إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [2 - 4]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون حجة على الكافرين والمعرضين عن الحق، فقد أنزله بلسان العرب ولغتهم، وتحداهم أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، وسورة فصلت بدأها الله بـ (حم) مثل بقية الحواميم، ليبين عظمة كتابه، وقوة تعبيره، وجودة بلاغته، التي شهد لها أفصح العرب ممن عايش النبي صلى الله عليه وسلم من كفار قريش وغيرهم، ومع ذلك كذبوا وأعرضوا، وكأنهم لم يسمعوا ولم يعلموا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم. تنزيل من الرحمن الرحيم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فصلت: بسم الله الرحمن الرحيم. حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:1-5].

    بدأنا قبل ذلك في هذه السورة الكريمة سورة فصلت، وذكرنا كيف أن الله عز وجل بدأها مع سبع سور من كتاب الله عز وجل متوالية، من أول سورة غافر وحتى سورة الأحقاف، كلهن يبدؤهن الله عز وجل بحرفي حاء وميم (حم)، وهذه الحروف في هذا القرآن العظيم ذكر العلماء أن لها حكماً، وهذه الحروف سر من أسرار هذا القرآن العظيم، ولكن لا يذكر الله عز وجل في افتتاح السور حروفاً أو حرفاً أو حرفين إلا والغالب بعدها أن يشير إلى هذا القرآن العظيم، كما يقول تعالى هنا: حم * تَنزِيلٌ [فصلت:1-2] يعني: هذا القرآن نزله الله عز وجل من عنده.

    فقوله تعالى: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أي: نزل القرآن من السماء.

    وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح: أن القرآن نزل جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ونزل منجماً على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين، كلما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمر أو نزلت به حادثة أو احتاج إلى حكم من الأحكام نزل القرآن عليه يبين له ويفصل له ما يحتاج إليه؛ ولذلك قال تعالى هنا: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت:3]، فقوله تعالى: فُصِّلَتْ أي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجماً، يعني: مقطعاً، آية آية، سورة سورة، فهي آيات تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تنزل آيات غيرها وهكذا، وهذا معنى التنجيم، أي: نزل مقطعاً على حسب ما يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم من حوادث.

    قال الله عز وجل: تَنزِيلٌ لأنه نزل من السماء.

    وقوله: مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2] أي: من عند الله سبحانه الرحمن الرحيم، بمعنى: نزلت هذه الآيات من السماء التي تفيد علو الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فهو العلي العظيم سبحانه، والكبير المتعال سبحانه وتعالى، وهو الذي استوى على العرش، وهو الذي فوق السموات، قال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ [الملك:16]، وهو الذي ترفعون إليه أيديكم في الدعاء، كما ثبت في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان يدعو فيرفع يديه إلى السماء فيدعو ربه سبحانه وتعالى)، فأخبر الله عز وجل أنه نزل الكتاب العظيم من عنده، وذكر صفتين له في اسمين من أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم.

    من أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم والفرق بينهما

    الرحمن اسم من أسماء الله عز وجل الحسنى التي اختص بها، قال الرحمن: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، فلن تجد أحداً اسمه الرحمن مع الله عز وجل، فهو الرحمن وحده لا شريك له، ولذلك فإن الكفار أرادوا أن يفتروا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه يُعلم رجل من اليمامة اسمه: الرحمن، وقالوا: يأتي بالقرآن رحمان اليمامة، فكذبوا في ادعائهم، إنما الرحمن الواحد سبحانه، وما تسمى بهذا أحد سواه سبحانه وتعالى، فاختص بأنه الله، واختص بأنه الرحمن.

    أما الرحيم فهو اسم من أسمائه الحسنى سبحانه، وهي صفة جعل لخلقه أن يتصفوا بها، فالله يرحم من عباده الرحماء، كل إنسان رحيم من عباد الله عز وجل يرحمه الله، والراحمون يرحمهم الرحمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    وأخبرنا الله سبحانه عن نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام أنه جعله رءوفاً رحيماً عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ولكن الله عز وجل أعطاه رحمة من عنده، فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159].

    فقوله: فَبِمَا يعني: فبرحمة عظيمة من الله عز وجل جعلها في قلبك لِنْتَ أي: للمؤمنين، فأي رحمة عظيمة نزلت عليك وجاءتك من الله يتعجب من أمرها! فقد كان غاية في الرحمة والحنان صلوات الله وسلامه عليه، ولشدة شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم جميعهم كاد يهلك عليه الصلاة والسلام من جزعه على كفرهم؛ ولذلك عاتبه الله عز وجل فقال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] أي: ستهلك نفسك من الأسف ومن الحزن عليهم بسبب عدم إيمانهم والله تعالى يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144]، وأرسله الله نذيراً عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:23-24].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    وأخبر عن نفسه سبحانه فقال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43].

    إذاً: الله هو الرحمن الرحيم، والرحمن: صفة يختص بها سبحانه وتعالى، وهي صيغة مبالغة من الرحمة، ورحمة الله سبحانه وتعالى رحمة واسعة عظيمة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (الله قسم رحمته مائة قسم، أنزل منها قسماً في الأرض، وترك عنده -سبحانه وتعالى- تسعة وتسعين قسماً من رحمته يرحم بها عباده يوم القيامة)، وهذا القسم الذي أنزله الله في الأرض يتراحم به الخلق جميعهم، كلهم يرحم بعضهم بعضاً، فيجعل الرحمة في قلب الوالدة، وفي قلب الوالد على ولده، باختلاف خلقه من الإنس ومن الجن ومن الحيوان ومن الطيور، فجعل في قلوبهم رحمة يرحم الأب ولده بهذا الجزء من الرحمة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، حتى إن الحيوان ذا الحافر ليرفع حافره عن ولده لئلا يصيبه، وهذا من الرحمة التي جعلها الله عز وجل.

    فإذا جاء يوم القيامة أضاف هذه الرحمة إلى تسعة وتسعين قسماً من رحمته، ورحم بها عباده يوم القيامة، فهو الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى.

    والرحمن صيغة مبالغة والمعنى: ذو الرحمة العظيمة الواسعة العامة التي تعم جميع خلقه سبحانه تبارك وتعالى.

    فالرحمن فيها عموم وخصوص.

    والرحيم فيها عموم وخصوص أيضاً.

    فالرحمن: صيغة مبالغة من الرحمة العامة التي تعم الخلق جميعهم، فجعل في قلب كل واحد من خلقه شيئاً من الرحمة زادت أو قلت، في قلوب المؤمنين، وفي قلوب الكفار، وفي قلوب الحيوانات، وفي قلوب كل خلق خلقه الله عز وجل.

    كذلك يرحم الله عباده سبحانه، فالإنسان يرفع يديه إلى الله: يا رب يا رب، فيستجيب الله عز وجل له، يظلم الإنسان نفسه وغيره، فيقول المظلوم: يا رب -وقد يكون المظلوم كافراً- ويقول: يا رب فينتصر الله له ممن ظلمه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (دعوة المظلوم تصعد إلى السماء كالشرر ليس بينها وبين الله حجاب حتى وإن كانت من كافر).

    فالله هو الرحمن الذي رحم خلقه فأقام عليهم الحجة حتى يعرفوا الحق، فأرسل الرسل وأنزل الكتب لجميع خلقه، ليهديهم سبحانه وتعالى، وجعل فيهم العقول، وجعل فيهم الفطر، وجعل فيهم القلوب، فهذه صفة الرحمن تبارك وتعالى، فجعل للجميع ما يظهر لهم أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة لا شريك له حتى يؤمنوا به؛ لأنه الرحمن.

    والرحيم: صيغة مبالغة فيها عموم وخصوص، فالعموم في الرحيم أن الله سبحانه وتعالى جعل الرحيم لنفسه اسماً له، وجعله صفة لخلقه.

    إذاً: الله عز وجل هو الرحيم، ومن خلقه من يكون رحيماً أيضاً، ولكن هناك فرق بين الله الذي سمى نفسه الرحيم وهي صفة تليق بعظمته سبحانه وبين من يتصف من خلقه بأنه رحيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، وفرق بين رحمة الله العظيمة الواسعة ورحمة المخلوق المحدودة.

    والخصوص: أن الله سبحانه وتعالى رحيم بالمؤمنين، فقال عن نفسه سبحانه: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] .

    إذاً: هي صفة لله عز وجل يختص بأنه يرحم بها المؤمنين، وفي يوم القيامة إذا حشر الناس قنط الكافرون من رحمته سبحانه، وفتح الله للمؤمنين رحمته سبحانه وتعالى، فالرحيم اسم من أسمائه سبحانه، وصفة يرحم بها عباده المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته ...)

    ثم قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3] هذا الكتاب العظيم هو القرآن الذي بين أيدينا وكتاب الله سبحانه وتعالى، فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ التفصيل: التبيين، أي: البيان الواضح الجلي، فالمجمل الذي قد لا يفهمه الإنسان يحتاج إلى تبيين، فهذا القرآن يبين ما يشكل على الناس، ويفصل لهم ما يحتاجون إليه، بحيث لا يبقى عندهم إشكال ولا غموض في شرع الله سبحانه وتعالى، فهو المنزل كما قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195] أي: نزل على قوم يعلمون هذا اللسان، ويعقلون اللغة العربية، ويعقلون عن ربهم ما يريده منهم، فقال: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت:3] أي: بينت الآيات التي فيه.

    قوله: قُرْآنًا [فصلت:3] أي: نزل قرآناً، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور: قُرْآنًا بالهمزة، وقراءة ابن كثير المكي : قُرْآنًا عَرَبِيًّا[فصلت:3]، وكذلك إذا وقف عليها بالهمزة.

    وقوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3] يعني: نزل القرآن باللغة العربية، وهذا تشريف للغة العربية أن ينزل القرآن بهذه اللغة.

    فجاء هذا القرآن على قوم يعلمون أن الخالق هو الله سبحانه، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو، وهم يعترفون بذلك، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9] .

    وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] .

    ولئن سألتهم: لماذا لا تعبدون الله؟ أليس هو الذي خلقكم؟ ألا يستحق العبادة؟ قالوا: يستحق العبادة، ولكننا نعبد أصناماً حتى تقربنا إليه، نحن أقل شأناً من أننا نعبده مباشرة، فهذه واسطة بيننا وبين الله عز وجل حتى تقربنا، قال تعالى مبيناً قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فافتروا الكذب. ومن الذي قال لكم: اعبدوا هذه الأصنام وهي تقربكم إلى الله سبحانه؟ قال تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28].

    قوله سبحانه: قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3]، إذاً: يعلمون أنه خالقهم، وأنه الذي يستحق العبادة وحده، ومع ذلك أعرضوا، ويعلمون أيضاً أن هذا القرآن معجز، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فقد علموا ذلك، وكانوا يستمعون للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ويمشون وراءه وهو يذهب ليصلي عند الكعبة، ويقفون يتنصتون عليه في الليل؛ حتى يستمعوا إلى هذا القرآن، ويقول قائلهم وهو الوليد بن المغيرة : إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. هذا القرآن العظيم ما هو بقول البشر، بل كلام عظيم فيه حلاوة وعليه طلاوة، هكذا يقول الوليد بن المغيرة ، ومع ذلك لم يسلم هذا الرجل، فقد علموا أن هذا القرآن قرآن عظيم، وأنه معجز، وأنه ليس من قول البشر، وأنه لقوم يعلمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)

    قال تعالى: بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4] أي: جاء القرآن بالبشارة وجاء بالإنذار، يبشر المؤمنين ويخبرهم بما يسرهم وبما يفرحهم، فتظهر أثر الفرحة على وجوههم، يفرحون ويسرون بما يقوله الله وبما يعدهم من جنات ونعيم.

    ونذيراً لقوم يكفرون ويعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستجيبون له صلوات الله وسلامه عليه، فالقرآن ينذر من أعرض عن الله، ومن أشرك به، ومن عبد غيره، ومن عاند النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ[فصلت:4] أي: أكثر هؤلاء الذين استمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم أعرضوا عنه، وهذه عادة الأقوام مع رسلهم، فأول ما يواجه الأقوام المرسلين بالإعراض والإنكار والتوبيخ والتسفيه والرمي بالكذب، كذا فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ[فصلت:4]، صحيح أنهم قالوا: إن له لحلاوة، وعليه لطلاوة، ولكنهم سمعوا سمعاً لا ينتفعون به، فهم بلا سمع، كما أن الإنسان الذي يعلم علماً لا ينتفع به، كأنه لا علم عنده، فأخبر الله عز وجل عن المشركين فقال: فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ[التوبة:93]، لكنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا؛ لأن علمهم لا يتعدى الدنيا إلى ما عند الله سبحانه وتعالى من جنة ونار، ولا يتعدى إلى إيمان ويقين، كأنهم لا علم عندهم كذلك، قال الله تعالى هنا: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ[فصلت:4] أي: لا يستمعون استماعاً ينتفعون به، وإنما مجرد سماع كلمات تدخل في آذانهم، وهم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثلها، ومع ذلك يعرضون ويكذبون، فسمعوا ولم يفهموا ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، كما ستأتي في قصة عتبة بن ربيعة الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستمع إليه فتلا عليه هذه الآيات، ومع ذلك لم يفهم منها إلا التخويف فناشده الله والرحم ألا ينزل الله عز وجل عليهم عذاباً، ومع ذلك أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذب!

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.