إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [8 - 12]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل على كل شيء قدير، لا يعجزه سبحانه وتعالى شيء، خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو عز وجل قادر على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه سبحانه خلقها في ستة أيام لحكمة عظيمة أرادها سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:8-12].

    يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات العظيمة عن فضله على المؤمنين بعدما أخبرنا عما أعده للمشركين من عذاب أليم حيث قال: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7] ثم ذكر المؤمنين وما أعد لهم سبحانه تبارك وتعالى فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت:8]، وقد ذكرنا ذلك في الحديث السابق، وأن الله سبحانه تبارك وتعالى أمر الخلق بالإيمان بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، أمرهم بالإيمان، وهو التصديق واليقين والإقرار بالقلب وباللسان، فالتصديق في القلب ويتبعه القول باللسان، ويتبع ذلك العمل بالجوارح والأركان.

    قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [فصلت:8] لا بد من العمل الصالح؛ حتى يستحق الإنسان أن يدخل الجنة وينجيه الله عز وجل من النار، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يتفضل الله عز وجل عليهم بكرمه الواسع وبرحمته التي وسعت كل شيء فيدخلهم جنته ويعطيهم الأجر العظيم الذي لا نهاية له.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت:8] أي: غير مقطوع، فلا يقطع عنهم ولا نهاية له، فيعطيهم أجرهم بغير حساب، ليس محسوباً عليهم أنه من يوم كذا إلى يوم كذا فقط وينتهي هذا الشيء، فإذا كان كذلك فهو المقطوع وهو المحسوب، فالأجر لا ينقص منه شيء، ولا يقطع عنهم، بل هو أجر عظيم عند الله سبحانه، أجر بغير حساب.

    معنى آخر لقوله: (غير ممنون): أي: لا يمن عليهم به، فالإنسان في الدنيا قد يعطي لغيره المال ثم يمن عليه، فالإنسان إذا من عليه آخر يستشعر بهذا الشيء الذي يقوله له ويتحسر في نفسه، أما في الجنة فلا حسرة فيها، ولكن الله يمن على عباده سبحانه ولا يوبخهم ولا يبكتهم إذا دخلوا الجنة، بل لهم النعيم العظيم الذي لا يقطع عنهم، ولا يمن عليهم بشيء من ذلك، وهذا من فضل الله الواسع.

    وقد علمنا الله عز وجل في القرآن أننا نعطي ولا نمن في العطاء، فقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] أي: لا تعطي العطاء مستكثراً لهذا الذي أعطيت، ولكن مهما أعطيت فانظر إليه على أنه قليل، فلا تمنن تستكثر: لا تعطي وتطلب من الناس أن يردوا إليك ذلك، فعلمه سبحانه الكرم العظيم الذي يليق به صلوات الله وسلامه عليه، الكرم العظيم الذي يليق بتأديب الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا أعطيت للخلق فلا تنتظر المقابل، ولا تنتظر الأكثر مما أعطيت، وإذا أعطيت للخلق فلا تمن عليهم بما أعطيت، ولذلك لما جاء رجل من الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عليه الصلاة والسلام شيئاً وأسلم الرجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع الرجل في غاية الفرح والسرور إلى قومه يقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر!

    يعني: الظاهر أن هذا عنده غنى كثير جداً لا يخاف من الفقر، أعطاني غنماً بين جبلين، فاذهبوا فسيعطيكم هذا.

    النبي صلى الله عليه وسلم علمه ربه فقال: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] لا تعط عطاءً مستكثراً على من أعطيت هذا العطاء، ولا تعط وتطلب المقابل على ذلك، إلا أن تطلب منهم الإيمان والإسلام، قال عز وجل: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، أي: ولكن راعوا المودة التي بيني وبينكم، وراعوا القرابة التي بيني وبينكم، ولا أسأل أحداً من الخلق شيئاً، إنما أسأل ربي سبحانه تبارك وتعالى بهذا العطاء الغير ممنون.

    وقد وصف الله عز وجل عطاءه سبحانه بأنه غير ممنون، ووصفه بـأنه غير مجذوذ فقال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] غير مجذوذ من الجذاذ، والجذ: القطع، فعطاء الله سبحانه لا ينقطع عن عباده إذا أدخلهم جنته، فإنه يعطيهم من فضله ومن رحمته سبحانه، ولا يقطع عنهم هذا الفضل العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ... )

    ثم قال تعالى بعد ذلك للخلق: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت:9] أي: إنكم تكفرون بالله سبحانه الذي خلق هذا العالم الذي ترونه وخلق العوالم الأخرى التي لا ترونها، ولكن يخبركم الله عز وجل عنها وكيف خلقها وفي أي زمن خلق الله عز وجل ذلك، وهذا يدلنا على قدرته العظيمة، قال عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] والله سبحانه تبارك وتعالى هو الحليم الكريم الصبور سبحانه تبارك وتعالى، فربنا يرينا قدرته ويرينا حلمه سبحانه تبارك وتعالى، ويرينا الأشياء المتقنة؛ فإنه أتقن كل شيئاً خلقه سبحانه تبارك وتعالى، وكل شيء مخلوق بإتقان ومخلوق في الموضع الذي يريده الله سبحانه، قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:2-3]، فيخلق كل شيء وهو الخالق البارئ المصور، قدر سبحانه وأعطى لكل شيء صورته، وهذا جليل في خلقه سبحانه تبارك وتعالى يرينا إياه حتى نعتبر، وحتى ننظر في قدرته العظيمة سبحانه تبارك وتعالى.

    قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا [فصلت:9] أنتم مقرون بأنه الذي خلق هذه الأرض، وهو الذي خلق هذه السماوات، فكيف تجعلون له أنداداً وشركاء؟ ماذا خلق هؤلاء الشركاء وهؤلاء الأنداد؟ خلق الله الأرض في يومين والله على كل شيء قدير، فهو سبحانه قادر أن يخلق الأرض وحدها في أيام كثيرة، وقادر على أن يخلقها في لحظة واحدة، ولكنه سبحانه أرانا حلمه وإتقانه، خلقها في يومين، فالله على كل شيء قدير: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فإذا قال للأرض: كوني أرضاً تكون أرضاً، وإذا قال للسماء: كوني سماءً تكون سماءً، وإذا قال: كوني جبالاً وبحاراً وأنهاراً وأشجاراً تكون كما يريده الله، ولكن أرانا أن هذه الأشياء خلقها في ستة أيام كما سيأتي التفصيل.

    قوله: ( قل أئنكم ) هنا همزتان في كلمة: الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفيها قراءات للقراء كل على أصله، فيقرأ قالون عن نافع وأبو جعفر وأبو عمرو : (قل أأنكم) يعني: إدخال ألف بين الهمزتين مع تسهيل الهمزة الثانية، وقراءة ورش عن نافع ، وقراءة ابن كثير ، وقراءة رويس أيضاً عن يعقوب : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ [فصلت:9]، وقراءة باقي القراء: (قل أئنكم) إلا أن هشاماً عن ابن عامر له ثلاثة وجوه فيها: فيقرأ (أَئِنَّكُمْ) كغيره، وبالإدخال (أآئنكم)، وبالإدخال مع التسهيل (قل أآنكم) هذه ثلاث قراءات له.

    قوله: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:9] يعني: أنه عز وجل خلق الأرض وقال لها: كوني أرضاً، في يومين، فكيف تجعلون له أنداداً؟ والند: النظير والمثيل والشريك والشبيه، فكيف جعلتم لله أشباهاً ونظراء له تعبدونهم من دونه؟ وما الذي فعلوه حتى تعبدوهم؟ إن الخالق العظيم هو الله وحده لا شريك له رب العالمين الذي يقدر ويربي سبحانه تبارك وتعالى ويخلق ويرزق سبحانه، الرب الصاحب لكل شيء، المالك لكل شيء، مالك العالمين، ورب كل عالم: عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الدواب، وعالم الحشرات، وعالم السموات، وعالم الأرض، وعالم الملائكة، وكل عالم داخل تحت ربوبية رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ... )

    قال تعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10] هذا من قدرته سبحانه تبارك وتعالى وإتقانه لكل شيء، خلق هذه الأرض في يومين، وأوجد فيها ما فيها من أشياء في يومين، فخلق الأرض وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين، فهنا كأنه يقول لنا: إنه خلق الجبال الرواسي التي ترسو فوق الأرض وترسي هذه الأرض فتثبتها بأن لا تميل بكم، فجعل في الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها وأخرج منها النماء وجعل فيها البركة، وخلق فيها أرزاق العباد، وقدر فيها أقواتها، والأقوات: ما يحتاجه أهل الأرض، وكل ذلك بتقدير الله سبحانه تبارك وتعالى، فقد قدر في كل زمان وفي كل مكان أرزاقهم وأقواتهم، وكلها محسوبة معلومة عند الله سبحانه تبارك وتعالى تامة غير ناقصة، ولو أنهم أحسنوا وعبدوا الله سبحانه لأتى كل إنسان رزقه من عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10] جعل الله الرواسي في الأرض وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين، وفي اليومين الأولين خلق فيها الأرض، فيكون المجموع أربعة أيام سواءً للسائلين.

    وهل تلك الأيام متصلة؟ لا؛ كأنه فصل بين خلق الأرض وبين إيجاد الجبال فوقها والأقوات فيها بخلق السماوات في يومين، فخلق الأرض في يومين، وسوى السماوات في يومين، وجعل في الأرض الرواسي والأقوات في يومين، والمجموع ستة أيام، ففي هذه الآيات يخبرنا عز وجل عن مجموع الأيام التي خلق فيها هذه الأرض وعن كون الأرض، وذكر الله سبحانه أنه خلقها وقدر فيها الأقوات والأرزاق في أربعة أيام سواءً للسائلين، لكن يخبرنا في آية أخرى عن هذه الأرض فيقول: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:30-33]، وقال قبلها: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات:27-29]، ثم قال: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ [النازعات:30] دحاها: أي بسطها، وجعلها مبسوطة، والأرض خلقها الله سبحانه كروية، ولكن في نظر الناظرين وسع الأرض حيث جعلها أمام الناظر يراها مستوية، فيقدرون على العيش فوقها.

    فكأن الخلق للأرض في يومين، وخلق السماء في يومين، ثم دحو الأرض وإخراج الأقوات منها في يومين بعد ذلك، هذا ظاهر قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات:27] ثم ذكر بعد ذلك: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30] أي: بعدما خلق السماوات وسع الأرض وبسطها للعباد، وجعل فيها الجبال الرواسي، وأخرج منها الأقوات، وقدر فيها ما شاء وبارك فيها سبحانه، فكان خلق الأرض في أربعة أيام سواءً للسائلين.

    والله عز وجل جعل الجبال الراسية التي هي فوق الأرض لتثبتها ولترسي هذه الأرض من فوقها، وجعل فيها البركة والنماء، وما خلق الله عز جل لعباده من أشياء وقدر فيها من أقوات رزقاً للعباد إلى أن تقوم الساعة وتفنى الأرض ومن عليها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين.

    وقوله: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10] كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا سئلت عن ذلك فالذي قلناه لكم: خلقنا الأرض في أربعة أيام سواء، أي أربعة أيام مستوية تامة، فهذا الجواب لمن سأل، ومن لم يسأل فهذا موجود في كتاب الله عز وجل.

    فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10] أي: قدرنا ما في هذه الأرض من أقوات ومن أرزاق على قدر حاجة المحتاجين، فإذا جاء من يسأل: كيف خلق الله عز وجل؟ وفي أي شيء خلق الله سبحانه؟ فأجبه بذلك، ومن سأل الله: يا رب! ارزقني، يا رب! أطعمني، يا رب! اسقني، فقد جعل الله عز وجل فيها لكل سائل حاجته، فجعلنا هذه الأشياء في هذه الأرض لمن يحتاج إليها، فمن يسأل الله شيئاً يجد ما رزقه الله سبحانه وما أعطاه الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10] هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر (سواءٌ للسائلين) أي: هي سواء، وقرأها يعقوب : (سواءٍ للسائلين) على الوصف للأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... )

    قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] هنا استوى بمعنى: قصد وعمد وتوجه إليها ليفعل ما يريد سبحانه تبارك وتعالى، وهذا غير استوى على العرش، فاستواء الله على العرش استواء معلوم؛ فالله سبحانه مستوٍ على عرشه، استواء كيف يشاء وكما يشاء سبحانه تبارك وتعالى.

    وهنا استوى إلى السماء بمعنى: عمد إليها وقصد إليها بالفعل وبالخلق سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: وَهِيَ دُخَانٌ كانت دخاناً فأوجد الله عز وجل منها السماوات، فسمكها وجعل لها كسفاً وجعل لها سمكاً، وجعل فيها أهلاً، فخلق ملائكة وسكاناً لكل سماء.

    قال سبحانه: فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت:11] الله عز وجل يأمر السماوات أن تطيع، ويقول لها: أطيعي أمري شئت أم أبيت، والأرض كذلك، هذا الجماد الذي خلقه الله جعل فيه ما ينطق ويجيب ربه، والله على كل شيء قدير، ولا عجب في ذلك أن تنطق السماء وأن تجيب الأرض، والإنسان مخلوق من تراب هذه الأرض، وجعل الله عز وجل فيه ما ينطق ويتكلم ويجيب ربه سبحانه، كذلك السماوات والأرض، قال تعالى: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت:11] أطيعا ولبيا أمر الله سبحانه قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] الجماد أتى ربه طائعاً، والأرض تخرج أرزاقها كما يأمرها الله سبحانه، والسماء تنزل بركاتها، والكل أطاع الله وعبد الله طائعاً إلا الإنسان؛ فكثير من الناس حق عليهم العذاب.

    قال تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12]، خلق السماوات، هذه السماء العظيمة نرى فيها قدرة الله البديعة العظيمة، والأرض أصغر من السماء بكثير، فجعل سبحانه للأرض أربعة أيام، وجعل للسماوات التي هي أعظم بكثير يومين، ليرينا قدرته، وأنه لا يعجزه شيء، فالشيء العظيم يخلقه.

    كما أنه سبحانه يبعث عباده يوم القيامة وهو قادر في لحظة أن يحاسب الجميع، لكنه جعل للحساب يوماً طويلاً مقداره خمسون ألف سنة؛ ليحاسب فيه العباد، وهو قادر على أن يحاسبهم في لحظة كما أنه يفني الأرض ومن عليها في لحظة، ويحيي العباد في لحظة، والله على كل شيء قدير يرينا قدرته على أن يطيل علينا الأيام والليالي وعلى أن ينقصها ويقللها، والله على كل شيء قدير، قال: وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:12].

    وللحديث بقية إن شاء الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.