إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [45 - 46]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طريق الدعوة إلى الله ومقارعة الكفار درب شاق يؤذى صاحبه، وقد يضيق ذرعاً من هذا الأذى، لكنه حين يتذكر سلفه وصبرهم يطمئن ويشتد عزمه على المضي؛ ولذا ذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه سوف يصيبه مثل ما أصاب الأنبياء قبله، وسيجازي الله كلاً بعمله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ثم أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة فصلت: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:45-46].

    في هذه الآيات يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى أنه آتى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الكتاب، و(أل) في الكتاب هي العهدية، والمعنى: المعهود المعروف الذي هو التوراة.

    قوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ [فصلت:45] فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان المشركون يؤذونه ولا يقبلون منه ويختلفون عليه صلوات الله وسلامه عليه بأكاذيبهم، فمنهم من يقول: هو مجنون، ومنهم من يقول: هو ساحر، ومنهم من يقول: هذا كذاب، فيواسيه ربه سبحانه تبارك وتعالى: بأنك لست بدعاً من الرسل، وليس هؤلاء أول من قالوا لنبيهم هذا المقال، فقد آتينا من قبلك موسى الكتاب.

    الحكمة من تكرار ذكر موسى عليه السلام في القرآن

    كثيراً ما يذكر ربنا سبحانه تبارك وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام؛ ليتأسي به، فهو صاحب الشريعة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أتى بكتاب من عند الله فيه الشرع، وأمر قومه أن يتبعوه على ذلك، وأوذي موسى أذى كثيراً فصبر، فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتسي به وبالأنبياء من قبله، قال تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وإن كان الذي قبل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة هو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لكن موسى صاحب كتاب تشريع، أما عيسى عليه الصلاة والسلام فقد كان صاحب كتاب حكم ومواعظ وبشارة، وإنما جاء ليحكم بشرع من قبله، وهو شرع موسى عليه الصلاة والسلام.

    وقد تشابه موسى ونبينا صلى الله عليه وسلم أن كلاً منهما صاحب كتاب شريعة، ومعنى شريعة: أحكام من الله عز وجل يشرعها لعباده منهاجاً للحياة ليعملوا بها، وكذا كانت التوراة، ولذلك لما يذكر الله التوراة يقول: وَمِنْ قَبْلِه كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17] أي: من قبل القرآن، فلما كان كتاب موسى كتاب تشريع؛ كان هو كتاب التشريع الذي قبل القرآن، إذ القرآن كتاب تشريع من الله عز وجل ومنهج للحياة ختم الله عز وجل به الكتب، ونسخ به ما قبله، فجاء مهيمناً على الكتب السابقة، شاهداً على أنها جاءت من عند الله، وشاهداً بأن الأقوام حرفوا ما جاءهم من عند الله سبحانه، وناسخاً لما كان فيها من أحكام، وجاء بشرع من الله سبحانه ليعمل الناس به إلى أن يأتي أمر الله وتقوم القيامة.

    ففي الآية يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم على وجه المواساة والتسلية وليدخل في قلبه الطمأنينة: اطمئن لست بشيءٍ غريب ولا بشيء جديدٍ، ولست بدعاً من الرسل، فقد كان من قبلك موسى، وقد أتاهم بالكتاب فأوذي، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوذي يقول: (رحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوذي أذاً شديداً لكن قوله يعد من باب التواضع.

    بيان كيفية اختلاف بني إسرائيل على موسى

    قال الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ [فصلت:45] أي: اختلف الناس على موسى عليه الصلاة والسلام، وقد رأينا في مواطن سابقة من كتاب الله عز وجل كيف كان اختلاف اليهود على موسى عليه الصلاة والسلام، فقد كان يأمرهم بالشيء فيعارضون، ويأمرهم فيرفضون تنفيذ هذا الأمر حتى تأتيهم من عند الله آية من الآيات فيخافون ويرجعون إلى الطاعة، وسرعان ما ينقلبون إلى المعصية، وظلوا على هذا الحال حتى مات موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو يتعامل معهم معاملة الراعي مع غنمه، كلما تاهت جمع الراعي شأنها، وكذلك كانت بنو إسرائيل مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    معنى قوله تعالى: ( ولولا كلمة سبقت من ربك )

    قال الله عز وجل: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [فصلت:45]، وبمعناها قوله تعالى في سورة الشورى: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [الشورى:21]، قوله: (لولا) عدة من الله أي: وعد من الله سبحانه أن يؤخر عقوبة العباد إلى يوم المعاد، وأن يجازيهم يوم القيامة على أعمالهم ولا يستأصلهم في الدنيا، ولولا أنه سبق لفعل الله بهم ما يستحقون من العذاب في الدنيا قبل الآخرة، وإنما سبقت هذه الكلمة من الله لحكمة منه سبحانه تبارك وتعالى، ولبيان أن هؤلاء المشركين أبا جهل وأمثاله يستحقون العقوبة في الدنيا، فالله عز وجل يذكر أنه وعد أن يؤخر العذاب ليوم القيامة وإلا لاستحقت قريش كلها أن يستأصلها الله سبحانه تبارك وتعالى إلا من آمن منهم.

    إن الله بحكمته سبحانه، وبعلمه سبحانه، وبقضائه وقدره قدر أن يكون هؤلاء كفاراً وأن يخرج من أصلابهم من يعبد الله كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه بذلك، فـأبو جهل زعيم المشركين وفرعون هذه الأمة لعنة الله عليه كان ابنه عكرمة بن أبي جهل ممن آمن وأسلم ودخل في دين الله سبحانه تبارك وتعالى، وابنته فاطمة بنت أبي جهل أيضاً أسلمت وقد أراد قومها أن يزوجوها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لا تجتمع فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم مع بنت أبي جهل)، فعلم أنه لا يصح أن يجمع علي بين فاطمة بنت النبي وفاطمة بنت أبي جهل، وكان له الخيار أن يتزوج إحداهما؛ لأن ما تعرضت له فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها من أذى طول حياتها مع النبي صلى الله عليه وسلم كان كافياً، فقد كانت تؤذى وترى الأذى في أبيها صلوات الله وسلامه من قومه فتخرج لتدفع عنه أذاهم، وقد جاءوا ذات مرةٍ بسلا جزور ووضعوه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة، وظل على ظهره حتى أزالته فاطمة رضي الله عنها، وليس ذلك البلاء فحسب فقد ماتت أمها في حياتها، ومتن أخواتها في حياتها، ومات إخوانها في حياتها، وبقيت هي، أفبعد كل هذا الابتلاء تبتلى بأن يتزوج علي عليها؟! فمثل ذلك لا ينبغي أن يكون، ولا يصح أن تجتمع فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم مع بنت أبي جهل عند علي رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    والغرض بيان أن الرجل المجرم أبا جهل كان كافراً، وكان في صلبه بقضاء الله من كان بعد من المسلمين، ومثل أبي جهل الوليد بن المغيرة فإن ابناه خالد بن الوليد وهشام بن الوليد مؤمنان، ومثلهما: العاص بن وائل فقد كان ابنه عمرو بن العاص رضي الله عنه مؤمناً، فالله قدر أن يخرج من أصلاب هؤلاء الكفرة المجرمين من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، فقد سبق الوعد من الله أنه لا يستأصل هؤلاء جميعهم وذرياتهم، وإنما يحلم ويصبر سبحانه تبارك وتعالى، وإن عاقب البعض ترك البعض ليكون من أصلابهم وذرياتهم من يعبد الله سبحانه.

    معنى قوله تعالى: (وإنهم لفي شك منه مريب)

    بعد أن بين الله للكافرين بأنه لا يهلكهم جميعهم لحكمة منه سبحانه، بين موقفهم من القيامة فقال: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [فصلت:45] أي: إن هؤلاء الكفار لفي شك عظيم موقع للريبة في قلوبهم، فشكهم في يوم الدين وقيام القيامة والبعث شك عظيم، وكلما أخبرهم الله عز وجل أن هناك يوم قيامة وفيه بعث وحساب يتشككون في ذلك شكاً عظيماً.

    وقوله: مِنْهُ مُرِيبٍ [فصلت:45] أي: موقع للريبة وهي الشك العظيم في قلوبهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ...)

    قال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] أي: إن العبد هو المستفيد من عمل نفسه، أما الله فلا يستفيد من عمل عبده شيئاً، إذ أن العبد مخلوق فقير بطبعه وبذاته وبأصل خلقته، والله الغني الحميد سبحانه تبارك وتعالى، فمهما عمل العبد من عبادة فإنه هو المنتفع بها في النهاية، ولن ينتفع الله عز وجل بشيءٍ منها؛ لأن الله غني لا يحتاج إليك ولا إلى عملك، وإنما خلقك لينفعك أنت، فأنت المنتفع أولاً وآخراً، وإذا عصى العبد ربه سبحانه لم يضر الله شيئاً بعصيانه؛ لأنه لا يبلغ أن يملك الضر لنفسه فكيف يضر ربه سبحانه؟! ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال رب العزة سبحانه: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).

    والله لا يظلم أحداً قال سبحانه: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال أيضاً: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وكررها في مواضع أخر من القرآن، فالله سبحانه لا يظلم أحداً شيئاً، أما الإنسان فتراه يظلم غيره بأخذ ما في يده أو غيرها من صور الظلم، وذلك بسبب الطمع في الدنيا، فمن أراد منصباً في الدنيا.. أو ذرية أو امرأة أو مالاً وغيرها من مطامع الدنيا تجاسر ليأخذ ما في يد الغير، ويقع من الإنسان هذا الظلم؛ لأنه محتاج إلى هذه الأشياء وغيرها من أسباب الدنيا، أما الله عز وجل فإنه غني عن ذلك فكيف يظلم وهو يملك كل شيء سبحانه تبارك وتعالى؟!

    وفي الحديث أخبر الله عز وجل أنه حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأخبرهم أنهم لو اجتمعوا جميعهم وسألوا الله سبحانه تبارك وتعالى، فسأل كل مسألته، فأعطى الله الجميع، ما أنقص ذلك من ملك الله شيئاً! قال في الحديث: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط -الإبرة- إذا أدخل البحر).

    فالله سبحانه تبارك وتعالى غني، وغناه عظيم جداً، فلو أن كل خلق الله عز وجل سألوا الله كل ما يتمناه كل واحد منهم، فأعطى الله الجميع مسائلهم، لما نقص ذلك مما عند الله إلا كما تضع إبرة في البحر، وانظر ما تخرج هذه الإبرة من ماء البحر!

    ثم يقول سبحانه لعباده: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)، ومن ذا الذي يبلغ نفع الله لينفع الله أو يبلغ ضر الله فيضر الله؟! إن الله هو القوي القادر الغالب، وهو الغني الحميد سبحانه تبارك وتعالى، يجازي العباد بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    قال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت:46] أي: هو المنتفع بعمله، فهو من يدخل الجنة، فمنفعة عمله تعود لنفسه، وكذا إساءته قال تعالى: وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46] أي: أنه يعذب في النار بسبب إساءته، فهو يستحق هذا العذاب ولم يظلمه ربه سبحانه تبارك وتعالى شيئاً؛ لأنه هو الذي أودى بنفسه إلى ذلك فاستحق العذاب بسبب ما اقترفت يداه، لا أن ربه ظلمه.

    البلاغة في قوله: (وما ربك بظلام للعبيد)

    قال سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، فالله لا يظلم أحداً.

    قد يقول قائل: هل التعبير بِظَلَّامٍ [فصلت:46] أفضل أم بظالم أفضل؟ للتفريق بينهما نقول: إن قولنا: فلان ليس ظالماً أي: لا يظلم الشيء القليل، أما قولنا: فلان ليس ظلاماً. أي: لا يظلم كثيراً؛ لأن ظلام صيغة مبالغة، فهل يمكن أن يظلم قليلاً؟! الصحيح أننا لا بد أن ننظر إلى الظلم من جهتين: كيفية الظلم، وكمية الظلم، فإننا سنجد أن هذا الباب من باب كم يظلم وليس من باب كيف يظلم، ونضرب لذلك مثلاً: لو أن رجلاً أمامه عشرة مليون جنيه ثم لم يمد يده إليها؛ لأنه لو مد يده إليها لكان ظالماً، ولو أن آخراً كان أمامه جنيه واحد ثم لم يمد يده عليه لأنه لو مد يده إليه لكان ظالماً، والفرق بين الاثنين: أن الثاني لم يمد يده على الجنيه؛ لأنه جنيه واحد، فربما تركه استحقاراً له، وربما لو وجد أمامه أكثر لمد يده، أما الأول فإنه إذا لم يمد يده إلى ملايين فإنه قطعاً لن يمد يده إلى جنيه واحد، وهذا معنى الكم الذي في قوله تعالى: مَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، سبحانه تبارك وتعالى، وله المثل الأعلى، فإذا كان الله لم يظلم كثيراً فهل سيظلم القليل سبحانه وتعالى؟! قال الله عن نفسه: مَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] أي: لا يظلم عبيده سبحانه، فهو لا ينتفع من وراء ذلك لا بالقليل ولا بالكثير حاشا له سبحانه تبارك وتعالى، فكأن الحكمة في التعبير عن الكم: أن الذي يظلم كثيراً يريد أن ينتفع كثيراً، فإذا كان لا يريد النفع الكثير فهل يطلب النفع القليل حاشا لله سبحانه تبارك وتعالى! وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.