إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [1 - 6]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن منزل من الرحمن الرحيم، والرحمن ذو الرحمة العامة لجميع الخلق، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الدار الآخرة، والله سبحانه فصل في هذا القرآن آياته ووضحها، لكن من أعرض فإنه لا ينتفع بهذا القرآن ولا يتعظ بما فيه.

    1.   

    مقدمة بين يدي تفسير سورة فصلت

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:1-5].

    هذه السورة كما ذكرنا في حديث سابق هي السورة الحادية والأربعون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وسورة فصلت هي واحدة من سور الحواميم السبعة في كتاب الله عز وجل، واختصت بسجدة فيها، ولذلك تسمى بسورة حم السجدة؛ لأن فيها سجدة.

    سورة فصلت سورة مكية، ويبدأ الله عز وجل هذه السورة كغيرها من سور الحواميم بالحرفين: (حم)، إشارة إلى أن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف العربية التي تتكلمون بها، وتصيغون بها خطبكم وشعركم ونثركم وغير ذلك، فيتحداكم ربكم سبحانه أن تأتوا بسورة من مثله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم)

    قال الله تعالى: حم [فصلت:1].

    هذان حرفان: حرف الحاء وحرف الميم، ولا شك أن هذه الحروف في فواتح السور من أسرار كتاب الله سبحانه وتعالى، ومهما قال العلماء من أسباب أو ما يبدو لهم من أسباب وحكم فقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن ليس معناه: أن هذا هو السبب الذي من أجله جعل الله عز وجل ذلك؛ لأن السبب لا يقال إلا بنص حديث للنبي صلى الله عليه وسلم، فطالما أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، فغايته أن يجتهد العلماء فيبينون شيئاً من الحكم في ذلك.

    قوله: (حم) يقرؤها الجمهور: (حم)، تمد الحاء مداً طبيعياً حركتين، والميم تمد مداً طويلاً ست حركات، أما أبو جعفر فيقرؤها بالتفريق بين الحاء والميم، فهو يفصل: حاء، ميم، ويسكت بينهما سكتة بغير تنفس؛ لبيان أنها ليست كلمة وإنما هما حرفان، وفي كل فواتح السور التي في أول السور من الحروف يقرؤها بالفصل وبالسكت بينها بسكتة بغير تنفس؛ لبيان أن هذه ليست كلمة، فيقرأ: الم [البقرة:1] ألف، لام، ميم؛ لبيان أن هذه ليست كلمة واحدة، وإنما هي ثلاثة أحرف، كذلك قوله تعالى: طه [طه:1] يسكت بينهما سكتة؛ لبيان أن هذا ليس اسماً وليس كلمة، ولكنهما حرفان: طاء وهاء، وغير ذلك من الحروف في فواتح السور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)

    قال الله تعالى: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2].

    كأن هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، وذكروا غير ذلك.

    والتنزيل هو مصدر من نزل تنزيلاً، فنزل القرآن من عند الله عز وجل، نزله تنزيلاً عظيماً، فيه عظمة ربنا سبحانه وتعالى في إنزال هذا القرآن من السماء إلى بيت العزة، ثم مع جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ينزل ليلاً وينزل نهاراً، وينزل في مكة وينزل في المدينة، وينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ما يحتاج إليه الخلق، وبحسب ما يجد من أحداث.

    قوله: (تنزيل) أي: نزل هذا القرآن من عند رب العالمين الذي في السماء سبحانه وتعالى، قال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] فنزل هذا القرآن من السماء من عند رب العالمين سبحانه الذي هو الرحمن الرحيم.

    والرحمن الرحيم اسمان لله عز وجل فيهما وصف الرحمة له سبحانه وتعالى، وكلاهما على صيغة مبالغة. (الرحمن) على وزن فعلان، و(الرحيم) على وزن فعيل، فالله عز وجل الرحمن العظيم الرحمة، وكذلك الرحيم العظيم الرحمة، والرحمن ذو الرحمة العامة بخلق الله سبحانه وتعالى، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، والرحمن لا يوصف به غير الله سبحانه، فهو عام في الإطلاق خاص في المسمى، فالله عز وجل وحده سبحانه الذي له هذا الاسم، والرحيم صفة لله عز وجل وقد يوصف بها خلقه، فيقال: فلان رحيم، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، أما الرحمن فيقول: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: لا يوجد أحد اسمه الرحمن غير الله عز وجل، لا إله إلا هو، فهو الله وهو الرحمن سبحانه لا يتسمى بذلك سواه سبحانه وتعالى.

    ولذلك المشركون قالوا مغالطين للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنت تزعم أنك تدعونا إلى التوحيد وأنت تشرك فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم فتذكر الله وتذكر الرحمن؛ فقال الله عز وجل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110])، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة) أي: من حفظها وعرف معانيها واستعملها فيما ينبغي فهذا يدخل الجنة.

    إذاً: الرحمن العظيم الرحمة سبحانه وتعالى بخلقه جميعهم، والرحيم هو الذي اختصت رحمته بالمؤمنين في الآخرة، والرحمة تكون لمن مات على التوحيد ولمن لم يشرك بالله سبحانه وتعالى، قال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:156-157].

    والقرآن نزل من عند الرحمن سبحانه العظيم الرحمة بجميع خلقه، لذلك أنزل الله عز وجل القرآن هداية لخلقه جميعهم، ولم يجعله مخصوصاً لطائفة دون طائفة، وإنما نزل للعالمين، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم للعالمين للناس كافة، وهو الرحيم سبحانه الذي يرحم عباده المؤمنين ويدخلهم جنته سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون)

    قال الله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3] أي: هذا الكتاب كتاب قد فصلت آياته، فسماه الله عز وجل القرآن وسماه الكتاب، فهذا القرآن العظيم كتاب مكتوب جاء من عند رب العالمين سبحانه، حفظه النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه المؤمنون.

    قوله: (كتاب فصلت) أي: فيه التفصيل وفيه التبيين.

    قوله: (فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: نزل قرآناً عربياً على هذا الحال، حال كونه فصله وبينه وفسره ووضح لنا ما نحتاج إليه، فهو سبحانه بين فيه الحلال والحرام، وبين الطاعة من المعصية، وبين فيه الوعد والوعيد، وذكر فيه الجنة والنار، فكلما قرأت فيه استفدت منه ما يريده الله عز وجل لك وبك.

    قوله: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: في حال كونه قرآناً مقروءاً يقرأ، جمع في كتاب وجمع في الصدور، وأصل القرء بمعنى: المجموع، وقرأت الشيء يعني: جمعته فتلوته، وهذا القرآن المجموع في هذا الكتاب المحفوظ في صدور المؤمنين الذي يتلونه بلسان عربي مبين.

    قوله: (قرآناً) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير بالنقل: (قراناً عربياً)، كذلك إذا وقف عليها حمزة يقف كـابن كثير : (قراناً)، لكن مع الوصل لـحمزة يقرأ: (قرآناً) وإن كان له السكت فيها أيضاً.

    قوله: قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3] أي: نزل القرآن على العرب الذين يعرفون هذه اللغة، ولم ينزل على أعاجم لا يفهمون، فالعرب يعلمون ما في هذا القرآن من معان، وما فيه من فصاحة وبلاغة، وما فيه من أحكام الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهو معجز، ولا أحد من البشر يقدر أن يأتي بمثله، فيعلمون أنه لا يأتي بمثله إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يتكلم بهذا الكلام العربي المبين إلا الذي جاء به من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    فقوله: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون هذه اللغة العربية، ويعلمون أنه إله واحد لا يستحق العبادة غيره سبحانه وتعالى، فنزلت هذه الآية تقريعاً وتوبيخاً لقريش، يعني: أنتم تفهمون ولستم جهلاء ولا أغبياء، فهذا كلام رب العالمين بلغتكم، عرفتم فصاحته وبلاغته فما الذي منعكم أن تؤمنوا به؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)

    قال الله تعالى: بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4].

    (بشيراً ونذيراً) أي: هذا حاله أنه فيه البشارة وفيه النذارة، والبشارة من البشر، بمعنى: الشيء السار الذي يغير وجه الإنسان وبشرة الإنسان، فالإنسان حين يأتيه الخبر السار يستبشر، وبشرته تتغير، فتجد أنه يتورد وجهه ويبدو عليه أثر الفرح، فهذه البشارة، أما النذارة: فهي الإنذار بالوعيد.

    إذاً: القرآن فيه البشارة، وفيه ما يسر المؤمنين، وفيه الوعيد الذي يخيف العصاة والكافرين.

    فلما جاءهم هذا القرآن العظيم أعرض أكثرهم، قال تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ [فصلت:4]، وهذه العادة أن يبعث الله الرسول فيؤمن به القلة من الناس، قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] فكأن القليلين هم الذين يؤمنون، والأكثرين هم الذين يتولون ويعرضون.

    قال: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4] أي: هناك فرق بين سماع وسماع، فإنسان يستمع فينتفع، وإنسان يسمع فلا يعي ولا يفهم، فهؤلاء كانوا يذهبون للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يكلمهم فيقولون: نسمع بآذاننا كلامك ولن يدخل قلوبنا، ولن نحاول فهم ما تقوله، فكانوا يخافون أن يدخلوا في دينه صلوات الله وسلامه عليه؛ حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم واستكباراً على الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه..)

    قال الله تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5].

    يعني: لا تحاول، فنحن نأتي ونسمع الكلام فقط، لكن هذا الكلام لن يدخل آذاننا، ولن يصل لقلوبنا.

    والأكنة: هي الأغطية الثقيلة، كأنهم جعلوا على قلوبهم أغطية ثقيلة، حتى لا يسمعوا كلام الله تعالى.

    وكانوا إذا جاءهم الرجل من خارج القبيلة يقولون له: احذر أن يسحرك محمد، احذر أن تسمع إليه وأن تذهب إليه، فهذا الرجل يخاف، فتجده حين يرى النبي صلى الله عليه وسلم يغطي وجهه بثوبه؛ حتى لا يكلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا شاء الله عز وجل أن هذا الإنسان يؤمن يذهب إليه ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتيتك وقد حلفت عدد هؤلاء ألا آتيك، يعني: عدد أصابعي العشر، ولكن يشاء الله أن يدخل الإيمان في قلب هذا الرجل، فيذهب ويسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن بعد ذلك، فكان الكفار لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي صلى الله عليه وسلم، ويحذرون الناس أن يدخلوا في دينه، فكان هذا قولهم.

    قوله: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت:5] يعني: قلوبنا بداخلها أغطية فلن نستمع إليك، وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ [فصلت:5] أي: في آذاننا صمم وثقل فهي لا تسمع ما الذي تقوله، وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5] أي: بيننا وبينك حجاب ومانع عظيم يمنعننا من أن ندخل في دينك، فالكبر والحقد والحسد جعل ذلك كله بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم مانعاً أن يتبعوه عليه الصلاة والسلام.

    قوله: فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5] أي: فاعمل بما يأمرك به ربك، إننا عاملون بما تأمرنا به أهواؤنا، فأنت اعبد ربك ونحن نعبد آلهتنا من دون الله، يعني: اعمل وكد لنا فإننا عاملون ونكيد لك، وهذا منهم منتهى الشر ومنتهى التبجح على النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أنت الذي تريده اعمله، وسنعمل الذي نحن نريده، لن نؤمن ولن نستمع إلى ما تقول، وإذا سمعنا لن نفهم ما هذا الذي تقوله، فكانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم المعجزات والآيات، ومع ذلك يقولون له: وما نظن أنك لو فعلت سنؤمن، يعني: حتى لو أتيت بهذه المعجزات فإننا لا نؤمن، نقول: طالما أنكم تنوون من البداية عدم الإيمان فلماذا تطلبون المعجزات؟! هذا هو حال المشركين فقد فضحهم الله عز وجل ووبخهم بذلك، وأخبر أنهم قوم خصمون، لا يجيدون إلا الجدل بالباطل، أما أنهم يجادلون من أجل أن يصلوا إلى الحق فلا، ليست هذه عادتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ...)

    قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6].

    أي: هو بشر مثلكم ليس ملكاً من الملائكة، وليس نوعاً آخر من غير البشر، فهو بشر من البشر يوحى إليه من عند ربه، لا يأتيهم بما يريدونه هم، ولكن بما يريده الله عز وجل أن ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتلوه عليهم.

    فقال: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [فصلت:6] خصيصة النبي صلى الله عليه وسلم أن ميزه الله عن الخلق بالوحي، مع أنه بشر خلق من أبوين صلوات الله وسلامه عليه، وأصله من تراب كغيره من البشر، ولكن ميز على البشر بالوحي من السماء، يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6] فهو سبحانه أمرهم بالاستقامة على دينه سبحانه، وحذرهم من الشرك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.