إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [6 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من اتخذ من دون الله ولياً فقد أمر الله نبيه أن يعرض عنه، وأخبره: أنك أيها النبي لست مراقباً لأعمالهم ومحصيها عليهم، بل الله حفيظ لأعمالهم وسيجازيهم عليها، إنما وظيفتك متعلقة بما أوحيناه إليك من قرآن عربي مبين، فأنذر به مكة ومن حولها، وحذر من يوم الجمع الذي لا شك في مجيئه، وسينقسم الناس في ذلك إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد بين الله كمال قدرته وتصرفه في الناس، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة إما على الإيمان أو أعلى الكفر، وذلك لا يعجزه، لكن اقتضت حكمته أن يدخل من يشاء في رحمته، أما الظالمون فليس لهم ولي ولا نصير يدفع عنهم ما استحقوه بكسب أيديهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشورى:

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى:6].

    في هذه الآية يقول لنا ربنا سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ) أي: من دون الله سبحانه، (أَولِيَاءَ)، الولي: من يلي أمر الشيء، ومن يلي أمر الإنسان هو وليه، وقد يكون قريباً وقد يكون بعيداً.

    والولي يطلق في اللغة على القريب الذي يكون بين الإنسان وبينه نسب، كالعم وابن العم ونحو ذلك.

    ويطلق فيراد به ولينا ومولانا ربنا سبحانه وتعالى، فهو نعم المولى ونعم النصير.

    يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ)، الذين اتخذوا من دون الله عز وجل أصناماً، اتخذوا من دون الله عز وجل من ظنوا أنهم يقومون بأمرهم عند ربهم، فيوصلون أدعيتهم إلى الله عز وجل فعبدوهم من دون الله، وادعوا أنهم يرفعون الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، فقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فهؤلاء الذين عبدوا أصناماً من دون الله، وجعلوها أقرب إليهم من الله سبحانه، وجعلوها وسائط بينهم وبين الله سبحانه بغير دليل في ذلك أو سلطان، قال تعالى: (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ)، فالله مراقب لهم، والله محصي عليهم أعمالهم وأقوالهم، والله شاهد عليهم سبحانه وتعالى، والله يحفظ عليهم أعمالهم، ويحكم عليهم يوم القيامة بهذا الذي صنعوه وفعلوه، بعلمه وقدرته.

    فـ (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ) أي: شاهد ورقيب سبحانه.

    قال تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22]، فليس أمرهم موكولاً إليك فتصير وكيلاً عنهم في هذا الذي يفعلونه، إنما أمرهم إلى الله رب العباد سبحانه وتعالى، وليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن آمنوا فبفضل الله سبحانه، وإن كفروا فبعدل الله سبحانه والله عليهم قدير.

    فالأمر موكول إلى الله يحكم فيه بما يشاء، ولذلك قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22]، فأمره أن يذكر هؤلاء، وأنه لا يملك هدايتهم كما قال سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    فهو ليس وكيلاً عليهم صلوات الله وسلامه عليه، وليس حفيظاً عليهم، وإنما هو مبلغ رسالات ربه سبحانه وتعالى.

    أما الهداية المضافة إليه فمعناها: أنه يدلهم على الخير وعلى طريق السعادة، ويحذرهم من طريق الشقاوة، والأمر راجع إلى الله فهو الوكيل سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

    قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً) أي: هذا القرآن العظيم الذي نزل بلسان عربي مبين من عند رب العالمين.

    والوحي من الله سبحانه وتعالى بأن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم جبريل سفيراً بين السماء والأرض ينقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الله ما يشاء سبحانه من قرآن ومن سنة.

    وقد نزل بهذه اللغة التي هي أشرف اللغات، فهذا القرآن أعظم الرسالات، نزل بسفارة أشرف ملائكة الله عز وجل وهو جبريل، ونزل في أشرف وأفضل شهر وموسم في رمضان في ليلة القدر من عند ربنا سبحانه إلى بيت العزة في السماء، ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أشرف بقعة في الأرض وهي مكة المكرمة.

    فكان القرآن أعظم كتاب نزل من السماء بأفضل لغة وهي اللغة العربية، على أشرف وأفضل الخلق النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذا القرآن بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، أي: مبين مفصح معبر، فهو بين واضح فصيح بليغ، وهنا يذكر الله سبحانه وتعالى أنه نزل من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرآناً، والقرآن بمعنى: الكلام المجموع المقروء الذي يقرأ ويتلى.

    فهذا القرآن كتاب واحد نزل من السماء إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل منجماً على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، وحياً من الله مع جبريل الملك عليه السلام.

    وفي أول السورة قال: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الشورى:3] أي: بمثل هذا الوحي ينزل جبريل عليه السلام من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الذين من قبله.

    لما أراد اليهود أن يختبروا النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا أنه على حق أم لا سألوه أسئلة فأجابها، فلما أجابها قالوا: إنك نبي والآن نتابعك أو نفارقك، من وليك من الملائكة؟

    قال: جبريل وليي وولي من قبلي، وهو الذي نزل علي، ونزل على كل من كانوا قبلي.

    قالوا: لا نتبعك، ولو كان وليك من الملائكة ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والذي ينزل بالقطر لاتبعناك، ولكن جبريل ينزل بالعذاب.

    فهذا كلام اليهود لعنة الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، فلم يغب عنهم أنه حق صلوات الله وسلامه عليه، ولكنهم أرادوا المفارقة، وأرادوا عدم الاتباع، وغيرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نخاف أن نتبعك فتقتلنا يهود.

    فالعلة الصحيحة أنهم هم خائفون أن يقتلهم اليهود لو اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم.

    وغيرهم يخافون على ما عندهم من كراس وأموال، فلا يريدون أن يفقدوها، وظنوا بالآخرة وطمعوا في الدنيا فرفضوا أن يدخلوا دين النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ومنهم من يقول: إن داود عليه السلام دعا ألا يزال من ذريته نبياً، فنحن ننتظر نبياً من ذرية داود، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت نبي ولكن نبي إلى الأميين ولست إلينا.

    فشهدوا له بالنبوة، وكونهم يشهدون له بالنبوة هذه شهادة له أنه معصوم صلوات الله وسلامه عليه من الكذب، إذ كيف يكون نبياً من عند رب العالمين ثم يكذب عليه الصلاة والسلام؟

    فشهدوا له بالنبوة ثم رجعوا فرفضوا، فهو يقول: أنا رسول للخلق أجمعين، وهم يقولون: أنت نبي إلى العرب فقط.

    مكة هي أم القرى

    قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى) وقد ذكرنا أن في كلمة (قرآن) قراءتين: قراءة ابن كثير: (قراناً عربياًً)، وقراءة باقي القراء: (قرآناً) بالهمزة.

    قال تعالى: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى) أم القرى مكة، وكأن مكة أصل، وأم الشيء أصله، كما تقول: أم الدماغ، أي: أصل الدماغ، وأم الكتاب: أصل الكتاب.

    فأم الشيء أصله، وكذلك مكة كأنها أصل القرى، وأفضل القرى، وأحب البلاد إلى الله سبحانه وتعالى، ومركز الدنيا جميعها.

    وقد سماها الله عز وجل في القرآن مكة وسماها بكة؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، وتمك بمعنى: قليلة المياه.

    أما لماذا سميت أم القرى؟ فقد ذكر المفسرون أن الأرض دحيت من عندها، أو من تحتها، فكانت كالأصل وباقي البلاد حولها.

    وهذا الكلام الذي يقوله المفسرون في الماضي يؤيده العلماء في الحاضر، فيقولون: إن سرة الأرض وأوسطها هي مكة.

    فقبل أن تكتشف الأمريكتان، وبعد أن اكتشفت أمريكا وأستراليا، فمكة هي مركز الدنيا وأصل الأرض.

    وهنا تتعجب عندما أن تسمع كلام هؤلاء العلماء في أمر مكة، فهذا عالم من العلماء المصريين اسمه: الدكتور حسين كمال الدين ؛ يثبت هذا الشيء من غير قصد، فبينما هو يعمل خريطة من الخرائط من أجل أن يوضح القبلة في كل بلد من بلدان المسلمين، وخاصة المغتربين الذين يخرجون من بلادهم ويذهبون إلى بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها، ويريدون أن تحدد لهم القبلة، وفجأة يحط البرجل على مكة ثم حركه إلى الطرف الثاني، وإذا به يدور ومركز البرجل في مكة، ويحيط بالدول جميعها.

    ثم رجع بعد ذلك يرسم الخريطة ثانية من غير أن يحط فيها أستراليا، وقبل اكتشاف أستراليا وأمريكا رسم خريطة الماضي، ووضع البرجل في مكة وحركه فوجد مكة هي منطقة الوسط ومركز العالم كله، العالم القديم والعالم الحديث.

    فهي أم القرى هذه البلدة العظيمة التي أنزل الله عز وجل القرآن فيها على النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه؛ لينتشر النور من مركز الأرض إلى جميع أنحاء الدنيا.

    وكالة (ناسا) كانت قد نشرت صورة في وقت من الأوقات، وبعد مدة لم تظهر هذه الصورة مرة ثانية، وفي هذه الصورة يرى من الفضاء أنه أكثر مكان في الأرض يشع نوراً سواء بالليل أو بالنهار كانت مكة والمدينة.

    وقال عالم مسلم: إن أحد العلماء الأمريكان في علم الجغرافيا يحقق في وجود هذه البلدة ومطلعها الجغرافي من غير أن يدفعه شيء عقدي، إذ ليس مسلماً، ومن المعلوم أن كل كوكب خلقه الله عز وجل يخرج منه إشعاع إلى الكوكب الآخر ثم من الكواكب المحيطة إلى الأرض.

    فتوصل هذا العالم الأمريكي في أبحاثه إلى أن مركز تلاقي الإشعاعات الكونية التي تخرج من النجوم ومن الأفلاك المحيطة بنا في مكة.

    وهذا شيء عجيب جداً أن تكون مركز تلاقي النور من السماء، وينزل القرآن في هذا المكان ليشع نوراً إلى بلاد الدنيا؛ ليكون النبي صلى الله عليه وسلم للعالمين نذيراً، ويتعجب هذا الرجل وهو يذكر أن هذه البلدة عجيبة، فالذي يذهب إليها يتعلق قلبه بها، وينجذب إليها، فهي مركز جذب يجذب إليه الكواكب الآخر، ويجذب إليه قلوب المؤمنين.

    يقول الله سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) يبدأ في الإنذار بأم القرى، ثم تتسع الدائرة إلى أن يشمل الدنيا كلها فيدخلها دين الله تبارك وتعالى بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله عز وجل الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله عز وجل به الكفر وأهله.

    ومن الأحاديث الصحيحة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك).

    وروى الترمذي وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن عدي بن حمراء قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً على الحزورة فقال: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله).

    فهي أحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولولا أنه أوذي فيها الأذى الشديد فأمره الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة لما خرج صلوات الله وسلامه عليه وما تركها، وإنما هي الدعوة إلى الله، فحيث يأمره الله عز وجل بالتوجه ليدعو إليه سبحانه وتعالى يمتثل.

    إنذار النبي صلى الله عليه وسلم للناس

    يقول ربنا سبحانه: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)، هو هنا نذير، وأخبر في غير هذه الآية أنه بشير وأنه نذير، كما قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24].

    إذاً: النذير من النذارة، وينذر: يخوف ويهدد بعذاب الله عز وجل من يكفر بالله ويشرك به سبحانه.

    قال تعالى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ)، أي: تنذر يوم القيامة، فتحذر الناس من هول المطلع في ذلك اليوم.

    ففي يوم القيامة يأمر الله عز وجل إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور ويهلك جميع من على الأرض، وجميع من يشاء الله سبحانه وتعالى.

    ثم يأمره الله عز وجل فينفخ في الصور مرة ثانية، فإذا بالناس يقومون للحساب والجزاء عند رب العالمين سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ)، أي: تهدد وتخوف من يكفر ويشرك بالله بهذا اليوم الموعود يوم القيامة الذي فيه الحساب الشديد من رب العبيد سبحانه وتعالى، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    يوم القيامة يوم تدنو الشمس من الرءوس، ويعرق كل إنسان بحسب ما كان يضيع في الدنيا ويفرط، ولا يبذل الجهد في طاعة الله سبحانه وتعالى، فالعرق الذي لم يبذله في الدنيا سوف يبذله يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرءوس.

    من كان لاهياً غافلاً في الدنيا، تاركاً لدين الله وراء ظهره يلجمه العرق، أو يغطي رأسه .. عرق وشمس محرقة، وموقف عظيم بين يدي الله عز وجل؛ حتى إن الإنسان يقول: يا رب! اصرفني ولو إلى النار، يظن أن النار أهون من هذا الموقف الذي يقف فيه، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4].

    فهو ينذر ويخوف العباد من هذا اليوم، يقول: احذروا أنا نذير، أحذركم عذاباً قريباً سيأتيكم، وأحذركم من الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: (يَوْمَ الْجَمْعِ) أي: يوم يجمع الله الخلق، ويجمع الرسل، فهذا اليوم لا شك فيه.

    وفي قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ)، قراءتان: فيقرؤها الجمهور: (لا رَيْبَ فِيهِ)، ويقرؤها حمزة بالتوسط في المد في قوله: (فيه)، والمقصود من المد هنا كأنه تأكيد للنفي، كما أنك تقول: لا إله إلا الله، فتمدها، ويمدها حتى من يقصر المد المنفصل لتأكيد هذا النفي.

    وهنا أيضاً كان المد لتأكيد النفي في معنى الشك في يوم القيامة، فلا شك أبداً، فهو يوم لا بد أن يأتي.

    فإذا جاء يوم القيامة وانتهى الحساب توجه البعض إلى الجنة، قال تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ [الشورى:7] والبعض الآخر إلى النار كما قال تعالى: وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

    وكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أن الله عز وجل قال قبل ذلك: (هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي) فالله عز وجل خلق خلقه فجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، ويدخلون السعير بأعمالهم التي يحصيها لهم ويحاسبهم عليها، فإذا أوبقتهم أعمالهم قال لهم: لوموا أنفسكم، أنتم الذين قصرتم في ذلك، كما قال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال تعالى: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] فيقال للعبد يوم القيامة: اقرأ أنت عملت كذا، ولا يقال: إنا قدرنا عليك أن تدخل النار، فنحن نحاسبك على القدر.

    إنما يقال: أنت فعلت هذا الشيء، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وشهيداً، فالإنسان يوم القيامة يشهد على نفسه بما فعله في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة...)

    قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [الشورى:8] فكما جعل للملائكة وهم أكثر عدداً من الخلق السماء قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء)، أي: صوتت من ثقل الملائكة الذين عليها، والسماء أعظم من الأرض بكثير، وإذا قورنت الأرض بالسماء كانت كقطرة في بحر وكحلقة في فلاة، والمخلوقات التي في الأرض لا يبلغون أن يكونوا كعدد ملائكة السماء ففي كل أربع أصابع يوجد ملك، فالسماء امتلأت بملائكة الله سبحانه الذين يطيعونه ولا يعصونه سبحانه كما قال صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله عز وجل) وكما قال الله سبحانه وتعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    وبنو آدم في هذه الكرة الصغيرة التي لا تكاد ترى في هذا الكون العظيم منهم من يعبد الله ومنهم من يشرك بالله.

    وربنا كان قادراً أن يجعلهم كلهم في الجنة؛ فالله على كل شيء قدير، ولكن أراد أن يكلف هؤلاء العباد وأن يختبرهم: إذا ترك لهم الخيار هل يختارون طريق الله سبحانه والجنة أم أنهم يختارون غير ذلك؟

    فالله عز وجل خلق الإنسان ليبتليه، كما قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] فجعلكم مكلفين، وجعل لكم عقولاً هي مناط هذا التكليف، يكلفكم ويختبركم ثم يجازيكم يوم القيامة، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن الله سبحانه يدخل من يشاء في دين الإسلام ليستحق الرحمة ويستحق رضوان الله وجنته يوم القيامة.

    قال تعالى: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)، وأعظم الظلم هو الشرك بالله سبحانه، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فمن ظلم نفسه فكفر بالله وأشرك بالله سبحانه وقع في هذا العذاب، فالظالمون ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير، والولي: هو القريب، أي: ليس لهم من يحن عليهم يوم القيامة من قريب، كابن عم أو ابن أخ، أو يرحمهم ويقف بجوارهم ليدافع عنهم، وليس لهم نصير يدافع عنهم أمام الله، فلا يوجد محامٍ يوم القيامة يحامي على الإنسان، ولا مناصر يمسك السيف ويدافع عنه.

    وإن كان الكفار بجهلهم وغبائهم زعموا ذلك، فوقفوا للنبي صلى الله عليه وسلم معاندين، فخوفهم وحذرهم من بطش الله سبحانه، فإذا بهم يصرون على ما هم فيه، وقالوا: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، فلما ابتلاهم الله في الدنيا إذا بهم يهرعون للنبي صلى الله عليه وسلم يجأرون بالدعاء ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: (ادع لنا ربك يرفع عنا ما نحن فيه)، ويناشدونه الله والرحم يوم أن دعا عليهم وهم في مكة بسنين كسني يوسف في شدة القحط؛ ليذيقهم عذاباً في الدنيا.

    فلما حدث بهم ذلك جاءتهم سنة فأكلوا الميتة، وأكلوا الجلود، وأكلوا الكلاب وكل ما وجدوه، فإذا بهؤلاء الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: نناشدك بالله وبالرحم.

    عرفوا الرحم في هذا الوقت وقد قال لهم: عرفتم الآن الرحم؟ لقد قال لهم من قبل: لا تقطعوا الرحم الذي بيني وبينكم، كما قال تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] لكنهم رفضوا.

    فلما ابتلاهم الله أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالله وبالرحم أن يدعو الله ليرفع عنهم ما هم فيه، فحن لهم صلوات الله وسلامه عليه وأشفق عليهم، فدعا ربه فرفع عنهم ذلك، قال تعالى: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15]، أي: سيرجعون مرة ثانية إلى عدم الإيمان وقد رأوا الآيات والمعجزات وكذبوا بيوم القيامة، وأعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24].

    ثم جادلوا فقالوا: وعلى فرض حصول يوم القيامة فمثلما أعطانا في الدنيا سيعطينا يوم القيامة، ونكون نحن المقربين عنده وقد جعلكم في الدنيا فقراء وضعافاً، أما نحن فقد أغنانا وكذلك في يوم القيامة، وعلى افتراض أنه سيعذبنا، فسنتجمع وندافع عن نفسنا.

    وقد كان فيهم رجل اسمه أبو الأشدين كان شديداً، فبلغ من قوته أنهم كانوا يضعون جلداً على الأرض، ويضع رجله عليه ثم يشده عشرة منهم حتى يتمزق الجلد ولا يستطعيون سحبه من تحته.

    فقال لهم: يوم القيامة علي من التسعة عشر ملكاً الذين هم على النار عشرة، وأنتم عليكم من تبقى وهم تسعة.

    انظروا إلى الجهل والحماقة والغفلة! هذا هو تفكيرهم في يوم القيامة، نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، حتى قتلهم الله فصاروا جيفاً في يوم بدر، وألقوا في القليب، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم على القليب فناداهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟).

    فيقول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تنادي من جثث قد جيفت.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم).

    فعرفوا الحق ويوم القيامة سوف يجمعهم الله ليجازيهم على أعمالهم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.