إسلام ويب

تفسير سورة الشورى الآية [27]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل في حال الناس يجد فيهم الغني والفقير، والموسع عليه ومن قدر عليه رزقه، فيقف عقله حائراً أن يجد لذلك تفسيراً؛ إذ كل الناس على هيئة وخلقة واحدة، لكن لما كان الله تعالى يسمى بالحكيم ويتصف بالحكمة كشف لنا في هذه الآية سبب ما نراه من تفاوت في الرزق ولماذا لا يكون كل الناس أغنياء؟ فبين الله أنه لو بسط الرزق للعباد لكان ذلك سبباً في بغيهم في الأرض وطغيانهم وعدوانهم على بعضهم، لكن الحكيم الخبير يعلم ما يصلحهم فينزل الرزق بقدر ينتفي معه طغيانهم وفسادهم جميعاً في الأرض، وذلك مقتضى حكمته وخبرته جل وعلا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل:

    وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27].

    يخبرنا الله عز وجل بفضله وبرحمته وبعلمه وبقدرته أنه يحكم في خلقه بما يشاء، ويقدر لهم أرزاقهم بالنحو الذي تجري به حكمته وعلمه، فلو أنه بسط للعباد جميعهم ووسع عليهم لبغوا في الأرض، ولو أنه ضيق على الجميع لقنطوا من رحمة الله تعالى، ولكن يبسط الرزق فيفتح لمن يشاء ويقدر ويقبض ويضيق على من يشاء، وكل ذلك بعلمه وبقدرته وبحكمته سبحانه وتعالى.

    فالله يخبرنا أنه لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض، والبغي هو الطغيان، وهو أشد الظلم.

    والبغي أن الإنسان يطلب ما عند غيره لنفسه قهراً وظلماً وعدواناً، فلو أن الله عز وجل بسط الرزق لعباده جميعهم لكانوا كلهم أغنياء وما احتاج أحد إلى أحد.

    وإذا لم يستشعر الإنسان حاجته إلى جاره كانت العداوة والبغضاء، وكان كل منهما يريد أن يأخذ ما عند الآخر.

    لكن الله عز وجل يحوج العباد بعضهم إلى بعض؛ ليتعطافوا فيما بينهم، ولتكون بينهم المودة والرحمة، والحاجة والانتفاع.

    فلله سبحانه حكمة في أن ضيق على فلان، ووسع على فلان؛ ولذلك الذي يعطيه الله شيئاً فليرض بما قسمه الله، سواء كان هذا الشيء قليلاً، أو كان كثيراً.

    فالله لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل سبحانه وتعالى بقدر ما يشاء، فالرزق نازل من السماء، وخزائن الله عز وجل ملأى يعطي لعباده بقدر، فيعطي هذا ويضيق على هذا لحكمة منه ولقضاء وقدر حكيم من الرب جل وعلا، فأنت تدعو ربك: يا رب، يا رب! فيصعد الدعاء وينزل الرزق من السماء.

    فالله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يسأله، فلعله ضيق عليك لتقول: يا رب، يا رب! وترفع يديك إلى الله عز وجل، فيصعد صوتك إلى السماء، فيجيبك الله عز وجل، ويجازيك وينزل عليك الرزق سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يستجاب له وقت البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء).

    فصوتك مسموع في السماء في وقت الرخاء تدعو ربك، وتشكره، وتثني عليه سبحانه؛ فعندما يضيق بك الأمر تجد ما عند الله عز وجل من فرج قريباً جداً من حيث لا تحتسب، قال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    فالمؤمن يتقي الله سبحانه، ويتقي أن يغير الله عليه، ويتقي معاصي الله، فإذا ضيق الله عز وجل عليه فهو راض في نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقنع بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فبقناعتك بما أعطاك الله سبحانه تكن غنياً، ويجعل الله عز وجل في قلبك الإيمان والحب له سبحانه. والقناعة أفضل من المال، وكم من إنسان يؤتيه الله عز وجل المال وإذا به يطمع في غير الذي أعطاه الله سبحانه، وإذا به مع كثرة ما أعطاه الله سبحانه يبغي في الأرض، قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ أي: لظلم بعضهم بعضاً، ونعرف ذلك من قوله سبحانه: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] فالإنسان وقتما هو فقير محتاج يقول: يا رب يا رب! ويظهر التعاون مع الناس والحب لهم والرحمة، وعندما يغنيه الله سبحانه إذا به يبطر نعمة الله، ويكون مع ربه كالعبد اللئيم مع سيده، فيعصي ربه سبحانه، ولا يطيع أمره ولا يعمل بما قاله الله سبحانه، وطغيانه عندما يرى نفسه استغنى، ويشعر أنه غني، ويترك الدعاء ويطغى على خلق الله، ويبغي في الأرض فساداً، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].

    وانظر في المقابل إلى هذا الإنسان الذي ذكره الله فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [البقرة:207]، فعلينا أن نكون كهذا الثاني الذي يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، فالله اشترى منك نفسك واشترى منك مالك وأعطاك عوض ذلك الجنة، فقبل منك البيع وأعطاك العوض ورد عليك الثمن أيضاً.

    فانظر إلى فضل ربنا الكريم، طلبت منه الجنة ودفعت نفسك ودفعت مالك فقبلك، وأعطاك الجنة، وأعطاك نفسك، قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فهم أحياء عند ربهم، قدموا أنفسهم لأجل الجنة، ودفعوا الثمن أموالهم، فإذا بالله يعطيهم الجنة التي أرادوها ويرد عليهم أرواحهم ليكونوا أحياء وغيرهم أموات في البرزخ.

    أما الذي يبيع نفسه للشيطان، ولا يقدم لله عز وجل شيئاً إلا الكلام كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:204]، وكما قال الشاعر:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب

    فقد كان المنافقون إذا أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلموا كلاماً جميلاً عن الإسلام، فإذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا بهم يكفرون بالله، ويجدون جمالاً فأخذوها وسرقوها، ووجدوا قبيلة بينهم وبينهم نزاع فأحرقوا أموالهم، فأنزل الله عز وجل يفضحهم بهذه الآية.

    وقوله تعالى: وَإِذَا تَوَلَّى [البقرة:205] تولى: لها معنيان: تولى بمعنى أدبر، أي: رجع عما قال وأفسد في الأرض. أو تولى بمعنى: أصابته ولاية، فصار والياً وحاكماً، وله مركز عند الناس، فنسي ما كان يقول، كان يتكلم عن صلة الرحم فنسي ذلك.

    وإذا قيل لأمثال هؤلاء: اتقوا الله، تأخذهم العزة بالإثم، ويقول لك: أنت تعلمني! ويغضب وينفر منك.

    كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل لأحدهم: اتق الله، يقول: سمعنا وأطعنا، يخشع لله تبارك وتعالى، لكن بعض الناس إذا قيل له: اتق الله، يقول: أنت تراني مجنوناً حتى تقول لي: اتق الله!

    وقد تقول لإنسان: هداك الله، فيقول لك: تراني ضالاً حتى تقول لي: هداك الله! يريد أن ينفذ ما يمليه عليه هواه.

    وهذا الإنسان الذي يسير وراء هواه، آخر أمره أنه باغ في الأرض، وأنه بغيض إلى الله عز وجل، والله لا يحب المفسدين.

    فمثل هؤلاء يقول الله سبحانه فيهم: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشورى:27] أي: لصاروا بغاة ظالمين، يظلم بعضهم بعضاً.

    وقد جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه أخبر عن طمع ابن آدم فقال: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى له ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)، فلو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى له ثانياً، ولو كان له واديان لتمنى ثالثاً ولا يقنع.

    وعندما يتفكر الإنسان في ذلك لو كان الوادي مليئاً بالذهب ماذا سيعمل به؟ ومتى سينفقه؟! لكن طمع الإنسان يجعله يتمنى أن يعيش كثيراً طالما أنه يوجد مال كثير وينسى ربه سبحانه وتعالى، لكن التراب الذي خلق منه هو الذي سيملأ جوفه لا الذهب ولا الفضة، ومن تاب من الشره والطمع ومن المعاصي والبغي والإفساد في الأرض، ومن الحسد للخلق؛ فإن الله يتوب عليه.

    رزق الله تعالى لعباده بقدر

    قال تعالى: وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ [الشورى:27]، وقال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فالرزق قضاء وتقدير من الله سبحانه ينزل بحساب منه، هذا يستحق كذا، وذاك يستحق كذا، والأرض الفلانية تستحق المطر؛ لأن أهلها يستحقون، والأرض الفلانية لا تستحق؛ لأن أهلها لا يستحقون، والأرض الفلانية لا تستحق، لكن سينزل عليها المطر من أجل أن فيها بهائم، وفيها من خلق الله من يحتاج إلى ذلك أما أهلها فلا يستحقون.. وهكذا.

    وقد جاء في الحديث في صحيح مسلم : (أن رجلاً كان يمر في صحراء إذ سمع صوتاً من السماء يقول: اسق حديقة فلان، فصار وراء السحابة، فسقت الحديقة، فإذا بالرجل ينادي صاحب الحديقة: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: ولم؟ فقال: أخبرني ما اسمك، فأخبره ثم قال: لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت منادياً ينادي من السحاب: اسق حديقة فلان، فأخبرني ما الذي تصنعه؟ قال: أما إذ أخبرتني عن ذلك فإني إذا جمعت ثمار هذه الحديقة فآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه، وأتصدق بثلثه).

    فقد جعل لله حظاً في ماله مقداره ثلث المال، وإذا كان العبد يفعل ذلك فانظر كيف يصنع الله به ويعطيه من فضله هذا الخير وهذه البركة.

    وقد ذكر الله تعالى أصحاب حديقة آخرين وهم أصحاب الجنة، كان أبوهم رجلاً صالحاً وكان يعطي الفقراء والمساكين ويتصدق، فلما توفي أبوهم قال الأبناء: إن أبانا كان مبذراً، وكان سفيهاً، كان ينفق المال ويعطي الفقراء، وأي حظ للفقراء في هذه الحديقة؟ وقد ذكرنا أن الإنسان قد يعطيه الله عز وجل فيطغى، وهؤلاء وجدوا الحديقة فيها ثمار كثيرة جداً، والفقراء يشاركونهم فيها، فقال الله عنهم: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:17-18]، فحلفوا أن يحصدوها في الصباح فإذا جاء الفقراء وقت الظهر لا يجدون شيئاً.

    ولم يستثنوا ولم يقولوا: إن شاء الله نصنع كذا، لكن أقسموا وهم قادرون، قال تعالى: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ [القلم:25]، (على حرد) أي: على انفراد عن الفقراء، وهم في أنفسهم يظنون أنهم قادرون على ذلك.

    قال تعالى: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:19-20]، حصدت قبل أن يحصدوها، وأخذها الله قبل أن يأخذوها، وأرادوا حرمان الفقراء فحرمهم الله، قال تعالى واصفاً حالهم: فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:23-26]، تائهون، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:27-28]، أي: أما قلت لكم: إياكم وهذا العمل السيئ، نزهوا ربكم سبحانه أن تتعاملوا معه معاملة اللئام، ألم أحذركم من ذلك؟ تذكروا: قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ [القلم:29-30]، كل واحد يقول للآخر: أنت السبب، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31]، أي: قد طغينا أن وجدنا هذا الرزق العظيم فأحببنا الانفراد به، وظننا أنه من كدنا ومن تعبنا، ولمنا أبانا الذي توفي على ما كان ينفقه على الفقراء، فأصبحنا نحن الملومين وصرنا نحن والفقراء سواء.

    فحرمهم الله عز وجل بسوء صنيعهم، وليس كل النفوس واحدة، فليس كل النفوس تشكر الله سبحانه وتعالى، وتخرج لله سبحانه وتعالى طمعاً فيما عند الله، إنما الغالب في الإنسان الشح والبخل بما أعطاه الله، ولا يعطي الحقوق لأصحابها.

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا

    وفي قوله تعالى: وَلَكِنْ يُنَزِّلُ، قراءتان: قراءة الجمهور (ولكن ينزِّل)، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب : وَلَكِنْ يُنَزِلُ.

    قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا، أي: طمع بعضهم في بعض، أفراداً وجماعات ودولاً، ويبغي بعضهم على بعض، ولكن الله يقدر ما يشاء وينزل بقدر ما يشاء سبحانه وتعالى.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها)، وكان ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حديث في الصحيحين.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)، أي: أما وأنتم فقراء فلست خائفاً عليكم، إنما أخاف عليكم عندما تصبحون أغنياء (فقال رجل: يا رسول الله! أويأتي الخير بالشر؟)، يعني: الخير الذي هو فتح الدنيا، وما يرزقنا ربنا وينزل علينا من بركات من السماء ويفتح لنا الأرض، هل هذا الخير سيأتي بعده شر؟ (فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل للرجل: ما شأنك تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ قال: فرأينا أنه ينزل عليه)، أي: جاء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فمسح عنه الرحضاء؛ لأنه لما كان ينزل عليه جبريل بالوحي من السماء كان يكون عليه ثقيلاً، كما قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، ويكون في اليوم المطير يتصبب عرقاً كأنه في يوم شديد الحر صلوات الله وسلامه عليه. (ثم مسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل؟ وكأنه حمده على أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر)، أي: فالعادة أن الخير تبعه الخير، لا الشر، فالمال نعمة من نعم الله تعالى لكن إذا كان في نفس الإنسان الطمع فهنا يأتي إليه الشر.

    ويضرب لنا هذا المثل صلوات الله وسلامه عليه فيقول: (وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم)، وفي رواية: (إنه كل ما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر)، والمعنى أنه عندما ينزل المطر يكون في الأرض جداول الماء، فينبت نبات كثير، وتأتي البهائم والمواشي والأغنام فتأكل كثيراً إلى أن يقوم الراعي بالانصراف بها، ولعل بعضها يأكل حتى يقتل حبطاً، والحبط: الانتفاخ، فإذا انتفخت ولم تخرج فضلاتها ماتت إلا أن يدركها صاحبها.

    وكذلك الإنسان في الدنيا يأكل المال، ولا يخرج زكاة ولا يعطي الفقراء ولا المساكين ولا يصل الرحم، إنما يجمع ويجمع ثم يحرس هذا المال، ويأكل إلى أن ينتفخ، فتجده غنياً عنده ملايين كثيرة ثم يصاب بالأمراض الكثيرة، يريد أكل اللحم كل يوم فيؤدبه الله بمرض النقرس المسمى داء الملوك، فيمنعه الطبيب من أكله، عندها يريد أن يأكل كل شيء، وفي آخر حياته يندم.

    سمعت أحد الممثلين وكان مليونيراً يقول: إنه يتمنى أن يأكل مثلما يأكل الناس فلا يقدر، بل يقدم ما يشتهيه من الطعام للناس يأكلونه أمامه وهو محروم.

    يقول: ليت الملايين التي عندي تذهب وترجع لي صحتي، ولو أعرف أن شيئاً يرجع لي ذلك لأنفقت فيه كل مالي.

    ونحن نقول: أما كان ذلك من أول شيء أن تعتدل في حياتك، وتطيع الله سبحانه وتعالى، ولا تعصي ربك سبحانه وتعالى، لأن الله يؤدب العباد.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت)، يعني: أن البقرة أكلت شبعها ثم استقبلت الشمس وعرقت وثلطت وبالت وانتفعت بهذا الذي أكلته.

    ثم يعقب على هذه الصورة وعلى هذا المثل فيقول صلى الله عليه وسلم: (وإن هذا المال خضرة حلوة) أي: إن هذا المال هو كالنبات الذي للبهائم، فهو طعام وزرق إن استخدمه الإنسان استخداماً صحيحاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه، فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين، ومن لم يأخذه بحقه فهو كالآكل الذي لا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) أي: يكون شهيداً يوم القيامة على الذي يأخذه من غير حق، كأن يسرقه أو يحسد غيره ويتمنى زوال النعمة لتصير له، فيسعى في ذلك، ويبغي بغياً وظلماً وطغياناً وعدواناً.

    فيأخذ هذا المال من غير حقه، وينفقه في غير حله، فيكون كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة.

    فإذا ضيق الله عز وجل على إنسان فليحمد الله سبحانه، وليطلب من الله، وليرض بما قسم الله له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فإذا رضيت وقنعت فترضى عن الله سبحانه وتكون أغنى الناس بهذه القناعة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقنعوا، وأن يرضوا بما أعطاهم الله سبحانه.

    قصة حكيم بن حزام رضي الله عنه عند سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم مالاً

    وهنا قصة لـ حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، إذ كان سيداً من سادات العرب، أسلم متأخراً وذهب إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه ثم قال: (أعطني يا رسول الله، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع ثانية فقال: أعطني يا رسول الله! أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء ثالثة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى).

    أي: أن هذا المال مثل البقل الذي ينبت في الأرض، فتأكله المواشي، فالماشية تستحلي هذا الذي ينبت الربيع، وكذلك الإنسان يستحلي هذا المال، قال: (فمن أخذه بسخاوة نفس) جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما آتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه)، كما لو أن إنساناً أعطته الدولة جائزة فيأخذها، وكذلك لو أن إنساناً قال: سأعطيك هذا الشيء هدية، فاقبل طالما أنك لم تستشرف لها ولم تطلبها وهي من حلال، فخذها يبارك لك في ذلك، لكن لو أن الإنسان يقول: أنا أريد أكل كذا، أو أريد المال الفلاني، أو أريد فلاناً يهدي لي هدية، أو أريد هدية على لا شيء قدمته له، فهذا طالب مال من غير أن يبذل له منه شيء، فيقول لك: لا تطلب المال بهذه الصورة، لكن لو أتاك من غير مسألة ولا إشراف نفس فاقبله، وسيبارك لك فيه.

    وإذا كان الإنسان لحوحاً كثير المسألة يطلب المال من غير وجه حق لا يبارك له فيه، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه) فنفسه سخية، ليس طماعاً، ولا مستشرفاً، ثم يأخذ هذا المال ويصل به رحمه أو يدفع به حاجة ولا يقول: سأضعه في البنك لما تحصل لي حاجة ثم أصرفه.

    ولكن قال: سأنفق هذا المال، ومثلما أنتفع أنفع فلاناً وفلاناً.

    فهذا أخذه بسخاوة نفس، فهو يستحق البركة، فالله يبارك له فيه، فإذا أخذ مائة تصدق منها بثلاثين أو أربعين، وكأن المال لم ينقص منه شيء ببركة الله تبارك وتعالى.

    وغيره يأخذ المائة وهو يستشعر الفقر والخوف، ألا تنتهي ولعلها تنتهي منه قدام عينيه سريعاً، فالله عز وجل يبارك لسخي النفس المؤمن.

    قال: (ومن أخذه بإشراف نفس) بأن كان طماعاً، يحاول أن يأخذ المال الذي ليس من كسبه ولا من تعبه، مثل كثير من المتسولين يمد أحدهم يده ويطلب من الناس، ولا يعمل؛ لأنه يكسب في اليوم عشرة جنيهات أو عشرين جنيهاً أو أكثر من ذلك، فهو أحسن له في نظره، ففرق بين إنسان وإنسان، وينبغي للإنسان أن يعطي الفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ويبحث عن هؤلاء في عائلته، أو جيرانه، وسيلاقي من يستحق العطاء، أما مثل هؤلاء المتسولين فالذي ينبغي في حقهم ألا يعودوا على هذا الفعل، وأن يتحرى في معرفة الصادق منهم فيعطى، أو يؤمرون بالذهاب إلى لجنة الزكاة ليعطوهم منها، وقد يتعاطف معهم البعض مع أن كثيراً منهم كذابون، وقد رأينا إحدى المتسولات ذهب معها إلى بيتها فوجد فيه حقائب متعددة، وفي واحدة فقط ثلاثة آلاف جنيه، أما الدفاع عنهم بغير وجه حق فلا داعي لذلك.

    وبالمناسبة أحياناً قد يأتي إلى المسجد بعض من يتعاطى الحشيش أو المخدرات أو الهروين ويقلب المسجد ويعمل إرباكاً للمصلين، فيقوم بعض الشباب بمنعه من دخول المسجد، ثم يسلمه إلى القسم، ثم تجد بعض الطيبين يعترض على ذلك، وهذا مما لا ينبغي.

    وقد يدخل المسجد من يسرق الأحذية، فإذا دعي عليه أو قبض عليه اعترض بعض هؤلاء، وكذلك هذا غير صحيح.

    ومرة كنا في جنازة وفي الدور الثاني للمسجد علق رجل جاكته، وفيه ألف جنيه، فأتى السارق وأخذها، فلما مسك هو أو صاحبه اعترض بعض أهل الخير وتحولت المشكلة من قبض على السارق إلى عراك بين هؤلاء.

    وحادثة أخرى دخل رجل المسجد ومعه سكين وفي عقله خلل، ويقول: أنا المهدي، وعلامة صدقي أني أشق أحدكم نصفين ثم أحييه. فبعض هؤلاء يقول: حرام عليك اتركه يصلي، ولو كنت ساجداً فقد يقطع رقبتك، فمثل هذا الاعتراض لا يصح.

    وحادثة وقعت في رمضان، أتى سارق فأخذ عشرين حذاءً من المسجد، ثم قبض على السارق، فجاء مجموعة من هؤلاء يقولون: حرام عليك، اتركه يذهب. لكن هو ليس حراماً عليه سرق الأحذية وترك الناس يذهبون إلى بيوتهم حفاة، وقد يمنع بعضهم من الصلاة في بيت الله سبحانه!!

    ومرة في صلاة الفجر جئت إلى المسجد فلقيت شخصاً لابساً حزاماً ويمسك السيف في يده، فكيف نصلي وهو واقف على رؤوسنا؟! فيأتي أحد هؤلاء ويقول: حرام عليكم لا أحد يمسكه.

    ومرة بعدها جاء السارق فأخذ فلوس أحد هؤلاء، فوقف يصيح ويقول: سرق مني فلوسي! فلماذا هذه المرة تصيح على فلوسك والمرة السابقة تقول: حرام عليك؟!

    فنحن جئنا إلى المسجد لنعبد الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم سأله أحد الصحابة فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء أحد يريد أخذ مالي، قال: لا تعطه)، يعلمنا الشجاعة والحفاظ على الكرامة، وإذا لم يكن الإنسان قوياً أخذ المجرمون ماله، والدولة اليوم لا تأخذ على أيدي المجرمين وأصحاب المخدرات والحشيش.

    فقد يأتي أحد هؤلاء ويقول: هات ما في جيبك، فإذا لم تكن قوياً ضاع مالك، ولا بد في بيوت الله أن يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، ونحن لا نقول لك: اعتد على الناس، لكن إذا مسك من يؤذي فلا بد أن ينال جزاءه.

    وفي إحدى المرات بدأنا في صلاة المغرب، فدخل شخص يصيح ويتكلم بالكفر، وبعد الصلاة كل واحد انصرف، ولم يكلمه أحد.

    وكلنا يعلم المقولة المشهورة: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فالمجنون الذي يدخل المسجد لا يقال له: اتق الله في المصاحف، وكذلك الذي يدخل ليسرق المصاحف من بيوت الله عز وجل، لا بد أن ينال جزاءه حتى يرتدع.

    وبعض الإخوة يأتي إلي ببعض السكارى متعاطي المخدرات، وعقله ضائع، ويقول: اجلس معه يا شيخ، ونحن لم نجد وقتاً نكلم العقلاء فكيف نكلم المجانين؟! والله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43].

    وهناك من يجد المجنون أو المصروع فيقول: اذهب به إلى الشيخ يقرأ عليه، ونحن نقول: اذهب إلى الطبيب يعالجه. ويوجد بعض الدجالين أحياناً يصلون معنا في المسجد ومعه كراسه مكتوب عليها عنوان مسجد نور الإسلام، وأي واحد صرع أو جن ذهب إليه، فاحذروا مثل هؤلاء.

    ونحن نؤمن بالعلاج بالقرآن ونصدق به، لكن عالج نفسك أنت بالقرآن، احفظ آيات الرقية وهي: فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثم ارق نفسك، أما أن تذهب إلى الشيخ ليرقيك فليس عندنا دجل في المسجد، فإذا كنت متعلماً فارق نفسك، أو يرقيك أخوك، أو أبوك، أما المسجد فلا يفعل فيه هذا الشيء.

    وسبب انتشار هذه الظاهرة: أن بعض الناس لا يجد عملاً فيأخذ حقيبته ويضع فيها مسجلاً؛ لأنه ليس حافظاً للقرآن، ويحمل عصاه، فإذا جاء إليه المريض فتح التسجيل وبدأ يضربه بالعصا وقد يقتله، وكم قرأنا في الجرائد مثل ذلك. فنحن هنا ندرس دين الله سبحانه وتعالى، وندرس التفسير العلمي الصحيح، والمعجزات الكونية التي ذكرها العلماء، أما أن نسأل عمن يعالج ويقرأ القرآن فما السبب أن يخرج العفريت بقراءة الشيخ ولا يخرج بقراءتك؟! وما هو الفرق بينك وبينه؟ إنها عقول عجيبة جداً، وكم من إنسان قالوا: إنه جن، ثم عرض على الطبيب النفسي فشفي، لكن المشكلة أننا دخلنا في السحر، وفي الدجل، والكهانة.

    فاتقوا الله تبارك وتعالى، وامنعوا مثل هذا الشيء.

    والأصل أن نحافظ على حرمة بيوت الله، وعلى قدسيتها، ونحافظ على أنفسنا تقرباً إلى الله عز وجل بذلك.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.