سواء كان الذي ظلمه كافراً أو مسلماً.

    ويقول العلماء: إن الله سبحانه وتعالى ذكر الانتصار في معرض المدح، وذكر العفو في معرض المدح، فمدح الانتصار والعفو.

    متى ينبغي للمسلم ألا يعفو عمن بغى عليه

    وبعد ذلك قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، وهذا في حالتين -كما يقول ابن العربي المالكي رحمه الله-:

    الحالة الأولى: أن يكون الإنسان باغياً معلناً بالفجور، كأن يكون قاطع طريق، ويفرح بهذا الشيء، فيجب أن تنتصر منه ولا تعطه حتى وإن وصل الأمر إلى أن تقتله أو يقتلك، ولذلك جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: (أرأيت إن أراد رجل أن يأخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال: فهو في النار)، فتعلمنا الشريعة الحكيمة العظيمة أن المؤمن لا يتهاون في حقه، ولا يكون التهاون عن ضعف، فلو تركت الناس يتطاولون عليك لأوشك أن يسود السفلة والمجرمون، ومثل هذا يجب أن تأخذ حقك منه في أي صورة من صور أخذ الحق: أن تشكوه للحاكم، أو تشكوه للقاضي؛ ولتمنعه بذلك من ظلمك فلك هذا الشيء، فمدح الله عز وجل من ينتصر في هذا المقام، وكان السلف رضوان الله تبارك وتعالى عليهم يحبون ذلك.

    قال إبراهيم النخعي: إنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق، فلو أن فاسقاً مشى يستهزئ بالمؤمن ويشتمه، والمؤمن الأول يسكت عنه، والثاني يسكت عنه، والآخر يسكت، فسيشيع بين الناس الاستهزاء بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبالدين كله.

    لكن لو أن المسلم أخذ حقه فوقف لظالمه يدافع عن دين الله وعن حقه، سيخاف الفساق، يذكر أن ثمانية أفراد ركبوا في القطار وأخذوه من محطة إلى محطة، وفتشوا جميع الركاب، وأخذوا كل أموال الركاب، وآذوا الركاب، والعجيب أنه قطار كامل يُفعل به هذا الشيء من ثمانية أفراد فقط!

    ويعفو المسلم إذا خاف الظالم من الله عز وجل، وندم على ما فعله، ورجع عن الذي هو فيه، ففي هذه الحالة اعف واصفح عنه، لكنه إذا ظل على ما هو عليه من إجرام وظلم، فانتصر منه بأي صورة من صور الانتصار.

    لذلك قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ عليهم الفساق، وهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك، وهذه الصورة الأولى: الإنسان الباغي المعلن الفجور، الوقح، والذي يجهر بوقاحته، والذي يؤذي الصغير والكبير، فالانتقام منه أفضل.

    متى يستحب للمسلم أن يعفو عمن بغى عليه

    الصورة الثانية: في الإنسان الذي يقع ذلك منه فلتة، وليس من عادته أن يعمل هذا الشيء، فوقع في ظلم وندم على فعله؛ لأنه ليس من عادته، فالعفو عن مثل هذا أفضل، وهذا قد يجعله يستحي ويخجل مما عمله، فالفرق بين الصورتين: أن الأول مجرم، فهذا يستحق أن يؤاخذ، ولا يعفى عنه؛ لأنه يتطاول على الجميع، ولا أحد يردعه، وينطبق عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39].

    لكن الحالة الثانية: أن فعله هذا فلت منه وليست عادته، فيسن في مثل ذلك الصبر والعفو؛ لعله يراجع نفسه، ولعله يستحيي مما صنعه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها...)

    ثم قال سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40] هذه سيئة وهذه سيئة، ولكن الفرق بينهما أن الأولى جرم من صاحبها، فهي سيئة ساءت غيره.

    والثانية: عقوبة لهذا الظالم الذي يستحق العقوبة، وسميت الثانية سيئة كمشاكلة لفظية، وأن فيها إساءة للظالم فعومل بما يسوؤه ويزعجه ويؤدبه ويردعه، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) أي: جزاء الإثم والإجرام: العقوبة، والعقوبة حسنة وليست سيئة، لكن بالنظر من ناحية المجرم، فحين وقعت العقوبة عليه أساءت إليه وقبحته أمام الناس.

    وهنا معنى المشاكلة اللفظية: أن اللفظة هي اللفظة، ولكن تختلفان في المعنى، فجزاء الإساءة من الإنسان أن يعاقب على إساءته، وتأول العلماء هذه الآية على أن للإنسان أن يأخذ ماله ممن أخذ منه هذا المال بأي صورة من الصور، طالما أن هذا مالك بعينه، ولست متأولاً فيه، فلو أن إنساناً وجد حقيبتك وأخذها ثم خبأها فقلت: هات الحقيبة التي أخذتها، فقال: لن أعطيك شيئاً، وأنت عرفت المكان الذي خبأها فيه، فكسرت المكان وأخذت الحقيبة، فيجوز لك ذلك؛ لأن المال مالك بعينه ولست متأولاً.

    وصورة التأويل التي يقع فيها الظلم: إنسان يعمل عند شخص، واتفق معه على أن يعطيه عشرة جنيهات في اليوم، فوجد أنه يبذل شغلاً أكثر مما يبذله غيره، وغيره يأخذ مالاً أكثر منه، فتأول لنفسه وقال: أنا أستحق أن آخذ مثلما يأخذون، إذاً سأستخرج من ماله، وهذا لا يجوز؛ لأنك متفق معه أصلاً على مقدار معين، فلا يجوز لك أن تأخذ أكثر منه إلا إذا أعطاك صاحب العمل.

    فتأول العلماء على أن للمظلوم أن يأخذ حقه ممن ظلمه، ولو عنوة، ولو بالقوة، ولو بالشكوى، ولو بأن يمد يده ويأخذ هذا المال، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة عظيمة، وفي هذا نظرتان:

    نظرة أنك عند الله مظلوم فلك هذا الشيء.

    ونظرة أخرى أنك تعامل على الظاهر، فالقاضي ليس مطلوباً منه أن يتفهم موقفك وبأن هذا مالك.

    قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فهذا في القصاص، فإذا ضرب إنسان إنساناً وجرحه أو قطع عضواً من أعضائه، فجزاء السيئة القصاص إذا كان مما يقتص فيه.

    فإذا عفا أولياء المظلوم أو من أسيء إليه فلهم الأجر على عفوهم، والعفو -كما ذكرنا- يكون عن الإنسان الذي حدثت منه السيئة فلتة، ليس مجرماً أصلاً، أما إذا كان محارباً لدين الله ولرسوله، فلا يعفى عن مثل هذا الإنسان قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) أي: ترك القصاص، وأصلح بين الظالم والمظلوم فله أجره عند الله سبحانه وتعالى.

    وذكرنا أن القصاص ليس فيه مقابلة القصد بالقصد، فلو أن إنساناً قال لإنسان: يا ابن كذا! فسب أباه، فيرد عليه ويقول: لا، أنت ابن كذا، فهذا خطأ، فليس لك أن تقتص في مثل ذلك، وإنما هذا يعزر بما يليق به من ضرب أو سجن أو بما يحكم الحاكم فيه.

    قال تعالى: (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فالظالم بغيض إلى الخالق سبحانه وتعالى، كما أن الناس لا يحبونه، فالله سبحانه وتعالى يبغضه، والله أعد له نار جهنم التي أعدت للظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ...)

    قال سبحانه: وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:41] فالذي ظلم فانتصر ممن ظلمه، وانتصف منه، وأخذ منه (فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) أي: ليس عليهم حرج، ففي هذا المقام أنت مخير بين العفو ولك الأجر، أو أن تنتصر من الظالم ولا شيء عليك، وإذا انتصرت بشرط أن تأخذ حقك وليس أكثر من ذلك.

    فللإنسان أن يستوفي ذلك بنفسه، أو أن يطلب من الحاكم أن يأخذ له حقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس...)

    قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:42].

    (السبيل) هو العقوبة بأن يعاقبه الله عز وجل، قال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) أي: لكم عليهم سبيل وطريق، ولكم عليهم أن تقوموهم وأن تقيموا عليهم حدود الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ظلموا.

    قال تعالى: (وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ) أي: يطلبون البغي وهو الظلم (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: بغير وجه حق.

    قال تعالى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91] وهذه الآية التي ذكرها الله في سورة التوبة، وذكر في هذه السورة: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ) فهنا مقابلة، فالإنسان الظالم لكم عليه سبيل، بينما الذي يحسن أو ينتصر ويأخذ حقه فهذا محسن، فلا سبيل على من يأخذ حقه.

    حكم تحليل من أخذ مالك أو انتهك عرضك

    اختلف العلماء كما يقول القرطبي رحمه الله في التحليل، وكان يقول باستحبابه، أي: عندما يأتي إليك إنسان ويقول لك: حللني أي: سامحني فيما فعلت فيك، فهل يستحب لك أن تحلله؟ كان سعيد بن المسيب لا يحلل أحداً من عرض ولا مال.

    فإذا كان الإنسان من النوع الذي اعتاد السرقة، فكلما سرق ذهب إلى الشخص المسروق وطلب منه السماح، فهذا لا يستحق المسامحة، من باب الردع له؛ لأنه إذا وجد أن لا أحد يريد أن يعفو عنه، سيخاف من الله عز وجل.

    لكن ليس كل الناس بمثل هذه الصورة، فهناك أشخاص يتوبون، فما المانع أن يحلل الإنسان أمثالهم؟ لذلك كان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال، فإذا أخذ إنسان منهم مالاً وذهب يتسامح منهم، كانا يحللانه في ذلك.

    أما الإمام مالك فهو وسط بين القولين، فكان يرى أنه يحلل من المال دون العرض، فإذا أخذ إنسان منك مالاً، وجاء يقول لك: أنا أخذت منك هذا المال فسامحني، ورد لك المال فقال: لا بأس بأن تحلله، أما العرض فقد سب وانتهى الأمر، ففي أي شيء يحلله الإنسان؟

    ووجهة نظره: أنه لو اعتاد البذاءة، وكل من سبه سامحه سيتمادى، فمثل هذا لا يستحق؛ لأنه سيعتاد على انتهاك أعراض الناس، والكلام البذيء الفاجر الفاحش.

    والأمر واسع في ذلك، والأولى في الجميع أن يعفو الإنسان ويصفح كما أمر الله سبحانه وتعالى، فصارت المسألة ثلاثة أقوال:

    الأول: لا يحلله بحال وهو قول سعيد والثاني: يحلله وهو قول القرطبي، والثالث إن كان مالاً حلله، وإن كان عرضاً لم يحلله وهو قول الإمام مالك رحمه الله.

    قال ابن العربي : ووجهة النظر أن الرجل إذا غلب على أداء حقه، فمن الرفق به أن يتحلله، أي: إنه قد يكون أخذ منك مالاً في يوم من الأيام ثم تاب إلى الله وليس معه مال، فجاء يقول لك: سامحني لقد سرقت منك عشرة جنيهات في يوم من الأيام، أو اختلست منك مبلغاً، والذي جعله يفعل هذا أنه خاف من الله، ورجع عن هذا الذنب، فاعف عنه، ولا تتركه معذباً في الذي صنعه.

    أما الإنسان الذي تطاول في العرض، فأصبح لسانه بذياً أي: متعوداً على هذا، فمثله لا يعفى عنه، لكن إذا تاب إلى الله، وأصلح فيما بينه وبين الله، وتغير حاله، وتغير أدبه، فلا مانع من أن يعفى عنه ويستر عليه.

    روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي اليسر حديثاً وفيه:

    أنه استدان منه إنسان مالاً، فذهب ليطالب بالمال، وقد كاتب عليه ورقة؛ لأن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، فخرج إليه ابنه فقال: أين أبوك؟ قال: إن أبي حين رآك ذهب فاختبأ في غرفة أمي، فنادى أبو اليسر عليه وقال: اخرج إلي فقد علمت أين أنت، فخرج إليه الرجل، فقال له: ما حملك على أن اختبأت مني؟ أعطني المال الذي سلفتك، فقال الرجل: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت معسراً، يعني: أنت صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما الذي يلزمني أن أخرج وأكذب عليك، أو أعطيك وعداً تدعو علي، فأنت صحابي فاضل، لا أستطيع أن أكذب عليك، فقال أبو اليسر لهذا الرجل: آلله! يعني: أسألك بالله هل الذي تقوله صحيح؟ قال: والله! أنا صادق في الذي أقوله، قال: فأتى بالصحيفة التي كتب فيها الدين ثم قطعها، ومحا ما فيها، ثم قال: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)

    قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] فالإنسان الذي يصبر ويعفو ويتجاوز عما فعل فيه، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أي: من عزائم الأمور، وكأن الآية فيها شيء مضمر، وهذا مثلما نقول: أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] فالرسل كلهم أفاضل، وكلهم قاموا بأمر الله عز وجل، وبلغوا رسالات الله، وأمر الله عز وجل، لكن كان هناك من كانوا أقوى من غيرهم، وأشد عزيمة من غيرهم، فكأن الإنسان الذي يعفو ويصبر أشد عزيمة من غيره، وقوي العزيمة، صابر على أمر الله، وهو إنسان قوي شديد في أمر الله، ومتمسك بدين الله، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أي: متمسك بما يحبه الله سبحانه وتعالى، وما يرتضيه من عباده أن يفعلوه.

    إذاً: الإنسان له أن ينتصر ممن ظلمه، وله أن يعفو عمن ظلمه بحسب حال هذا الظالم، وإذا كان الظالم يستحلي الظلم فلك أن تنتصر منه، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي جاء في قصة السيدة عائشة مع السيدة زينب رضي الله تبارك وتعالى عنهما.

    فالسيدة زينب بنت جحش بنت عمة النبي صلوات الله وسلامه عليه، من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تفتخر أن الذي زوجها من النبي صلى الله عليه وسلم هو الله من فوق سبع سماوات، تقول: زوجكن أباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، ولها الحق أن تفتخر بمثل هذا.

    ولكن قد يحدث من الغيرة بين نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يكون محموداً، ولذلك جاءت إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها، وكأنها تغيضت منها أن النبي صلى الله عليه وسلم عندها، فقالت لها كلاماً شديداً موجعاً، فسكتت السيدة عائشة ، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول للسيدة عائشة : (دونك فانتصري) وهذا المقام مقام العفو، فعفت عائشة وسكتت، ولكن لما استطالت الأخرى في ذلك، ردت عليها فأفحمتها، قالت: فجف ريقها في حلقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أن نرضيه بأقوالنا وأفعالنا ونوايانا، وأن يتقبل منا سبحانه وتعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.