إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [27 - 28]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق لعباده ويقدر، وله في ذلك الحكمة البالغة، وسوف يعود إليه الغني والفقير، وسيحاسب الشاكر والصابر والجاحد لنعمته، وهو الذي ينزل الغيث فهو في علمه سبحانه لا يعلمه إلا هو، ويرحم عباده ويشكر إذا شكروا، ويحمد نفسه إذا بطروا وكفروا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وقفنا في سورة الشورى عند قول الله عز وجل: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27].

    الله حكيم سبحانه، والله خبير وبصير، يرى عباده سبحانه ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم سبحانه، وهو الخبير سبحانه، العالم بخفايا النفوس، وبخفايا ما يكنه العباد، وقد ذكرنا لله عز وجل الأسماء الحسنى كما ذكر في كتابه، فمن أسمائه سبحانه: العليم، والخبير، والشهيد، وكلها راجعة إلى علم الله سبحانه وتعالى، والعليم أعم، والخبير يختص بالعلم بما خفي، والشهيد يختص بالعلم بما ظهر، فهو العليم، وهو الخبير، وهو الشهيد سبحانه وتعالى، وهو اللطيف، فعلمه دقيق خفي ومعه يصرف ويدبر الأمور بلطفه، وبرفقه، وبرحمته، فهو اللطيف بعباده سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).

    لذلك ينبغي أن نتأمل في أسمائه الحسنى، وأن نحصيها ونعدها، ونحفظها، وأن نتأمل في معانيها ونستخدمها في أوقاتها فيما تطلب من دعاء، فتستخدم الاسم في المناسبة التي تدعو بها وفي ذكر الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم العظيم .. الله خبير، الله بصير، الله لطيف، الله عزيز سبحانه وتعالى.

    حكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق

    قال تعالى: إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27]، فهو يعلم ما الذي ينفعهم فيعطيهم سبحانه وتعالى، وكل شيء يجري بحكمة الله، وهو أعلم بها، وقد يرى العباد مقتضى هذه الحكمة، وقد لا يرى الإنسان ما وراء ذلك، فالله أعلم بمن يستحق فيعطيه سبحانه وتعالى، سواء بدى لنا ذلك الأمر أو لا، فهو الخبير ذو العلم الدقيق الذي هو أعلم بخفايا العباد وبالذي يستحقون، فترى الشيء أمامك وتتمنى له كذا، ولكن تجد في حقيقته في النهاية أنه ليس كما تظن، فالله يدبر أمر الخلق على ما يعرف هو، لا على ما تريد أنت، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يريهم أشياء من ذلك بتصرفه هو صلوات الله وسلامه عليه، فيعطي البعض من العباد من الزكاة ويعطيه من الصدقة، ويعطيهم هدية، ويتألفهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء بعض الصحابة ويقول: يا رسول الله! فلان أحوج، فلان هذا أولى من فلان، فيبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعرف ذلك، يقول: (إني لأعطي القوم وغيرهم أحب إلي، ولكني أكلهم لإيمانهم).

    فهذا تصرف من النبي صلى الله عليه وسلم، والناظر إليه نظر إلى أنه لماذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلان هذا ليس هو الذي يستحق، وفلان الثاني أولى منه، فيقول: أعطي هؤلاء أتألفهم ليثبتوا، وليكونوا على الدين حتى لا يتزلزلوا ولا يتزعزعوا، وأترك فلاناً لأن إيمانه قوي، فهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه علم بشر صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بعلم رب البشر سبحانه وتعالى؟!

    قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:7]، وقال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فالله بحكمته أعطى فلاناً ومنع فلاناً، فإن من عباد الله عز وجل من لا يصلحه إلا الفقر؛ لأنه إذا أغناه الله طغى وبطر وأشر، وصار ظالماً، وصار يأخذ أموال الناس مع أنه إنسان غني، فالله أعلم بأن هذا لا يصلح له إلا أن يكون فقيراً، وإن أراد الله عز وجل به رحمة فيفقره، وإن أراد رحمه، فإن أراد شقاوته أعطاه من المال، وكل يجري بحكمته سبحانه، اختار لهذا الشقاوة ولهذا السعادة وهو أعلم ما الذي يستحقه العبد؛ لأنه هو الذي خلقه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:2]، فهو أعلم بمن يستحق رحمته، ومن يستحق عذابه، وهو أعلم بنفوس العباد، فلذلك يعطي العباد ما يريد، يريد الله عز وجل بعبده الرحمة، ويريد الله عز وجل أن يجعله من أهل جنته، ويعلم أن هذا الإنسان لو كان غنياً فسيطغى في هذه الدنيا، فيجعله فقيراً ليرحمه سبحانه وتعالى.

    ويعلم أن فلاناً هذا لا يصلح له إلا الغنى؛ لأنه إذا أغناه الله سبحانه فهو يعطي وينفق في سبيل الله، فيعطيه الله وهو أعلم بعباده سبحانه، ويعلم من عباده أن فلاناً لو أغناه لصار ظالماً، ويريد الله شقاوته، والله أعلم بعباده، فيغنيه ويعطيه، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، فإذا به يأخذ ما أغناه الله به وينفقه فيما حرمه الله سبحانه؛ لينال قضاءه وقدره الذي قسمه الله سبحانه وتعالى له، عمل المعصية وهو على علم وبينة أنه عصى الله سبحانه.

    لذلك نقول: الله أعلم بنفوس العباد حين يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وحين يضيق على من يشاء سبحانه، ولذلك إذا أعطاك الله عز وجل المال فاعلم أن هناك من يستحق، فأعط وأخرج زكاة مالك، وأخرج زكاة فطرك، وأخرج صدقة مالك، وأعط للقرابة، وأعط للجيران، وأعط للفقراء، وأنفق لله سبحانه وتعالى، ولا تنس الحقوق التي أمرك الله عز وجل أن تؤديها، وإذا ضيق الله عز وجل عليك فاحمد الله سبحانه وتعالى بشرط أن تأخذ بالأسباب، تذهب إلى عملك، وتتعب نفسك وتحاول، فإذا ضيق الله عز وجل عليك فهو أعلم سبحانه أن هذا هو القدر الذي ينفعك ويصلح لك، هو أعلم أنه لو أعطاك أكثر من ذلك لأطغاك فمنع الله عز وجل عنك ذلك، فهو أعلم سبحانه وتعالى ما الذي تستحقه وما الذي يدخره لك عنده يوم القيامة.

    الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة، وأيام الآخرة مقدارها كما قال تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، فيدخل الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة سنة.

    فالإنسان المؤمن يصبر نفسه ويسلي نفسه بذلك، فهذا يوم عند الله عز وجل بألف سنة، فأيامنا هذه لا تساوي شيئاً، ولذلك لما قيل لأهل الدنيا: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:113]، فإذا كان عمره خمسين سنة، أو مائة سنة وقارنه بيوم قدره خمسون ألف سنة، فإن عمره كله لا يساوي يوماً من أيام الآخرة، قال تعالى: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] فهل ستضيع الخلود في الجنة بسبب يوم في الدنيا تحسبه يوماً طويلاً جداً، وهو عبارة عن أيام وليال وسنون قليلة تضيع في النهاية، وتذهب وتتساقط كأوراق الشجر وتذهب إلى ربك سبحانه لتقول: لبثنا يوماً؟ قال تعالى: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:104] ويقولون: أو بعض يوم.

    إذاً: المؤمن إذا أعطاه الله عز وجل من الدنيا عرف حق الله، وإذا منعه الله سبحانه فليحسن الظن بالله سبحانه أنه لا يمنعه إلا لمصلحة وراء ذلك لهذا العبد أن ينجيه من العذاب ويدخله جنته، ويمنع عنه الفتن في الدنيا، فإن رحمة الله عظيمة واسعة، قال تعالى: إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27].

    طمع الإنسان في طلب الدنيا وجمع ما فيها

    ذكرنا أن الإنسان لو فتحت له الدنيا لطلب وطلب أكثر، ولا يشبع أبداً من الدنيا، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، فطالب العلم لا يشبع أبداً، كلما ازداد علماً كلما ازداد علماً بجهله، فيطلب أكثر وأكثر ويتعلم أكثر، وكلما ازداد علماً كلما ازداد تواضعاً، وازداد إحساناً وإحساساً بأنه يجهل الكثير.

    وطالب الدنيا كلما فتحت له الدنيا لم يشبع، يشيب ابن آدم ويشب معه اثنان: حب المال، وطول العمر، فطالب الدنيا يريد أن يعيش في الدنيا، ويريد أن يطول عمره، وكلما كبر في السن كلما ازداد حرصاً على البقاء وحرصاً على الدنيا، والصغير كلما ازداد في السن كلما ازداد إرادة للعودة إلى الدنيا، إلا من رحمه الله سبحانه وتعالى.

    التحذير من الدنيا والاغترار بها

    والله سبحانه يحذرنا من هذه الدنيا، قال تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، أي: متاع يستمتع به المغرور، فتراه يستمتع بقوته، وتأتي عليه حالة المرض والضعف، ويستمتع بغناه وتأتي عليه حالات الضياع والفقر فيضيع غناه، ويستمتع بجماله ويأتي عليه الكبر والسن فيذهب الجمال، فهو يستمتع بالغرور لحظات ويضيع بعد ذلك ما استمتع به، فالحياة الدنيا زخرف وزينة، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه مرة ليريهم هذه الدنيا، أخذهم إلى مزبلة، أي: قمامة لقوم، وقال: هذه الدنيا، هذا ملحهم وهذا لحمهم، وهذا طعامهم، فالدنيا تتبهرج للإنسان وتتزين له، ويظن أنه حصَّلها، فإذا بها تسحب منه أو يسحب هو منها، هذه هي الدنيا، فإياك أن تفتنك مهما كان لك فيها من شيء، وإياك أن تطلب فوق ما يكفيك، وإذا أخذت ما يكفيك فاحمد الله، فإذا طلبت أكثر من ذلك فقد تطلبه من وجه حرام، فتضيع به.

    وقد عرفنا حديث حكيم بن حزام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة، ومرتين وثلاثاً، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوقفه ويذكره صلوات الله وسلامه عليه، ويقول له: (يا حكيم! يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاء نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع).

    فالإنسان الذي يطلب ويقول دائماً: هات هات، ويمد يده وينهم عليها لن يستفيد منها بشيء، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى له ثالثاً، وفي النهاية لا يملأ جوفه إلا التراب، يموت وينزل قبره والتراب هو الذي سيملأ جسده وعينه، وفهم ذلك حكيم بن حزام رضي الله عنه، وكان من أشراف العرب رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقال: (فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا) أي: لقد علمتني، فمن الآن حتى أموت لن أسأل أحداً شيئاً، وأنا سألتك أنت ولا أسأل أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، قال ذلك ووفى رضي الله تعالى عنه، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً إلى العطاء، إذ كان يجعل العطاء للناس من الفيء ومن المغانم، فيأتي بـحكيم بن حزام ويقول: خذ حقك الذي حصلت عليه من الجهاد وحقك في الفيء وفي الغنيمة، فيقول: لا، ويأبى أن يقبله، ومات أبو بكر وجاء عمر رضي الله عنهما، فكان عمر رضي الله عنه يدعو حكيماً ليعطيه فيأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر رضي الله عنه للمسلمين: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. رضي الله عنه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، ولم يأخذ من إنسان شيئاً، ولم يطلب من أحد شيئاً حتى حقه الذي هو له في بيت المال كان يرفض ويأبى أن يقبله رضي الله عنه؛ لأنه عاهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

    حكيم فعل ذلك وكثيرون فعلوا مثلما فعل حكيم ، فكانوا لا يسألون أحداً شيئاً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على ألا يسألوا أحداً شيئاً، فكان أحدهم تقع عصاه وهو راكب على جمله فينيخ الجمل وهو راكب فوقه وأمامه أناس لو طلب منهم أن يعطوه العصا لأعطوه، فإذا سألوه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا أسأل أحداً شيئاً، هذه هي بيعتهم، فقد بايعهم على أن يكونوا شرفاء في أنفسهم ولا يطلبون من أحد شيئاً، وبايعهم على أن ينزهوا أنفسهم عن مطامع الدنيا ولا يسألون أحداً من هذه الدنيا طالما أنهم يقدرون عليها، فكانوا على ذلك حين فتحوا الفتوح ولم ينبهروا، فتحوا ديار كسرى وديار قيصر ورأوا الذهب والمجوهرات، ورأوا ما فيها من أشياء فلم ينبهروا بها، ولم يمد أحد يده على شيء يأخذه لنفسه، وإنما يرجع كله للأمير ليقسم بين الناس المغانم والفيء بحق الله سبحانه الذي جعله لهم.

    ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن)، وتعجب لهذا الشيء؛ إذ خاف على الناس من القرآن وخاف على الناس من اللبن، قال النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً ذلك: (أما اللبن فيبتغون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات)، فهذا رجل عنده إبل وعنده بقر، فيأخذ إبله أو بقره فيرعاها بعيداً ويخرج من المدينة، فإذا جاء وقت الصلاة تركها، أو يصليها خارج المدينة، فتراه لا يريد أن يبتعد أكثر عن العشب، وتراه يخاف على بقره وعلى إبله، فيخرج ويبعد عن المدينة شيئاً فشيئاً حتى يترك الصلوات الخمس من أجل أن تدر إبله أو بقره اللبن، وبذلك يحافظ على إدرارها للبن فلا تضمر ضروعها، فيترك الصلوات حتى لا يصلي إلا الجمعة فقط، ثم بعد ذلك يترك الجمعة والجماعة، ولذلك قال لهم: أخاف عليكم اللبن، وليس كل الناس عندهم لبن، وليس كل الناس عندهم بقر، إنما هذا مثال يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: الشيء الذي سيشغلك عن صلواتك احذر منه.

    فمن الناس من يقول يوم الجمعة: سأصلي الجمعة في مسجد كذا، فترى كل واحد يوسوس للآخر فيقول: هيا نصطاد وهو يوم جمعة، فيخرج ليصطاد، ويستحلي الصيد في النهار، فيبعد عن المسجد ويقترب من شاطئ البحر ويدخل ليصطاد فيضيع صلاة الجمعة، وهكذا كل يوم جمعة يضيع الجمعة، وهذا هو الذي خاف منه النبي صلى الله عليه وسلم عليكم، وهكذا كلما اغتر الإنسان بشيء من حطام الدنيا منى نفسه بما شاء فيضيع الصلوات، ويضيع الجماعة والجمعة، ونسي الإنسان نفسه بعدما كان مواظباً على الصلوات، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخاف عليكم اللبن، وقس على ذلك غيره.

    قال: (والقرآن)، أي: أخاف على أمتي القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: (يتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين).

    يتعلم المنافق القرآن، كما ينزل المطر على أرض خصبة فتنبت نباتاً حسناً، وإذا نزل المطر على أرض غير طيبة أنبتت نباتاً غير طيب، والقرآن مطر ورحمة من الله عز وجل ينزل على الجميع، فالإنسان الذي نفسه طيبة ينتفع بهذا القرآن، ويخاف الله سبحانه، والإنسان الذي نفسه خبيثة لا يخاف الله فيتعلم القرآن ليجادل به، فكان يخاف النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين من جدال المنافقين، يخاف عليهم أن يقال فيهم: فلان شيخ، وهذا الشيخ يفتي بأن البنوك حلال، ولذلك ضاق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ممن يتأول القرآن، فتراه يتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي صرح فيه بمنع بناء المساجد على القبور، يقول صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه، فيتعلم الإنسان القرآن ويتعلم شيئاً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يدخل في الشرك بالله سبحانه.

    فتراه يقول ببناء المسجد على القبر، ويقول: ليس في ذلك شيء، بل يتطاول أحدهم ويقول: هذه سنة، وأنتم تميتون السنة أماتكم الله، ونحن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن مسجداً على قبر في حياته، وأما قولك: قياساً على المسجد النبوي، فالنبي لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم، ولم يجرؤ أحد من المسلمين أن يرفع مقام النبي صلى الله عليه وسلم أو يرفع جسده صلى الله عليه وسلم من قبره ليذهب به إلى مكان آخر، وهو الذي أخبر أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن حيث مات صلى الله عليه وسلم، وحين وسع الصحابة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أخذوا يتحرون أن يتسع المسجد بعيداً عن قبره صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى عهد الصحابة وجاء من جاء بعدهم فوسع المسجد وأدخل فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هناك أحد يصلي إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه بحيث يكون خلف قبره صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: قبره صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليه غيره، فقد حذر أن يتخذ قبره وثناً يعبد صلوات الله وسلامه عليه، كما كان أهل الجاهلية يفعلون عند الأصنام وعند التماثيل، فعندما يأتي إنسان ويتعلم من القرآن ويقول: يا أخي! قال الله في أهل الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، فنقول له: هذا شرع من قبلنا، ولا يكون شرعاً لنا، فإن شرعنا شرع مخصوص جاء إلينا ليعم الأمة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، ونسخ ما قبله من الشرائع، فكل ما كان قبلنا منسوخ بشرعنا، وكذلك هل في الآية أن المؤمنين فعلوا ذلك؟ ومن الذي قال ذلك؟ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ [الكهف:21]، فولاة الأمور هم الذين قالوا هذا الشيء، وهل ولاة الأمور في كل عصر كانوا على علم بالسنة أو على علم بالقرآن؟

    إذاً الذي فعل هم الذين غلبوا على أمرهم، فإن كانوا مؤمنين فهذا شرع من قبلنا وليس شرعاً لنا، إنما شرعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول محذراً من ذلك: وهو في آخر حياته، وهو صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا أني أحذركم من ذلك)، فيجيء الإنسان ويقول: لا، إنما يقصد ألا تذهب وتسجد له، وهل كان هناك سجود لأحد بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقول: إن معاذ بن جبل ذهب إلى الشام ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، فأول ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد على الأرض قدام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما هذا يا معاذ ؟ فقال: يا رسول الله! وجدتهم يفعلون ذلك لكبرائهم وأنت أولى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، من عظيم حقه عليها، ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأخبره أنه لا يجوز في شرعنا أن يسجد أحد لأحد، فهل بعد ذلك نقول: إنه ينهى أن تتخذ القبور مساجد أي: أن يسجد للقبر؟ وإذا كان لا يسجد لإنسان فهل يسجد للقبر ولعظام إنسان متوفى! هذا بعيد عن العقل، والذي يقول ذلك يأخذ كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويحقق هواه هو، ويلغي كل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، ويقول لك: إن معنى (لا تتخذوا القبور مساجد) أي: أن يسجد لها، فجعلوا القبور داخل المساجد من السنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو الذي كان يخافه النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم ينكر على غيرهم ويقول: تعلموا القرآن أو تعلموا العلم في أسبوعين، فتراه يكذب صراحاً، إذ يقول لهم ذلك ويحلف وهو يحفظ القرآن، ويحلف أنه يتعلم القراءات السبع والقراءات العشر، وعلى ذلك إجازات من مشايخ الأزهر أنفسهم، والذي يتعلم السنة والذي يشرح الكتب السبعة والذي يشرح التفاسير يقول: كل هؤلاء يتعلمونه في أسبوعين اثنين، لماذا يكذب وهو شيخ؟ أين ذهب عقل هذا الإنسان حين يفتري على الناس ويقول ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخاف على أمتي القرآن)، إذ يفتح الله القرآن على إنسان، فإذا بقلبه يتغير، وإذا به يكذب ليؤيد مذهبه، فهناك من يكذب ويقول: أبو بصير لما توفي أقام عليه أبو جندل مسجداً على مكانه، رواه موسى بن عقبة في مغازيه بالإسناد الصحيح، فأخذنا نبحث عن صحة هذا الإسناد الذي زعمه، فلم نجد له إسناداً يصل إليه إلا أن موسى بن عقبة يروي عن الزهري أنه قال ذلك، وبين الزهري والنبي صلى الله عليه وسلم اثنان، فكيف يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ويدعي هذا الإسناد، وهو إسناد سقط منه اثنان، فهو إسناد معضل من درجات الضعيف، وفيه: قال: هناك شخص فعل ذلك، وإن كان فعل ذلك، فهذا في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، وأبو جندل وأبو بصير هاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد قومهما أن يأخذوهما في وقت كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم معاهدة أنهم يردون من جاء إليهم في الحديبية سنة ست، ولكن الذي نتكلم عنه الآن هو في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم، في سنة إحدى عشرة، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض يحذر الناس أن يتخذوا القبور مساجد.

    فحينما تذكر شيئاً في سنة ست لو كان صحيحاً لكان منسوخاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا لم يصح أصلاً؟

    ولذلك خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يكذب من يحفظ القرآن، فيروي عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذب ثم يصححه ويقول: هذا إسناد صحيح! ولن تجد له إسناداً متصلاً للنبي صلى الله عليه وسلم أو لـأبي جندل وأبي بصير ، مستحيل أن تجد له ذلك، والإمام الذهبي حين يذكر ذلك في سير أعلام النبلاء يذكره عن الزهري فقط، ولا يتجاوز الزهري أو يروي ذلك عمن هو فوقه من الإسناد، فهل يحكم عليه بالصحة أو بالضعف؟ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن)، يعني: العلم الشرعي حين يتعلمه الإنسان فيتبع هواه، ويتعلم العلم ليجادل به، كذلك المهنة التي تلهي الإنسان عن دين الله سبحانه وتعالى؛ كأن يكون مثلاً في كل يوم جمعة يصطاد، ويستمر السنة والسنتين والثلاث وهو على هذا الوضع لا يصلي جمعة، وكل جمعة يقول: أنا مسافر، أنا مسافر، فهذا يضيع على نفسه الخير العظيم، إن صلاة الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما وزيادة ثلاثة أيام لمن توضأ وتطهر في بيته وذهب إلى بيت الله، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، فأتى بيت الله فصلى ما كتب له حتى خرج الإمام فجلس فاستمع فأنصت ولم يلغ إلا كتب له بكل خطوة أجر سنة قيامها وصيامها).

    كل هذا الفضل في مجيئك لصلاة الجمعة، وذلك إذا تطهرت في بيتك واغتسلت وتوضأت وخرجت إلى بيت الله ماشياً مبكراً، وجلست لتنتظر خطبة الجمعة ولتتعظ، كل خطوة في الطريق لك أجر سنة قيامها وصيامها، فلا يفرط في هذه الصلوات إلا إنسان قد ذهب عقله، فلا تضيع على نفسك هذا الخير العظيم الذي جعله الله عز وجل في صلاة الجمعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا...)

    قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى:28]، (ينزل) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب : ( وهو الذي يُنْزِلَ ) وقراءة باقي القراء بالتثقيل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ)، و(الغيث): المطر العظيم الذي يغيث الله به العباد، يخرجهم من ضنك وضيق وقحل ومحل إلى نعمة وخصب، وإلى إخراج ما أنزل الله عز وجل عليه المطر من ثمرات، ومن نبات أغاثه الله سبحانه.

    ويستحيل أن يقدر مخلوق من مخلوقات الله عز وجل أن يأتي بالمطر أو بالغيث إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى:27]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ [الشورى:28]، فينزل الغيث الذي يغيث، فقد تأتي سحابة في السماء وتنزل مطراً قليلاً لا ينبت شيئاً، ولا يكون من ورائه شيء، فهذا مطر، والإنسان يحاول فقد حاولوا في أمريكا وفي اليابان وغيرها أن ينزلوا مطراً، وهم يعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينزل الغيث، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    فإنزال الغيث ليس للناس فيه شيء، وإنما الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فقد حاولوا أن ينظروا كيف ينزل هذا المطر، فعرفوا أن ذرات التراب يتجمع عليها بخار الماء حتى يتكثف ويتثاقل عليها، ثم يكون هناك ثقل بزيادة معلومة، فحاولوا أن يثقلوا هذه السحابة بشيء حتى تعمل وتنزل علينا المطر، وفعلوا ذلك ونزل عليهم مطر على شكل رذاذ، لكن ليس هو الذي خلق السحاب، ولا هو الذي كثف الماء في السحاب، ولا هو الذي أعطاها وقتها للإنزال، السحابة وصلت درجة امتلأت فيها وانتظرت إذن الله سبحانه وتعالى، فجاءت الأسباب وثقلت فنزل المطر حيث يشاء الله سبحانه، فما الذي يصنعونه هم؟

    لقد حاولوا خلق الجنين في المرأة الحامل، والله عز وجل هو الذي خلق الجنين، وهو الذي كونه، وأوجده، قال تعالى: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:50]، فإذا جاء وقت الجنين وهم منتظرون الشهر التاسع وتعسرت المرأة في الولادة قالوا: سنفتح بطنها، أنتم أخذتم بسبب من الأسباب فقط، فلا أنتم الذين خلقتم الجنين، ولا أنتم الذين أوجدتموه، بل الله هو الذي أوجد كل شيء، ولذلك أرادوا عمل شيء مكلف جداً، وهو البحث عن سحابة وتفجيرها بصاروخ، ومن الممكن أن ينزل المطر وقد لا ينزل، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ [لقمان:34]، وحده سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34].

    فعلم إنزال الغيث متى ينزل؟ وكيف ينزل؟ وعلى من ينزل؟ وكيف يقسم؟ الله عز وجل وحده عنده علم ذلك، وهي آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا [الشورى:28]، قد يقنط الإنسان من الرحمة، ويصاب باليأس إذا لم يكن هناك مطر، وانظر إلى البلاد التي إذا منع الله عز وجل عنها المطر كيف يصنعون؟

    هناك بلد قريب منا جداً في جنوب الغرب منا وهي النيجر، تعيش هذه الأيام في مجاعة شديدة جداً، إذ منع الله عز وجل عنهم المطر سنة واحدة، فلم تثمر الحقول شيئاً، فإذا بهم يبحثون عن الطعام ويموت الكثير منهم جوعاً، ويحدث لهم هزال شديد جداً، وتفشى المرض فيهم، فأخذوا يبحثون عن الطعام في جحور النمل، يبحثون عن مكان تجمع النمل ليأخذوا الحبوب، نسأل الله أن يفرج عن عباده الهموم ويرفع عن عباده البلاء، ونسأله عز وجل أن يرفع عن المسلمين في كل مكان مقته وغضبه سبحانه، وأن يسقيهم من فضله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا)، إن بلادنا هذه حينما تقرأ في التاريخ أتى عليها زمان لم يجدوا ما يأكلون فيه، وقد ذكر الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام وغيره أن حفنة من القمح كانت تباع بمثلها من الذهب، من المجاعة الشديدة في ذلك التاريخ، قال: حتى أكل الناس كل شيء وأكل بعضهم بعضاً، كانوا يحملون الميت ويذهبون به إلى المقابر وقبل أن يصل إلى المقابر يكون الناس قد أخذوه وأكلوه، وفي الشام حدث ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فالله على كل شيء قدير، ونحمد الله سبحانه على فضله، ونحمده على رحمته، ونحمده على ما ينزل علينا من بركات من طعام ومن شراب، فقد رأينا مثل هذه الأشياء، ونسأل الله عز وجل أن يرفع عن المسلمين ما هم فيه.

    قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ)، ورحمة الله عز وجل صورها عظيمة وكثيرة، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، فينشر المطر وينزل برحمة الله عز وجل على البلاد، فيخرج بها ما يشاء الله عز وجل من ثمرات ونبات، ومما يستفيد منه الخلق، ينشر رحمته ويبثها في كل مكان.

    قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ)، يختم الله الآية باسم من أسمائه الحسنى سبحانه (الولي) أي: مولاك، الذي يتولى أمرك، ويدبر أمورك، فتوكل على الله سبحانه فهو وليك، قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وانظر لجمال أسمائه الحسنى وكيف يختم بها سبحانه وتعالى الآيات، يقول لك: لا تخف أنا ربك، أنا أتولى أمرك، أنا أدبر لك ما تحتاج إليه، وأشدد عليك لترجع إلي ولتدعوني، فأنا أفعل بك الخير وأصرف أمورك، وأكون وكيلك، فالله هو الولي الحميد سبحانه وتعالى، وهو المحمود وإن لم تحمده أنت، وإن لم يحمده خلقه، فالله الحميد المستحق لذلك، أنزل على العباد من نعمه، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] وإن كفروا وجحدوا النعمة فإن الله يقول: وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، ويصبر ويحلم عن عباده.

    فهو الحميد الذي يحمد نفسه، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1]، وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر:1]، وقال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2].

    فالله سبحانه هو الولي الذي يتولى أمر عباده ويغيثهم سبحانه وتعالى وينجيهم، قال تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأنعام:63]، فإذا أنزل عليكم الغيث فاحمدوا الله واشكروه على نعمه سبحانه، فإذا فعلتم زادكم من فضله سبحانه، وإن لم تفعلوا فاحذروا من عذاب الله، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.