إسلام ويب

تفسير سورة الشورى الآية [38]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات المؤمنين: أن أمرهم شورى بينهم، والاستشارة تكون بعد الاستخارة، والعزم يكون بعد الاستشارة، وإذا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أمر بعد المشاورة فليس له أن يرجع عنه، ويقتدي ولي الأمر به في ذلك، وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مواطن كثيرة منها: غزوة بدر، وغزوة أحد، وحادثة الإفك، وغيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة....)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى مدح المؤمنين الذين يتصفون بصفات منها أنهم على ربهم يتوكلون، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الشورى:37-38].

    من صفات المؤمنين الاستجابة لله والرسول

    ذكر الله عز وجل من صفات المؤمنين صفة الاستجابة، أنهم يطيعون الله سبحانه، ويطيعون رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأنهم سريعون في الإجابة إذا دعوا إلى الله أو دعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: (استجابوا) أي: أجابوا، كأن السين للاستدعاء، فاستدعوا من أنفسهم ذلك باستدعاء الله عز وجل إجابتهم، فبادروا وسارعوا إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، وإلى طاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهم المجيبون لله، ولمجيبون للرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمنفذون لأمر الله وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام.

    والاستجابة صفة عظيمة للمؤمنين، وقد جعل الله عز وجل في الأنصار أعظم ما يكون من الصفات صفة الاستجابة، ولذلك لما قدم وفد من الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته وكان عددهم اثني عشر رجلاً، فدعاهم إلى دين الله عز وجل فاستجابوا، ورجعوا إلى قومهم فدعوهم، فالأنصار استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم مهد الله للهجرة وجاء الأمر منه عز وجل وهاجر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما وصل إليهم كانت بيوت كثيرة من بيوت الأنصار قد دخلوا في الإسلام، إذ أرسل إليهم قبل ذلك مصعب بن عمير رضي الله عنه يدعوهم إلى الله، فما في الأنصار من بيت إلا ودخل فيه الإسلام، فكانت دعوة عظيمة من الأنصار رضوان الله عليهم، واستجابة عظيمة منهم لله، ولهذا مدح الله المؤمنين خاصةً الأنصار باستجابتهم لله سبحانه.

    فقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى:38] هذه سببها مخصوص، ولكن كما ذكرنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل مؤمن يطيع الله عز وجل، وكل مؤمن يستجيب حالاً لكلام الله سبحانه ولكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فهو داخل تحت هذه الآية.

    من صفات المؤمنين إقامة الصلاة

    قال تعالى: (وأقاموا الصلاة) أي: داوموا عليها، وأدوها في أوقاتها التي شرعها الله سبحانه وتعالى، فصلوا لله واستقاموا على هذه الصلاة صلاةً صحيحة مقبولةً، صلاةً يرضى الله عز وجل عنهم وعنها، صلاةً تمنع وتنهى صاحبها من الفحشاء والمنكر.

    من صفات المؤمنين الشورى فيما بينهم

    ومن صفاتهم: أن أمرهم شورى بينهم، هذه من أخص صفات المجتمع المسلم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، فليس في المجتمع المؤمن من ينفرد برأيه ويلزم الجميع بما يقول، فالله عز وجل مدح هنا المؤمنين ومدحهم في سورة آل عمران، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] فلولا أن عندهم رأياً لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، فمدح الله عز وجل المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الأمر، ومعلوم أنه لن يشاورهم في الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ليست محل جدل ومناقشة ومحل شورى بين المؤمنين، إنما يشاورهم في أحكامهم الدنيوية، فإذا خرج للجهاد في سبيل الله عز وجل استشار المؤمنين في الطريق: أي طريق يسلكها؟ واستشار المؤمنين كيف يبدأ بأعدائه، وكيف يفعل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويستشيرهم في أمور من أمور الدنيا، أما أمر الدين فهذا وحي السماء ينزل بالأحكام لا مشاورة فيها لا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأصحابه، فهو مأمور من ربه سبحانه بأن يفعل فيفعل، والمؤمنون مأمورون بأن يفعلوا فيفعلوا وينتهوا فينتهوا، فالشورى هنا في أمر دنياهم، يشاورهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان كثير الاستشارة لأصحابه، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، فهو الذي مدحه ربه بأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يتكلم بهواه، وإنما يتكلم بوحي من الله سبحانه وتعالى، فلو أنه مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشاورهم لجاء من بعده فقال: النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستشير أحداً، فينفرد برأيه، ولكن بدأ بنفسه صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله الذي عصمه الله، والذي أيده ربه بالوحي من السماء، فإذا أخطأ في شيء ينزل القرآن ليصوب له: افعل كذا لا تفعل كذا عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: فربنا يأمر المؤمنين بهذه الشورى بأمرين:

    الأول: القرآن، يقول تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] فإذا كان النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام يشاور في الأمر فغيره من باب أولى.

    والأمر الثاني: مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وينفذ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بسنته عليه الصلاة والسلام، فيتعلم من بعده منه.

    ذكر الإمام البخاري في صحيحه باباً عن الشورى فقال: باب قول الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] ووَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] وأن المشاورة قبل العزم والتبين؛ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].

    وهذا من جميل ترتيب الإمام البخاري لتراجم أبوابه رضي الله تبارك وتعالى عنه، فيذكر أن الله سبحانه قال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، وقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] وأن المشاورة قبل العزم، والمعنى: أني أشاور في أن أعزم على أمر، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً آخر مع هذه الشورى العظيمة، وهي أن تستخير الخالق سبحانه وتعالى، إذاً: هناك استخارة واستشارة، فتطلب الخيرة من الله سبحانه، تطلب منه أن يختار لك وأن يلهمك الصواب، وأن يوفقك لتسير على ما يحبه سبحانه وتعالى، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم أني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويذكر الأمر الذي يستخير فيه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به).

    إذاً: تستخير الخالق سبحانه وتعالى وتستشير المخلوق؛ لأن هذا أمر الله عز وجل، قال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، وقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، فإذا ظهر لك الأمر بناءً على الاستخارة، وبناءً على الاستشارة فاعزم عليه وتوكل على الله سبحانه، ولذلك الترتيب الجميل للإمام البخاري ، يقول لك: وأن المشاورة قبل العزم والتبين: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].

    إذاً: هنا ربنا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159]، أي: إذا أخذت أمراً وقطعته بشيء فامش في هذا الأمر وتوكل على الله سبحانه.

    يقول البخاري رحمه الله: فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، قال: وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد.

    المقصود من كلام البخاري : أنه إذا استشار النبي صلى الله عليه وسلم فاتفقوا على أمر: نفعل كذا، ثم بدأ ينفذ النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة هذه الشورى فليس لهم أن يرجعوا في كلامهم بعد ذلك، فلا بد أن يفعلوا ما استشارهم فيه صلى الله عليه وسلم وما وصلوا إليه من أمر.

    ذكر ما جاء من استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه

    يقول الإمام البخاري : وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج؛ إذ إن الكفار قادمون إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه، فقد كان الكفار عددهم ثلاثة آلاف مقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم بمقدم جيش الكفار، فاستشار أصحابه في المكوث في المدينة ومقاتلتهم فيها أو الخروج إليهم لقتالهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى أن يمكث في المدينة ولا يخرج منها، هذا كان رأيه صلى الله عليه وسلم، فاستشار أصحابه فطلبوا أن يخرجوا كما خرجوا في يوم بدر، وكان رأيه صلى الله عليه وسلم أن يمكثوا في المدينة، فهي حصن حصين وعدد الكفار كبير، فالخروج إليهم يتطلب عدداً كبيراً، وكان من أصحاب هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول، فقد كان رأيه أيضاً أن يمكث النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ولا يخرج للكفار خارج المدينة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استشار؛ لأن الله عز وجل أمره بذلك، فلما استشارهم كان أكثر الآراء على الخروج وعدم المكث في المدينة، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم ينفذ، فلبس النبي صلى الله عليه وسلم لأمة الحرب وأراد الخروج، فقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فذهبوا إليه وقالوا له: يا رسول الله! إن بدا لك أن تقعد فاقعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله) أي: قضي الأمر، فقد لبست لباس القتال فلا ينبغي أن أخلعها، فخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بـعبد الله بن أبي بن سلول يخذل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويخرج بثلث الجيش من أتباعه، ويترك النبي صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعمائة رجل بعد أن كانوا ألف رجل، وجيش الكفار ثلاثة آلاف، فهذا صنيعه، وكم صنع من الإجرام مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل المجرم المنافق الذي كان يبطن الكفر، ويظهر الإسلام، ويتولى اليهود، فلم ينفعه ذلك حتى مات وجاء ابنه يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، هذا الرجل المجرم خذل جيش المسلمين، ورجع بثلث الجيش، ووجد لنفسه عذراً فقال: لم يسمع كلامي، وإنما سمع كلامكم أنتم، ورجع بعدما استيقن أن الكفار قد أتوا، وكأنه وجدها فرصة حتى يتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين الذين معه، وحصل ما حصل في يوم أحد، وانتصر المسلمون في أولها حتى عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهزموا في آخرها.

    فالغرض: أنه استشار القوم، وليس هنا فقط، بل قد استشارهم قبل ذلك في بدر، واستشارهم بعد ذلك في الخندق، وفي مواطن كثيرة كان يستشير أصحابه.

    ذكر ما جاء من قصة الإفك

    يقول الإمام البخاري رحمه الله: وشاور -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن.

    لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع، ومعه السيدة عائشة رضي الله عنها ورجع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت السيدة عائشة استعارت من أسماء قلادة لها، فضاعت القلادة من السيدة عائشة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل، وذهبت السيدة عائشة تبحث عن القلادة، وجاء من كانوا يحملون هودجها، وظنوا أنها بداخل الهودج وهو المحمل الذي يحمل فوق الجمل، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله تبارك وتعالى عليهن كن مستورات لا أحد ينظر إليهن، فحملوا الهودج وكانت خفيفة وظنوها بداخله، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم لأمر يريده الله تبارك وتعالى، وبعدما وصلوا إلى مكان ما افتقدوا عائشة رضي الله عنها، فلبثت السيدة عائشة في هذا المكان، فإذا برجل كان في مؤخر جيش النبي صلى الله عليه وسلم في أمر من الأمور يجد السيدة عائشة في مكانها فيحملها رضي الله تبارك وتعالى عنه، واسمه صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه، فلما رآها إذا به يتعجب ويقول: سبحان الله! وما زاد على ذلك، وأتى بجمله وأناخه، فركبت عائشة رضي الله عنها وأخذها وانطلق بها إلى المدينة، وإذا بالمسلمين يصلون وليست معهم عائشة، فتكلم أهل النفاق في ذلك، ورأس النفاق كان هذا المجرم عبد الله بن أبي بن سلول، والمفروض أن المسلمين قد تعلموا منه درساً في يوم أحد، فمثل هذا لا يصدق فيما يقول، فإذا به يشيع بين المسلمين أن السيدة عائشة أحدثت حدثاً، فإذا بالبعض يتكلم وهو يستخفي ويختبئ ولا يظهر ذلك إلا فيمن حوله، ولكن المسلمين تكلموا فيما بينهم حتى وصل الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وجرت قصة طويلة، وفي النهاية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول للناس: (من يعذرني في رجل قال على أهل بيتي. كذا وكذا؟) يعني: من يعذرني إن فعلت فيه شيئاً، قال: (والله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، برجل والله ما دخل بيتي إلا معي)، وعبد الله بن أبي بن سلول هذا من الخزرج، فقام الأوس وقالوا: (يا رسول الله! إن كان منا مرنا بأمرك فقتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا بأمرك ففعلنا ما أمرت)، فإذا بالخزرج تأخذهم نعرة الجاهلية فقالوا: (كذبتم والله لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً).

    وهذه مصيبة أيما مصيبة، فقد ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم بأناس يتكلمون عن زوجته وأحب النساء إليه صلى الله عليه وسلم، ولما أراد أن يقف على المنبر من أجل أن يعذروه صلى الله عليه وسلم إذا بهم يتعرض بعضهم على بعض، وكادوا يقتتلون في المسجد، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يهدئهم ويرجع إلى بيته صلوات الله وسلامه عليه، ويستشير علياً رضي الله عنه، ويستشير أسامة، فيسأل علياً: ما هو رأيك في هذا؟ وتأخر الوحي عنه حتى يرينا صبر عائشة رضي الله عنها، وأن الابتلاء كان حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ابتلي إنسان بمثل ذلك صبر، قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يستشير أسامة، وكان يلقب أسامة بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي كان في يوم من الأيام يدعى بـزيد بن محمد، فلما نزل تحريم التبني كان زيد حب النبي صلى الله عليه وسلم، وابنه أسامة بن زيد حب، أي: حبيب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رباه النبي صلوات الله وسلامه عليه هو وأباه.

    فلما استشار أسامة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أهلك يا رسول الله! والله ما علمنا عليهم إلا خيراً، فاستشار علياً رضي الله عنه، فإذا بـعلي يتكلم الكلام الذي يليق بإنسان كبير عاقل عنده حكمة، حيث إن الوحي تأخر عنه، وأصابه غم في بيته وبين المسلمين، والأمر أسهل من ذلك أن ينتبه لأمر المسلمين ولأمر الدعوة، فقال علي: طلقها يا رسول الله! والنساء كثيرات، ودامت الوقيعة بين عائشة وبين علي فترة طويلة، إذ لم يكن في نفس علي شيء من عائشة ولم يكن يتهمها رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولكنه رجل دولة، رجل ينظر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس متفرغاً حتى ينظر لأمر البيت وأمر كذا، فلا بد أن ينتبه لأمر الدعوة، وربنا يقضي ما يشاء تبارك وتعالى، فلما استشارهما صلى الله عليه وسلم لم ينفذ رأيهما ولكنه استشار، واستشار واحدة أخرى كانت تخدم عائشة رضي الله عنها وكانت أمة وأعتقتها السيدة عائشة رضي الله عنها وهي بريرة رضي الله عنها، فاستشارها فقالت: (يا رسول الله! والله ما علمنا على أهلك إلا خيراً، غير أنها جارية حديثة السن كانت تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، فهذه لما استشارها النبي صلى الله عليه وسلم قالت الحقيقة، فأقصى خطأ في عائشة أنها تعمل العجين وتنساه وتنام.

    فلما استشار النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية سكت صلوات الله وسلامه عليه، وانتظر أمر الله سبحانه وتعالى، وكانت عائشة في هذا الوقت عند النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: ولم أجد منه ما كنت آراه، أي: لم يعد لطيفاً يدخل ويسلم علي ويقبلني، وعائشة غير منتبهة تماماً لما يدور حولها، ولما رجعت عائشة أصابها شيء من التعب، فأرادت في يوم من الأيام أن تخرج لقضاء حاجتها، فكانت معها أم مسطح بن أثاثة أحد الذين تكلموا في أمر السيدة عائشة رضي الله عنها، وكان رجلاً مؤمناً طيباً، ولكنه سمع فتكلم، فدعت عليه أمه، وحينما خرجت مع السيدة عائشة رضي الله عنها كادت تقع فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة رضي الله عنها: (لم تدعين عليه؟ فقالت لها: أو ما بلغك ما قال؟ قالت: وما قال؟ فحدثتها بالحديث، فرجعت مصابة بالحمى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: أصابتني حمى بنافض، ورجعت إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي الحمى، وتعبت تعباً شديداً، ثم قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لي أذهب إلى والدي، فأذن لها وذهبت إلى أبيها وإلى أمها فسألتهما: هل سمعتم هذا الذي حدث؟ فأجابا: نعم، سمعنا بذلك، فقالت لها أمها تطيب قدرها: يا بنية! قلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، أي: أنت امرأة جميلة وعند النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحبك، والناس من الضروري أن يتكلموا عنك، فلا تهتمي بهذا الشيء، فإذا بالسيدة عائشة تبكي وما انقطع دمعها، وأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها قبل أن تذهب إلى أبويها، ويخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ينزل وحي في ذلك، فينصح أهل بيته قائلاً: (يا عائشة! إن كنت ألممت بأمر فتوبي إلى الله فإن الله غفور رحيم) حتى قالت عائشة: فانقطع دمعي، إذ كانت تبكي قبل ذلك، فلما قال ذلك أخذها الغيظ من هذا، حتى النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك! وهو يحبها ويعرف قدرها، قالت: فانقطع دمعي وقلت: والله لو أنني أخبرتكم بشيء أنا صادقة فيه والله يعلم أني صادقة تكذبونني فيه، وإن أخبرتكم بشيء أكذب عليكم فيه صدقتموني، أي: لو قلت لكم: أنه فعلاً حصل هذا الذي أشيع عني كنتم ستصدقون، وإن كنت سأصدق في القول فلا أحد سيأخذ بكلامي، ثم استأذنته وذهبت إلى أبيها وقالت: ولا أقول إلا كما قال أبو يوسف -قالت: ونسيت اسمه، نسيت اسم يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بسبب الغم الذي أصابها- لا أقول إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل، أي: أصبر الصبر الجميل حتى يأتي أمر الله سبحانه وتعالى، ونزل القرآن وإذا بالله عز وجل يقول في كتابه العظيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11].

    فالحكمة هنا: أن هذا خير لك يا رسول الله أن تبتلى فتصبر، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصبر ليبين للناس أن العرض فيه حكم الله سبحانه وتعالى، والذين قذفوا نزل فيهم الحد بأن يجلدوا، وأفلت عبد الله بن أبي بن سلول لأنه ما أظهر هذا أمام الناس، إذ كان قوله في السر، فالذين أظهروه هم الذين أخذوا وأقيم عليهم الحد، وكان منهم مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش أخت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا يتكلمون عن ذلك قالت السيدة عائشة عن زينب: حفظها الله بالورع، وأختها وقعت فيه، أما هي فلم تقع في ذلك مع أنها ضرتها، فقد كانت السيدة زينب بنت جحش ورعة لم تقع في ذلك.

    وعلم الله عز وجل المؤمنين الصبر بذلك، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصبر أبو بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه، حيث إن عائشة هي ابنته، والذي كان يتكلم عنها هو ابن خالة أبي بكر الصديق مسطح بن أثاثة وكان رجلاً فقيراً، وكان أبو بكر ينفق عليه، ومع ذلك كان من أول من تكلم على السيدة عائشة هو مسطح، فأقيم عليه الحد، وحلف أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه بعد ذلك، فنزل القرآن يقول لـأبي بكر رضي الله عنه ولأمثاله من أهل التقوى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] قال: بلى، نحب أن يغفر الله لنا، وأرجع نفقته عليه مرةً ثانية.

    قال الله عز وجل: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، أي: ستصبرون وتنالون الأجر العظيم من وراء ذلك، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصبرت عائشة فخلد الله ذكرها في القرآن، قالت: وما كنت أظن أن الله ينزل في شأني قرآناً، ولكن كنت أرجو أن ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، فيخبره عن صدقي وأنني مظلومة في ذلك، رضي الله عنها.

    والغرض من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور في هذا الأمر المسلمين، فاختلفوا فسكت عنهم، فشاور أهل بيته صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستبد بالأمر وحده ويصنعه، وإنما لزم الشورى في ذلك، وهذا ذكره الإمام البخاري .

    قال رحمه الله: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، يعني: كان الأمراء والخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء، ولاحظ هذه الكلمة، فهم لم يكونوا يستشيرون المنافقين من أهل العلم، ولا الكذابين من أهل العلم الذين يفتون لإرضاء الناس، ولكن كان الخلفاء إذا وجدوا مسألة فيها أقوالاً للعلماء، يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأخذ بالقول الأيسر إذا لم يكن مخالفاً للشريعة.

    استشارة الأمناء من أهل العلم والعزم والتوكل بعد الاستشارة

    يقول البخاري رحمه الله: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: فكان الأمين من أهل العلم لا يرضى أن يفتي السلطان بما حرم الله فيبيح ما حرم الله، ولكن يفتي بما أحل الله عز وجل، وأي حكم ليس فيه دليل على المنع الأصل فيه الجواز، فيفتون للخلفاء بما قال الله وبما قال النبي صلى الله عليه وسلم وبما هو مباح في الأمر الدنيوي، من غير أن يتعرضوا لأمر حرمه الله فيحلونه، ولا لأمر أحله الله فيحرمونه.

    قال البخاري : ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟) لاحظ فقه الإمام البخاري رحمه الله فيما نذكره؛ إذ يسوق القول الذي يختاره هو، ثم يدلل عليه بالدليل، والإمام البخاري فقيه محدث رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأنت تأخذ فقه البخاري من تراجمه، ففي صحيح البخاري ترجمة الباب وعنوان الباب كذا، وقد يكون العنوان كلمة أو كلمتين، وقد يكون العنوان صفحة كاملة، ومن هذا العنوان الذي يذكره البخاري تعرف فقه البخاري واختيار البخاري في صحيحه، أو من الأقوال ما يعمم به في الباب.

    فهنا يذكر القول وبعده الدليل، فقد بدأ بقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] واختار أن المشاورة قبل العزم والتبين، أي: أنك تستشير، وقبل الاستشارة الاستخارة قبل أن تجزم وتقطع، ثم تستشير الناس بعد ذلك ثم تعزم على الشيء، فالاستشارة قبل العزم، قال: لأن الله عز وجل عقب ذلك بقوله: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] إذاً: إذا استشرت الناس وعزمت على شيء بعد ذلك، فالاستشارة تكون قبل العزم، وهذا دليلهم.

    وإذا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء وقطع عليه، فليس له أن يرجع عن ذلك، قال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله)، والسنة أيضاً تفيد ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد لما عزم على الخروج بعد الاستشارة أرادوا الرجوع في ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله).

    ذكر ما جاء من عزم أبي بكر على قتال المرتدين

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنه لا قول لأحد ولا اجتهاد مع النص، فإنه يلزمك أن تنفذ ذلك، فإذا أمر الله فلا اختيار، بل عليك أن تنفذ من غير استشارة. ودليل الإمام البخاري في ذلك قوله: ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة. في عهد أبي بكر لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وتولى أبو بكر الخلافة إذا بأناس كثيرين يرتدون، ويمنعون الزكاة، وقالوا: الزكاة كنا ندفعها للنبي صلى الله عليه وسلم، والله يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ [التوبة:103] فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يأخذها، وقال: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] وأنتم لن تصلوا علينا فلن ندفع الزكاة، فسموا الجميع: مانعي الزكاة والمرتدين، مع أن فيهم من لم يرتد ولم يمنع الزكاة ولكنه قال: أنا أدفع الزكاة لكن لن أدفعها للإمام، فكلهم سموا مرتدين وإن كان في ذلك تفصيل، فالإمام البخاري يستدل بأن أبا بكر رأى أن يقاتل هؤلاء، وأن يقاتل الجميع، من ارتد ومن منع الزكاة بتأويل أو بغير تأويل، فإذا بـعمر يعترض عليه ويقول: كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ وفي اعتراضه أتى بنص من النصوص، فإذا بـأبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه يرد عليه بنص آخر ويقول: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) أي: إن الله أمر بقوله: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102] إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم أو من يقوم مقامه يقيم لهم الصلاة فيصلون جماعة، فمن منع الجماعة هذا نقاتله، وكذلك الزكاة قال: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] وقد أخذها النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذاً لأمر الله، فمن منع اعتراضاً على أن الإمام يأخذ الزكاة من الناس فيدفعونها له، فهو مفرق بين الصلاة والزكاة.

    إذاً: احتج أبو بكر بالنص؛ فلذلك رضي عمر بما قاله أبو بكر رضي الله عنه.

    فمقصد البخاري : أننا إذا اختلفنا في شيء مع وجود النص فإنه يلزم الجميع أن يأخذوا بهذا النص، وأن يتركوا آراءهم، ولذلك ترك عمر رأيه، وأخذ بالنص الذي ذكره أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    يقول: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) فالذي يؤيد ما يقوله أبو بكر رضي الله عنه أن أبا بكر اختار أن يقاتل هؤلاء؛ لأن النص معه أن الذي يمنع الزكاة يلغي شيئاً من دين الله ومن أركان الإسلام، فهو مبدل للدين، ونص النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، فالمقصد منه: أن الإنسان إذا اختلف مع غيره رد الأمر إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا وجد النص في الكتاب والسنة لزمه أن يعمل به.

    أصحاب مشورة عمر رضي الله عنه

    قال: وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً وشباناً.

    كذلك كان عمر يأخذ بالشورى رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان يستشير القراء وحفاظ القرآن، ولو نظرت إلى هذا الزمان لوجدت أن حفاظ القرآن لا أحد يهتم بهم، لكن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم كان حافظ القرآن له أهمية كبيرة جداً، كما ذكرنا في الحديث السابق أنهم كانوا يحفظون القرآن عشر آيات عشر آيات، ولا ينتقل أحدهم من العشر الأولى حتى يتقنها ويعلم معناها، ويعلم ما فيها من أحكام ويعمل بها، فكان إذا حفظ القرآن أصبح عالماً بالأحكام، عاملاً بالقرآن، عالماً من العلماء، أما الآن فلا نقدر أن نقول: إن حافظ القرآن عالم أو فقيه أو كذا؛ لأن ذاك يحفظ القرآن، وذاك يحفظ الحديث، وذاك يتعلم الفقه، وهكذا، لكن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا توجد هذه التفرقة، فقد كان حافظ القرآن إماماً وعالماً؛ لذلك كان عمر رضي الله عنه أهل شوراه هم حفاظ القرآن، ليس كما في هذا الزمان الذي أصبح من أهل الشورى الممثلون والرقاصون والكتاب والمخادعون والمنافقون والصحفيون؛ بل الذي يعرف دين الله وينصح لله سبحانه وتعالى هؤلاء هم أهل الشورى.

    فأهل شورى عمر رضي الله عنه هم القراء وحفاظ القرآن والعلماء بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عمر يستشير هؤلاء الحفاظ، وكان إذا استشارهم ووصلوا إلى أمر أخذ بما يقولون رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وأهل مجلس عمر رضي الله عنه كانوا كهولاً، والكهل: الذي جاوز أربعين سنة، أو شباناً وهم دون ذلك وكذلك المشيخة، وذكر أنه كان في مجلس شورى عمر بعض الناس الذين لهم مودة مع عمر رضي الله عنه، فأتى إلى هذا الرجل عمه، وقال: يا ابن أخي! ألك كلام مع هذا الأمير؟ فقال: نعم. قال: فدلني عليه، كأنه يقول: توسط عنده من أجل أن أكلمه فرضي الله عنه، فأخذه وذهب به إلى عمر رضي الله عنه، وهو لا يعرف ما الذي سيقوله عمه لـعمر رضي الله عنه، فلما جلس الرجل وعمه قال عم الرجل لـعمر رضي الله عنه: هيه يا عمر! والله ما تعطي الجزل، ولا تحكم بالعدل.

    فقام له عمر بالدرة ليضربه، فإذا بابن أخيه يقول: يا أمير المؤمنين! إن الله عز وجل يأمر بالعدل ويقول: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين، فأنقذ عمه بذلك، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالعدل وأن نحكم به، فكان عمر يحكم بالعدل، قال راوي الحديث: وكان عمر وقافاً عند كتاب الله، فقد كان الرجل ذكياً حين أتاه بهذه الآية، وذكره بأنه يحكم بالعدل، فعلى ذلك لا يضره ما يقول هذا الإنسان، فلما قال: (وأعرض عن الجاهلين) وهذا جاهل، سكت عمر وذهب فوراً غضبه رضي الله تبارك وتعالى عنه، وسكت عن هذا الرجل، هذا ما ذكر الإمام البخاري في صحيحه من الشورى.

    ذكر ما جاء من مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر

    أيضاً: مما جاء أنه في يوم بدر شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، هذا قبل الخروج لعير أبي سفيان، فقال: (من كان سلاحه حاضراً فليخرج معنا)، فخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، ولكن أبا سفيان أفلت إلى مكان آخر، وأرسل إلى الكفار يستغيث بهم، فجاء الكفار لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يجدون أن الأمر ليست عيراً يأخذونها، بل هو جيش آت، وهم ليسوا مستعدين لهذا الجيش، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه.

    روى الإمام مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. يقصد أنه في البداية شاور، وبعد ذلك شاور صلى الله عليه وسلم حين استغاث أبو سفيان بالكفار، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فتكلم عمر فأعرض صلى الله عليه وسلم، فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: إيانا تريد يا رسول الله! وهذا وإن كان في صحيح مسلم إلا أن الظاهر أنه ليس سعد بن عبادة؛ لأن سعداً لم يكن معهم، وإن كان قد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، لكنه لم يكن معهم إنما كان معهم سعد بن معاذ رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان فيها المقداد بن الأسود ، واشتهر المقداد بمقولة قالها رضي الله عنه، لكن هذه رواية الإمام مسلم .

    والحديث في مسند الإمام أحمد وفيه: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً فارساً، وهو الفارس الوحيد الذي كان موجوداً في يوم بدر، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أبشر يا نبي الله! لما استشاره النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا رسول الله؟ فقال المقداد رضي الله عنه: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى صلى الله عليه وسلم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك، وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك حتى يفتح الله عليك.

    وفي رواية أخرى لهذا الحديث ذكرها ابن أبي شيبة فقال سعد بن معاذ -وهذا هو الراجح أن القائل كان سعد بن معاذ سيد الأوس، والآخر سعد بن عبادة سيد الخزرج، لكن القائل كان سعد بن معاذ ، ولعل الآخر قالها قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إليه- قال سعد بن معاذ : لئن سرت حتى تأتي برد الغماد من ذي اليمن لنسيرن معك، يعني: سر أينما تريد فنحن معك، حتى وإن سرت إلى اليمن فسنكون معك، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً جميلاً وفيه: ولن نكون كالذين قالوا لموسى... وذكر ما قال المقداد رضي الله عنه، قال: ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    هذا سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن حين مات شهيداً رضي الله تبارك وتعالى عنه وحملته الملائكة، وحمله المسلمون، وكان ضخماً عظيم البدن رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولما حمله المسلمون ما شعروا بذلك، فقد كان خفيفاً وهم يحملونه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حملته الملائكة، وهو صاحب هذه المقولة العظيمة الذي عاش مجاهداً في سبيل الله، والذي دعا ربه حين أصيب في أكحله في عرق في يده رضي الله تبارك وتعالى عنه في يوم الأحزاب فقال: اللهم إن كنت أبقيت للمشركين قتالاً فأبقني لهم، فإن لم تبق لهم قتالاً فخذني إليك، فأخذه الله سبحانه وتعالى واستجاب له دعوته.

    وكان يهود بني قريظة حلفاء للأوس من الأنصار في الجاهلية، ولذلك لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة تحصن بنو قريظة في الحصون، وأبوا أن ينزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فقد كان حليفهم في الجاهلية وأرسلوا إليه، وكانوا قبل ذلك أرسلوا لـعبد الله بن أبي بن سلول ومن قبلهم بنو النضير أرسلوا إليه، وبنو قينقاع كذلك أرسلوا إليهم، فقد كانوا حلفاء للخزرج، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنافق عبد الله بن أبي بن سلول ، وقال أتقتل هؤلاء كذا دارع وكذا رجل معه سيف وكذا، والله لا تقتلهم! وضل يشفع لليهود حتى أجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه أخذاً بكلام هذا الرجل، وكذلك أرسلت بنو قريظة إليه وقالوا له: لقد كنت حليفنا في الجاهلية، وأخذوا يتوددون إليه فقال: سأحكم، وسكت ولم يقل: سأحكم بكذا، حتى خرج، فقالوا: لا نريد إلا حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- قال: فحكمي فيكم أن تقتل مقاتلتكم، وأن تسبى ذراريكم ونساؤكم، وأن تؤخذ أموالكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت بحكم الملك)، هذا حكم الله سبحانه وتعالى نطق به سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري رضي الله عنه سيد الأوس، فكان رجلاً موفقاً في حياته حتى توفاه الله سبحانه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لمناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها) هذا منديله، فكيف بما أعد الله عز جل لـسعد وغيره في الجنة؟

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يقينا عذابه وناره.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.