إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [19 - 23]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه لطيف بعباده، فقد جعلهم شعوباً وقبائل وسخر بعضهم لبعض لتبادل المنافع، ومن كان عمله لله عز وجل وجد ثمرته في الآخرة، ومن لم يبتغ بعمله الدار الآخرة يؤتيه الله ثمرة هذا العمل في الدنيا وقد لا يؤته، وفي يوم القيامة يفصل الله فيه بين عباده، فمنهم من يدخل النار جزاء ما قدم، ومنهم من يدخله الله الجنة جزاءً بما كانوا يعملون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشورى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ [الشورى:19-22].

    قال الله عز وجل: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ سبحانه وتعالى، واللطيف: البر الرفيق سبحانه وتعالى، يبر عباده ويعطيهم ويرزقهم ويمنحهم سبحانه، واللطيف: ذو العلم الخفي، والتقدير المحكم الجميل سبحانه وتعالى، له في عباده لطفٌ في إيصال الخير لهم، وفي صرف الشرور عنهم؛ ولذلك عقب ذلك بقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ.

    يرزق العباد بعضهم من بعض، والله عز وجل له حكمة عظيمة إذ جعل هذا صغيراً وهذا كبيراً، وهذا يريد هذه الصنعة، وذاك يريد صنعة أخرى، وجعل عباده يحتاج بعضهم لبعض، وهذا من لطف الله بعباده، ولو أن كل إنسان قدر أن يخدم نفسه، وقدر على كل مصالحه، ما احتاج واحد لآخر، لكن الله سبحانه قال: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13].

    والإنسان عندما يرى نفسه مستغنياً عن خلق الله سبحانه يستكبر عليهم، ولا ينظر لأحد منهم، ويرى أنه لا يريد من أحد شيئاً، فلا يريد أن يعرف أحداً، ولا يتعرف على غيره إلا إذا احتاج إليه في يوم من الأيام، قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وطبيعة الإنسان إذا استشعر في نفسه الغنى لم يعد يحتاج إليك، فتراه يتكبر على الخلق، بل يتكبر على خالقه سبحانه وتعالى، ونسي أن الله هو الذي أعطى له ذلك، فإذا به يشرك بالله سبحانه، ويعبد غير الله، فإذا ضيق ربه عليه رجع إلى ربه يقول: يا رب يا رب! قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ [الزمر:8]، وقال تعالى: فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ [الزمر:49].

    وهذه طبيعة عجيبة في الإنسان، فالإنسان عندما يضيق الله عليه يقول: يا رب! أعطني، فإذا أعطاه من فضله نسي ذلك وقال: بعملي وجهدي وذكائي، أنا وارث مال كذا، وربنا يعطيني لأني أستحق ذلك، فيغتر ويتكبر ويمن على ربه، بأنه يعبد الله سبحانه وتعالى، فلذلك من حكمته سبحانه أن جعل العباد فقراء، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر:15].

    فيستشعر الإنسان الفقر في نفسه، فإنه مهما أعطاه الله الغنى يخاف أن ينقص المال، فيريد مالاً أكثر؛ لأنه يخاف أن يفاجأ بصروف السنين، فيحس أنه سيحتاج في يوم من الأيام، فيريد أن يكثر المال؛ لأن الإنسان فقير بخلقته وبطبعه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    فالله وحده سبحانه الغني، وخزائنه ملأى لا تنفد، سحاء الليل والنهار، ينفق ويعطي عباده دائماً، وخزائنه لا تنفد أبداً.

    والإنسان ظلوم كفار، ظلومٌ لنفسه، يشرك بربه، ويكفر نعم الله عز وجل عليه، قال تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

    والله لطيفٌ بعباده سبحانه، فمن لطفه أن جعل بعضكم لبعض سخرياً، قال تعالى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32]، أي: سخره بأجره واستخدمه بأجرة، فيتخذ الناس بعضهم بعضاً، وكل فرد يحتاج إلى غيره، فقد يحتاج الغني إلى الصانع؛ لأنه لا يجيد الصنعة الفلانية، فيعطي الصانع أجرة على عمله، وبذلك حصل تبادل منافع بينهم، فلو لم يوجد الاحتياج لاستغنى الناس بعضهم عن بعض، ولتقطعت الأواصر والصلات بسبب الاستغناء، ولكن الله من لطفه الخفي سبحانه أن جعل عباده يفتقر بعضهم إلى بعض، فيحوج الله عز وجل العباد بعضهم لبعض، حتى يجتمعوا ويتعارفوا فيما بينهم.

    قال تعالى: يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ سبحانه وتعالى، فالإنسان يحتاج إلى رزقه لأنه ضعيف، والله هو القوي لا يحتاج إلى أحد، وهو القاهر والغالب سبحانه، ومهما تعاظم في الإنسان قدر نفسه وقوته فليعلم أن الذي خلقه أقوى منه، وهذا هو الذي كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقد رأى أبا مسعود البدري رضي الله عنه وهو يضرب غلاماً له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلم أبا مسعود) فلم ينتبه أبو مسعود من شدة غضبه وضربه للعبد الذي عنده، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلم أبا مسعود) فانتبه أبو مسعود فنظر، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فكف عن ضرب الغلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) أي: الله قادر على أن يمنع يدك هذه التي تضرب بها، والله قادر على أن يسلبك قوة يدك، فلا تقدر على أن تحركها، فاعلم حين ترى من نفسك القدرة على الغير، أن الله أقدر عليك، فهو قوي سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء.

    فهو الرزاق لجميع العباد في وقت واحد، فترى كل عبد يجد ما يقوته وما يقوم بأمره، فهو القوي القاهر العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع سبحانه وتعالى، فرزقك المقسوم لا بد أن يأتيك مهما أخفاه غيرك ومهما أراد الغير أن يمنعه منك، فالله إذا شاء شيئاً فعله، ومن هذا الذي يغالب ربه، ويمنع نعمة أراد الله أن يرسلها لفلان؟! وما يفتح الله للعباد من نعمة أو فضل فلا أحد يقدر أن يمسك ذلك، وإذا أراد الله أن يمسك ذلك وأن يمنع فلا أحد يقدر أن يفتح ذلك، قال تعالى: مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:2].

    فقوله تعالى: وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ أي: عزيز لا يغالب ولا يمانع، إذا أراد شيئاً لا بد أن يوجد ويقع ما أراده الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ...)

    قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20].

    فالذي يريد الدنيا يعطيه الله، والذي يريد الآخرة يعطيه الله سبحانه وتعالى، ولكن عطاء الله مقيد بقضائه وقدره سبحانه وعلمه وحكمته، فالإنسان يطلب الدنيا، والله يقول: سنعطيك من الدنيا، ويعطيه ما قسم له؛ ولذلك الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها الإعطاء قيدها بآية في سورة الإسراء، قال الله سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18].

    فإذا كنت تريد الدنيا عجلنا ذلك لك، ولكن لا يأتيك منها إلا ما قسمناه وما أردناه أن يصل إليك، قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [الإسراء:18-20].

    فالله يعطي الجميع ويرزق عباده، ولا يمنع الله سبحانه رزقه وعطاءه عن أحد، وإنما بما قدره وقسمه سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، والحرث: كسب الآخرة، فإذا أردت أن تكسب الجنة وتكسب رحمة الله وتخفيف الحساب يوم الحساب، فاعمل لهذا اليوم.

    قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أي: يعطيه الآخرة ويعطيه الحسنى وزيادة، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الحسنى وزيادة، وأن يعطينا حرث الآخرة وألا يحرمنا من فضله ومن رحمته سبحانه وتعالى، فإذا أردت الآخرة وسعيت لها سعيها ابتغاء وجه الله عز وجل فإن الله يعطيك.

    قال الله تعالى: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا أي: إذا كنت تريد الدنيا وتعمل لها أعطيناك من الدنيا ما أردنا، وفي الآخرة قال تعالى: وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ فقد أخذ حظه في الدنيا، ولم ينل شيئاً من الآخرة.

    والناس أصناف، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.

    ولكن من الناس من: يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200].

    يريد الدنيا فقط، فهي همه الشاغل ليل نهار، فيؤتيه الله عز وجل ما شاء من الدنيا وقد يحرمه منها، وفي الآخرة له عذاب النار والعياذ بالله، فإذا أعطى الله عز وجل عبداً من عباده الفهم والعقل والإيمان سأل ربه الآخرة، وقال: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً.

    وحسنة الدنيا: معرفة الله سبحانه وتعالى وعبادته ورزقه الحلال، فيعطيه المال الطيب والرزق الطيب والولد الطيب والزوجة الطيبة في الدنيا؛ لينتفع بها على أمر الآخرة، وليستعين بها على أمر الآخرة، وفي يوم القيامة يكون له الحظ الوافر عند الله عز وجل، ومن الناس من يطلب الدنيا فقط ويقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا فتراه يريد مالا كثيراً وزوجة جميلة سواء كانت صالحة أو طالحة، المهم أن تكون جميلة فقط، والمال لا يهمه أهو من حلال أم من حرام؟ فإذا آتاه الله عز وجل الدنيا ضيع حظه في الآخرة، قال تعالى: وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ .

    أي: ليس له حسنة في الآخرة وليس له نصيب في الآخرة.

    لذلك لا بد أن يكون قلب الإنسان نقياً يطلب الآخرة، مخبتاً يرجع إلى الله سبحانه وينيب إليه، ولا بد أن ينوي النية الحسنة في كل أعماله، فإن صاحب النية الحسنة يؤجر، والآخر لا شيء له، والذي ينام وينوي أن يقوم الثلث الأخير من الليل ليعبد ربه ويصلي، ثم نام ولم يقم الليل، ونام عن صلاة الفجر أيضاً، فإن نومه صدقة عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فيصلي حين يذكرها وتكتب له بنيته، وقس على ذلك كل عمل تنوي به الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فالأعمال الصالحة تكون بالنوايا الخالصة، والأجر العظيم منه سبحانه.

    والحرث في الدنيا بمعنى: الزرع، ونتيجة زرعهم يُرى في الآخرة، فحرث الآخرة: هو جنى ما زرعه في الدنيا، ومن يرد جنى الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ... ما لم يأذن به الله ...)

    قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:21].

    يعني: بل هل لهم شركاء شرعوا لهم من الدين؟ والذي يشرع هو الله الرب سبحانه وتعالى، والتشريع من صفاته سبحانه، فهو الحاكم الذي يحكم بين عباده، ومن صفاته: أنه صاحب الشريعة، فالله عز وجل هو الذي يشرع لعباده، فهو الذي شرع لنا هذا الدين، فهل لهؤلاء المشركين شركاء شرعوا لهم من الدين؟ أين شركاؤهم؟ وأين هذه الآلهة التي يزعمون؟ هل هذه الأصنام كلمتهم وقالت لهم: اعبدوا بالصورة الفلانية؟ هل عندهم أثارة من علم أو كتاب يقول لهم: اعبدوا بالصورة الفلانية؟ ليس عندهم شيء، بل عرفوا أن الأصنام لا تعقل ولا تفهم ولا تسمع ولا تجيب، فكيف يعبدونها من دون الله، وهي لا تملك أن تشرع ولا تسمع ولا تعقل.

    قال الله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.

    أي: ولولا كلمة القضاء من الله عز وجل، والفصل بمعنى: القضاء والحكم بين العباد، فهو سبحانه يفصل الخصومة ويقضي بين الناس، هذا شقي وهذا سعيد، هذا في الجنة وهذا في النار، والكلمة التي سبقت من ربك ألا يعاجلهم بالعقوبة، بل يؤخرهم إلى يوم القيامة ليجازيهم، فلولا هذه الكلمة لقضي بينهم، ولذلك لم يقض بينهم الآن، و(لولا) حرف امتناع لوجود، فـ(لولا) حرف امتناع القضاء بين العباد في الدنيا لوجود الكلمة التي سبقت، فالله يمتنع من أن يقضي بين العباد الآن، إنما القضاء يكون يوم القيامة.

    قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: لقضى الله عز وجل وفصل وحكم بين العباد.

    قال تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يعذب الله سبحانه وتعالى يوم القيامة جميع الظالمين، خاصة المشركين، إذاً: الظالم يعذبه الله سبحانه، ولكن هنا قصد المشركين، الذي يشركون بالله سبحانه؛ ولذلك عقب بقوله سبحانه: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ [الشورى:22].

    تفسير قوله تعالى: (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ...)

    قال تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ [الشورى:22].

    قوله: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا أي: ترى الظالمين خائفين مما أشركوا، والمقام مقام ذكر التوحيد والشرك، فالمشركون بالله الذين ظلموا أنفسهم الظلم الأكبر تراهم مشفقين مما كسبوا، عبدوا الأصنام من دون الله وتوجهوا لها وتركوا دين الله، فهم يوم القيامة مشفقون من حساب رب العالمين سبحانه، وكذلك غيرهم من الظلمة والمجرمين تراهم مشفقين مما كسبوا، أي: من جزاء ما كسبوا.

    قال تعالى: وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ، أي: ترحموا على أنفسكم ما شئتم يوم القيامة، فإن يوم القيامة يوم جزاء وليس يوم تكليف، وليس في يوم القيامة تعويض لما سلف، فإن أمر العبادة كان في الدنيا.

    فقوله تعالى: وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ، أي: عذابه سبحانه، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضات الجنات، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ يقال: روضات ورياض، والروضة: البستان العظيم والنزهة التي يتنزه فيها الإنسان، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته.

    فقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا، قيدت بقوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، أي: في بساتين مزهرة، وفي قصور عامرة في جنات رب العالمين، ترى هؤلاء يلعبون وينعمون، ويفرحون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فالروضة: موضع النزهة الذي يتنزه فيه الإنسان وهو كثير الخضرة.

    وقوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ (ما) من ألفاظ العموم، أي: كل ما يتمنونه ويشتهونه، فأنت في الجنة اطلب من الله ما شئت، فهي دار يشرفك الله عز وجل فيها، ويعطيك ما تشتهيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينادي عليهم المنادي: يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً) كل ذلك في جنة الخلود، قال تعالى: َلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62].

    فلا يخافون من المستقبل أمامهم، فهم في رحمة الله عز وجل، وقد طمأنهم الله عز وجل بأن هذه الجنة دار الخلود، وقد رضي الله عنهم فلن يسخط عليهم بعد ذلك أبداً، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته.

    قال الله سبحانه وتعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن رجلاً من أهل الجنة قال: (يا رب أريد أن أزرع؟ فقال الله عز وجل: أوما يكفيك هذا؟) أي: كل الذي أعطيتك هذا لا يكفيك؟ (قال: أشتهي ذلك، قال الله عز وجل: دونك، فرمى البذرة فزرعت وحصدت، قال الله: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء) وكان رجل أعرابي جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تراه رجلاً من هؤلاء، يعني: من الأنصار، أما نحن فنحن أصحاب إبل وهؤلاء أصحاب زروع، رضوان الله على الجميع، وإذا اشتهى العبد في الجنة الولد، فيكون حمله ووضعه وفصاله في مقدار ساعة، لا تعب كما كان في الدنيا، تسعة أشهر ووضع ورضاعة وتعب، فالجنة عظيمة وغالية، والذي يعرف الجنة لا يأبه لما يأتيه أو يضيع منه في هذه الدنيا إلا لأمر دين الله سبحانه وتعالى فقط، قال الله سبحانه: ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12] أي: النجاح الباهر العظيم أنك تصل إلى الجنة، فإذا دخلت الجنة فقد فزت هذا الفوز العظيم عند الله، وأفلحت ونجحت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ... )

    قال الله تعالى: ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى:23].

    قوله: ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: ذلك الفضل العظيم من الله الذي يبشر به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بشارة من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، فالمؤمن الذي يتعب نفسه لله سبحانه، ويحسن العمل لله، ويخلص النية لله، يبشره الله بذلك.

    وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن، وفيها قراءتان: (يُبَشِّر)، و(وَيبْشُر)، أي: يظهر البشرة على وجه المؤمن بما حدث في قلبه من فرح، فالجمهور يقرءونها: يُبَشِّرُ ويقرؤها حمزة والكسائي وفي هذه الآية فقط يقرؤها ابن كثير وأبو عمرو مع حمزة والكسائي : (يَبْشُر)، (يُبَشِّر) للتكثير، تكثير البشارة، و(يبْشُر) يظهر البشر على وجوه المؤمنين بما فرحت قلوبهم.

    فقوله تعالى: ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: يبشر المؤمنين الذين أتعبوا أنفسهم في الدنيا من أجل دينهم ومن أجل أن يفوزوا برضى ربهم، ومن أجل الجنة عملوا الصالحات.

    (قل) لهؤلاء جميعاً: لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى والاستثناء إما أن يكون متصلاً وإما أن يكون منقطعاً، وهذا الاستثناء يسمى: الاستثناء المنقطع، أي: أنه منفصل عما قبله، فلو كان استثناءً متصلاً لقال: أجري عندكم المودة في قرابتي، ولكنه قال: لا أسألكم أجراً، أي: لا أريد منكم أجراً أصلاً، ولكن أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من القرابة.

    تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (إلا المودة في القربى)

    جاء عن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما ما يوضح معنى قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23].

    فقد روى البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، وكان من الجالسين سعيد بن جيبر من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما فقال: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: عجلت -أي: استعجلت في الجواب- فالصحابي عبد الله بن عباس موجود، فلماذا يجيب التلميذ؟ فقال: عجلت، أي: ليس المعنى كذلك، ثم قال رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم جعله الله عز وجل وسطاً في قومه، فإن قريش جميعها أقرباء للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا يلتقي معه في الجد الأول، وهذا في الجد الثاني، وهذا في الجد الرابع، وهذا في الجد السابع، فكل بطون قريش أقارب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم نسوا هذه القرابة، فمن هؤلاء من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يسلم، والذي لم يسلم آذى من أسلم، فقال لهم ربهم سبحانه وتعالى: راعوا القرابة التي بينكم، فهؤلاء المسلمون منكم وبينكم وبينهم قرابة، فلا أطلب منكم مالاً، وقد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطلب من مالنا ما شئت، واطلب من نسائنا ما شئت، وإن كان بك مس من الجن أرسلنا الأطباء حتى نعذر فيك، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك، وقال: (إنما الذي أريده كلمة واحدة، قالوا: وأبيك عشراً، اطلب، أي: نحلف لك أن نعطيك عشر كلمات وليس كلمة واحدة، قال: (قولوا: لا إله إلا الله) قالوا: أما هذا فلا، فهم يعرفون أنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله سوف يتركون كل ما هم فيه، ويتوجهون إلى الله ويأخذون هذه الشريعة من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن غرورهم منعهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، وحجتهم أنهم إذا قالوا كلمة التوحيد سيكونون أتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أصغر منهم سناً، فرفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله.

    إذاً: أنتم رفضتم ذلك فلا تعذبوا المؤمنين، وراعوا القرابة التي بيننا، دعوني أدعو غيركم، ولا تقطعوا الأرحام، وكانت قريش من أكثر الناس صلة للرحم، وما قطعوا الرحم إلا عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى دين الله عز وجل، فبدءوا يقطعون الأرحام بسبب ذلك، ويعذب كافرهم مؤمنهم بذلك، فقال لهم ربهم: ولكن راعوا المودة في القربى، أن توادوني في قرابتي وفي أنفسكم، فكلكم بيني وبينكم قرابة، فلا يعذب بعضكم بعضاً، ولا يتشاجر بعضكم مع بعض.

    إذاً: (إلا) هنا بمعنى: ولكن، أي: لا أسألكم عليه أجراً أصلاً، ولكن أطلب منكم مراعاة صلة الأرحام التي بيننا.

    مضاعفة الحسنات من الله تعالى

    قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى:23] أي: الذي يكسب حسنة يزيده الله تعالى الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقد يغلب الدرهم بالحسنة مائة ألف درهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم) ومعلوم أن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن في هذا الحديث يضاعف الله الدرهم مائة ألف درهم، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً فقيراً له درهمان ورجلاً غنياً له مالٌ كثير، والفقير تصدق بدرهم من درهميه، أي: أنفق نصف ثروته، وأعطاها لفقير آخر، وآخر له مالٌ عظيم أخذ من عرض ماله مائة ألف، ولم يؤثر فيما بقي، ولكن الله لا يضيع الإحسان، لا من هذا ولا من هذا، ولكن هذا الفقير إذا نظرنا إلى النسبة والتناسب، نجده أنفق نصف ثروته، فسبق الدرهم مائة ألف درهم بفضل الله سبحانه.

    قال تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا [الشورى:23] أي: نزيد من عندنا إحساناً على ما أحسن هذا الإنسان.

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى:23] أي: يغفر لعباده سبحانه، ويشكر لهم حسن صنيعهم، ويشكر لهم ما أنفقوا وما قدموا.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الإحسان وأن يثيبنا عليه الحسنى وزيادة بفضله وكرمه ومنه، فهو أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.