إسلام ويب

تفسير سورة محمد [16 - 18]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ومبعثه صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة، وللساعة علامات صغرى وكبرى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر أكثرها، وسيظهر الباقي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ * فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:16-18].

    يخبرنا الله عز وجل في هذه الآيات عن صفة من صفات المنافقين، والفرق بينهم وبين المؤمنين أن المنافق: إنسان دخل في الإسلام وهو كاره له، لما رأى غلبة الإسلام وغلبة المسلمين أذعن ودخل في دين الله عز وجل، وأظهر هذا الإسلام، وأبطن الكفر، وعمل للإفساد بين المسلمين.

    والمنافقون أشد الناس على المسلمين، وأفسد الناس فيمن استطاعوا أن يفسدوهم من المسلمين، وهم أكثر الناس إدخالاً للفساد على بلاد المسلمين.

    والكافر معروف كفره، أما المنافق فبعض الناس يدافع عنه، وله أقرباء من الناس، ولذلك الناس يسكتون عنه؛ إكراماً لأقربائه؛ ولأنه يقول: أنا مسلم، يسكتون عنه، ويتغاضون عنه، أما هو فلا يسكت، بل يشيع الفاحشة بين المؤمنين، ويشيع الكلام الخبيث بين المؤمنين، ويظهر الكلام الذي يوهن في قوة المسلمين، وإذا جاء وقت الجهاد ووقت الحرب ووقت الغزو إذا به يتكلم عن الكفار بأنهم أقوى ما يكونون، وأن المؤمنين ضعفاء، ولا يقدرون على هؤلاء؛ توهيناً لقوة المسلمين.

    والمنافقون فضحهم الله عز وجل في سورة المنافقون، وأيضاً في سورة براءة، وهنا في هذه السورة ذكر صفة من صفات هؤلاء، وفي سورة براءة ذكر الله عز وجل كثيراً من صفاتهم.

    وهنا ذكر صفة من هذه الصفات فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16]، ومن هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين لعنة الله عليه وعلى أمثاله.

    ومن هؤلاء رجل اسمه رفاعة بن التابوت ، ورجل آخر اسمه زيد بن الصلت ، ورجل رابع اسمه الحارث بن عمرو ، وكان هؤلاء وغيرهم من المنافقين يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هناك غيرهم لا يعرفهم لكن الله يعرفهم، ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن بعض أسماء هؤلاء الذين يموتون على نفاقهم، فهؤلاء من أوصافهم التي ذكر الله عز وجل في كتابه أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم في لحن القول، فالمنافق يلحن بقوله فيعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما في باطن هذا الإنسان بما يظهر على فلتات لسانه.

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [محمد:16]، هنا استمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وهو يذكر ويقرأ القرآن، فكانوا يسمعون ساكتين، وحين يخرجون من عند النبي صلى الله عليه وسلم فكما قال الله: حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [محمد:16] يعني: حالاً، منذ وقت قريب، فالأنف: الشيء القريب.

    وفرق بين أن يسأل الإنسان آخر: ما عملت أمس؟ والسنة التي فاتت ماذا كان فيها؟ أما الذي سيسأل عما حصل في الأمس فستقول له: أنت تشك، أو يمكن أنك ناسٍ، والمنافقون يقول أحدهم للآخر: اترك النبي صلى الله عليه وسلم ولا تسمع منه شيئاً، فهو يقول كلاماً لا يدخل عقولنا، ولا يحفظ هذا الكلام، فيريدون أن يشككوا المسلمين، كعادة الإنسان الذي يستهين بمن يعلمه، وبمن يدرسه.

    قال تعالى: مَاذَا قَالَ آنِفًا أي: حالاً، يعني: الخطبة التي كان يقولها ماذا كان يتكلم فيها؟ فيحاولون أن يلقوا الشك في قلوب المؤمنين، فيسألون الذين أوتوا العلم: مَاذَا قَالَ آنِفًا ، والعادة أن صاحب العلم حوله من يتعلم منه، وحوله من يسمع له، فكان يأتي المنافق إلى مثل ابن مسعود رضي الله عنه وهو من فقهاء الصحابة فيقول له: ماذا كان يقول؟ يعني: الكلام الذي كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم كلام ليس مفهوماً، وكأن هؤلاء الناس الكبار ليسوا فاهمين منه شيئاً، ويشككون المؤمنين فيما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، ففضحهم الله عز وجل بهذا.

    وللمنافقين صفات أخرى كثيرة ذكرها الله، منها قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58]، وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49] وغيرها من الصفات.

    فمن صفاتهم: التشكيك فيما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهانة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء بكلامه عليه الصلاة والسلام، ودعوى أنه يقول كلاماً لا يفهم.

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [محمد:16]، إذاً: هم يظهرون أنهم لا يفهمون، والحقيقة أنهم وإن فهموا المعنى فقلوبهم في غفلة، وقلوبهم مختوم عليها، ومطبوع عليها، ولا يدخلها الإيمان لفسادها، ولذا قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [محمد:16] أي: ختم الله عليها، وجعل عليها أغشية فلا تفقه ولا تعي ولا تفهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وفرق بين أن يفهم الإنسان أن معنى الإيمان معنى التصديق، وأن يعقل الإنسان بقلبه ذلك فيستجيب له، فهذا استماع وهذا استماع، وهذا استمع للإيمان وهذا استمع للإيمان، ولكن أحدهما استمع ليشكك، والآخر استمع ليصدق، ففرق بين هذا وبين ذاك، فلذلك ذكر الله المؤمنين فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى .

    فالمنافق بسبب أنه يريد أن يستهين وأن يستهزء بالدين يطبع الله على قلبه، والمؤمن أقبل على الله، وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح قلبه تواضعاً لدين الله سبحانه؛ ففتح الله قلبه، وزاده إيماناً فوق إيمانه، فالمنافقون قال الله عنهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16]، فهم متبعون للهوى، وسيهوي بهم في نار جهنم والعياذ بالله! وأما المؤمنون فاتبعوا تقوى الله سبحانه تبارك وتعالى، فآتاهم تقواهم، وآتى كل إنسان من المؤمنين التقوى التي ينتفع بها في الدنيا بأن يسمع ويزداد إيماناً، وينتفع بها في الآخرة بأن يقيه الله عز وجل من النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]، في هذه الآية مسألة من مسائل العقيدة التي يؤمن بها المؤمنون، وهي أن الإيمان يزيد وينقص، كما قال تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، فالإيمان أصله التصديق، والذي يريده الله عز وجل ليس مجرد تصديق، ولكن التصديق الذي يدفع إلى العمل واليقين في القلب، فاليهود كانوا مصدقين بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يظهرون ذلك، بل يظهرون خلاف ما يعتقدونه، فإذا قالوا: أنت نبي، يستثنون ويقولون: ولكنك نبي الأميين، فهم مصدقون أنه صلى الله عليه وسلم نبي، وهم يعرفون بينهم وبين أنفسهم أنه نبي، والكفار كان في قلوبهم التصديق بأنه نبي صلى الله عليه وسلم، ولكن حسدوه صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: وأنى لنا نبي؟

    فهم يعرفون معرفة يقينية أن هذا رسول، ولكنهم لم يتبعوه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض اليهود وقد جاءوا إليه وسألوه وقالوا له: صدقت يا محمد! فقال صلى الله عليه وسلم: (فما يمنعكم أن تتبعوني؟) فهم كلهم يقولون: أنت صادق، وأنت نبي فعلاً، وقبلوا يديه ورجليه صلى الله عليه وسلم، فكما فلما قال لهم: (ما يمنعكم أن تتبعوني؟) قالوا: نخاف من اليهود، فهؤلاء ليسوا مكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس في قلوبهم أن هذا ليس نبياً، بل هم يعرفون في قلوبهم أنه نبي، بدليل أنهم يعترفون له بذلك، ولكن هذا لا ينفع، فمجرد كونك عرفت أنه نبي ولكنك لم تتبعه هذا لا ينفعك، بل لا بد من الاتباع، ولذلك قال: (ما يمنعكم أن تتبعوني؟) قالوا: نخشى من اليهود، والبعض الآخر قالوا: إن داود دعا بأنه لا يزال في ذريتي نبي، فنحن ننتظر نبياً من ذرية داود عليه وعلى نبينا الصلاة السلام.

    وكذبوا فيما قالوه للنبي صلى الله عليه وسلم، فالإيمان الذي يريده الله عز وجل ليس مجرد التصديق بأن هذا كتاب من عند الله، وأن هذا رسول من عند الله صلوات الله وسلامه عليه، ولكن المراد تصديق ويقين يدفع للاتباع، فيدخل الإنسان في هذا الدين، ويقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فإذا دخل الإنسان في الإيمان عمل الصالحات، وازداد إيماناً فوق إيمانه، فالإيمان يزيد وينقص، يزيد الإيمان بالطاعة، وينقص الإيمان بالمعصية.

    فمن اعتقاد المؤمنين أن الله عز وجل يزيد المؤمنين إيماناً، فيزدادون درجات من عند الله عز وجل، وبالمعاصي ينقص الإيمان، وليس المعنى أنه بالمعصية ينقص ويصير كافراً، ولكن المعاصي تتنوع، فقد تكون المعصية كفراً بالله سبحانه تبارك وتعالى، وأعظم ذلك الشك بهذا الدين والتكذيب بما جاء به سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.

    فالمؤمنون زادهم الله عز وجل هدى وآتاهم تقواهم، فيعين الله عز وجل المؤمن بأن يعطيه في قلبه ما يجعله يبصر أن هذا خطأ فيتقي الله، ويبتعد عن الخطأ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ...)

    قال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:18].

    هؤلاء المنافقون الذين يسمعون فلا ينتفعون، والذين يقولون لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: مَاذَا قَالَ آنِفًا، قال عز وجل عنهم: َهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ[محمد:18]، أي: ينتظرون الساعة فجأة فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا[محمد:18].

    يقول قتادة : الناس رجلان: رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع، يعني: هذا يسمع وهذا يسمع، ولكن إنساناً سمع فانتفع وآخر سمع فلم ينتفع.

    وكان يقال: الناس مع هذا الدين العظيم ومع كلام رب العالمين ثلاثة أنوع: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك.

    سامع عامل أي: يسمع ويعمل بما سمع، وسامع عاقل أي: عقل وفهم هذا الذي يقال، وسامع غافل تارك يعني: يسمع الكلام ولا يستجيب، وكأنه في واد بعيد، وهذا مثل كثير من الناس، فإنك حين تذكره بالله عز وجل يتضجر، ولو أنه عاقل لما تذكره به، وعرف أن هذا الكلام الذي تقوله سيسأله الله عز وجل يوم القيامة عنه لما تضجر، فتقول له: تعال صل، فيقول لك: ما لك دعوة، وهو لو يعقل الذي يقوله لما قاله، فهو لن يصلي لك أنت وإنما سيصلي لله سبحانه تبارك وتعالى، ولو كان يعقل لما قال هذا الشيء، ولكنه في هذا الحين يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بالكلام الذي لا يعقله بسمعه ولا بقلبه ولا ببصيرته، فيقول الكلام الذي يؤذيه، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)، فيغضب الله عز وجل بما يقول، وليس على باله أن هذه الكلمة عظيمة، فهذا الإنسان يستهزئ، ويستهين يالدين، فيا ترى هل فهم؟ ولو كان يعقل ويتخيل النار التي يلقى فيها يوم القيامة بسبب هذه الكلمة ما قال هذه الكلمة، ولكنه ذهب عقله، وغاب فهمه، فإذا به يتكلم بالكلام الذي يؤذي به نفسه يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه).

    قال سبحانه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً[محمد:18] أي: فجأة يوم القيامة، وقد عرفنا من الأحاديث أنها تكون يوم الجمعة، لكن أي جمعة؟ لا ندري، وهذه الساعة الكبرى، وأما ساعة أحدنا فتكون قبل هذه الساعة الكبرى.

    فهنا قال سبحانه: َهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً[محمد:18]، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى: أن المسافة يسيرة بين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبين الساعة، ويعدون السنين التي في الدنيا بآلاف السنين، بل يعدونها بالملايين من السنين، والله أعلم بها، والذي بقي من الدنيا وقت قليل، وإذا كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبعثت الساعة معه، فالمعنى: أنه أمر أن يقول للناس وينذر الناس ويبشر الناس، والساعة تليه صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: الساعة قريبة، كما قال الله سبحانه: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا[الأحزاب:63].

    وقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً[محمد:18] أي: فجأة فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا[محمد:18] أي: علاماتها، وكأنه مأخوذ من الشرط، والشرط: العلامة، ولذلك سميت الشرطة برجال الشرط، من أجل أنهم يلبسون علامات تميزهم عن غيرهم، فالشرطة والشَرَط والشُرَط والشُرْط والأشراط معناها: العلامات.

    وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الساعة وما يكون من أمر الساعة، وما الذي يحدث قبلها، سواء علامات الساعة الكبرى، أو علامات الساعة الصغرى.

    ذكر بعض أشراط الساعة

    قوله: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] ما هي أشراط الساعة؟ جاءت أحاديث في ذلك، منها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)، فهذه من أشراط الساعة، والساعة لها علامات كبرى، وهذه من العلامات الصغرى، وكلها تقع بين يدي الساعة، فإذا حدثت هذه الأشياء فانتظروا الساعة فإنها قريبة.

    وقوله: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم) يعني: يجهل الناس الدين، وفي أيام النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يهتمون بحفظ كتاب الله عز وجل، وبحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزالوا هكذا قروناً وراء قرون وراء قرون، إلى أن بدأ الناس يتركون دين الله، وبدأ يقل حفظهم لكتاب الله ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تجد الرجل الآن لعله لا يحفظ الفاتحة، فتقول له: اقرأ الفاتحة فلا يعرف يقرأ الفاتحة، وكم تسمع من ذلك، بل تجد إنساناً كبيراً في السن ويصلي وعمره نحو ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر فتقول له: اقرأ لي الفاتحة، فيخطئ فيها، ولا يعرف أن يقرأ الفاتحة، وما أكثر هؤلاء رجالاً ونساءً، فيضيع العلم، حتى القرآن العظيم ينسى، فترى الإنسان الذي يتكلم عن القرآن يقول لك: ربنا يقول كذا، ويأتي بمثل من الأمثلة! لا يفرق بين القرآن وبين كلام البشر!

    وقوله: (يرفع العلم ويظهر الجهل)، أي: يتأصل الجهل في نفوس الناس، فإذا بهم يجهلون القرآن ويجهلون السنة، ويتكلم كل إنسان بما ليس في دين الله عز وجل، بل ويثبتون عكس ما في كتاب الله عز وجل، فتسمع الناس يتكلمون، فيقوم الواحد منهم يقول لك: ما هو المانع من هذا الشيء؟ لا مانع يمنع من هذا الشيء، الحجاب الذي تذكرونه عليه، ليس هناك آية في القرآن تقول: حجاب، فالحشمة تكفي، والمهم الإيمان في القلب، واللباس لباس التقوى، ونحو هذا الكلام الفارغ، فهذا الذي يقول هذا الكلام هل قرأ القرآن فعلاً حتى يقول: ليس في القرآن آية تأمر المرأة بالحجاب؟ والله عز وجل يقول: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، فهذا لا يقرأ القرآن ولا يعرف شيئاً من القرآن، وإنما الإنسان منهم ينظر في التلفزيون أو يستمع من الراديو أو يقرأ الصحف، ويتكلم ويقول: المتطرفون والمتزمتون يقولون: هذه آيات من القرآن وهذه أحاديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول هذا المجرم الجاهل: ليس هذا في كتاب الله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم! فمن أين أتوا لنا بهذا الكلام؟ ولو أنه قرأ وكلف نفسه أن يختم القرآن ختمة واحدة، لعرف ما في القرآن، ولكن الجهل الذي ثبت ورسخ في قلوب هؤلاء المجرمين هو السبب، فنسوا الله سبحانه ونسوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويأتي إنسان آخر فيقول: ويقولون: أهل الكتاب كفرة، هؤلاء مسلمون، فلقد سمعنا من يقول: أهل الكتاب مسلمون، أهل الكتاب مؤمنون! والله عز وجل يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، فربنا يقول هذا الشيء، وهذا يقول: ليس في القرآن هذا الشيء، وإنما هؤلاء يريدون أن يكفروا الناس، فكلنا مسلمون وكلنا مؤمنون، وكلنا كذا! ونحو هذا الكلام الخبيث الكاذب، ويقول هؤلاء الخبثاء: ابعد عن القرآن وابعد عن السنة! ثبت الجهل في قلوبهم فإذا بهم يتركون الدين وراء ظهورهم ولا يعرفون شيئاً من دين الله سبحانه تبارك وتعالى.

    قوله: (ويشرب الخمر) يعني: أن الناس يشربون الخمر، وهذه من علامات الساعة؛ فالمحلات في كل مكان مليئة بالخمور، ولا تستطيع أن تنكر؛ فإن صاحب المحل يأخذ رخصة من الدولة من أجل أن يعمل الخمر ويصنعها، ومن أجل أن يبيعها، ويأتي إليه أصحاب الضرائب فيأخذون عليه الضرائب؛ لأنه في زعمهم من ضمن الرعية الموجودين، وله أن يشرب الخمر وأن يبيع الخمر، ولا شيء عليه طالما أن القانون يبيح هذا الشيء، وأما دين ربنا سبحانه تبارك وتعالى فليس بمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    ولا ننتظر إلا أن يأتيهم عذاب رب العالمين، وإلا أن يخزيهم الله سبحانه، وإلا أن يسلط عليهم أنفسهم وأعداءهم، فتسلط عليهم الكفار، ففي كل يوم يستهينون بدين الله عز وجل، ويستهينون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم في غفلة، وهم فقط يدافعون عن أنفسهم ويدافعون عن أمر هذا الدين الذي يزعمونه ولا يعرفون شيئاً عن كتاب الله ولا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (يظهر الزنا) يعني: ما كان مستوراً مختبئاً يصير ظاهراً أمام الناس، وأصبح لا مانع من مواخير في بلاد المسلمين، وأصبحت هناك أماكن يذهب إليها الناس للهو وللزنا وللعبث، ولا أحد يتكلم في هذا الشيء، وطالما أن الذي يفعل هذا والتي تفعل هذا راضيان فلا مانع عندهم في القانون، وحين يقبض على أحد من الناس زنى بزوجة إنسان فإنهم يسجنونه شهرين ويخرجونه! فأين أحكام كتاب الله عز وجل؟ ثم بعد ذلك يأتي الكفار ويقولون لهم: لا بد من تشريعات في بلادكم للإباحة الجنسية، لماذا لا يكون فيها إباحة جنسية؟! أين الحرية الجنسية؟!

    فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (يظهر الزنا) أي: يفشوا بين الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    قال: (وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)، وسيكون ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    أيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة)، وهذا القتال سيكون بين المسلمين وبين الروم، وبين المسلمين وبين الترك، وبين المسلمين وبين الكفار أهل الغرب، فهنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن تقوم الساعة حتى يحصل قتال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما كان المسلمون أبداً يقولون: إنه سيغزونا الكفار إلى بلادنا، ونحن غزونا العالم كله، وكان الخليفة في أيام الخلافة الإسلامية يقول: اذهبي -يا سحابة- إلى أي مكان فسيأتيني خراجك، أما الآن فالخراج يأخذه الكفار من بلاد المسلمين عنوة وغصباً وعدواناً، ينزلون إلى بلاد المسلمين ويقولون: نحن ندافع عنكم! نحن نريد أن نثبتكم على كراسيكم، فادفعوا لنا ثمن أننا نحارب في المكان الفلاني، وادفعوا لنا في اليوم مليون دولار من أموال بترولكم، ودعونا نأخذ البترول نتصرف فيه مثل ما نريد، فيحتلون بلاد المسلمين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى يحدث ذلك، فحصل الذل على المسلمين بتفريطهم في دينهم، فإذا فرط الإنسان في دينه فإن الله لا يدافع عنه؛ لأن الله لا ينصر إلا المؤمنين، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    أما إذا كانوا ليسوا بمؤمنين فكيف يتوقعون أن يدافع الله عز وجل عنهم، وهم يحاربون الله، ويحاربون دين الله سبحانه تبارك وتعالى؟

    وفي حديث آخر ذكر فيه بعض هذه الأشراط الصغرى، قال صلى الله عليه وسلم: (من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)، هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح، فمن أشراط الساعة المباهاة، فالمسجد هو مكان للعبادة لا للمباهاة، لكن ترى من يقول: مسجدنا أحسن مسجد، ومسجدنا جعلناه على شكل الكعبة، وآخر يقول: مسجدنا جعلناه مثل المسجد النبوي، وعملنا فيه قبباً، وعملنا فيه مئذنة طويلة، وعملنا فيه كذا، ولوناه بأحمر وأسود، ونحو ذلك!

    فالتباهي بالمساجد وعدم الصلاة فيها من أشراط الساعة، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:18]، وعمران بيوت الله عز وجل يكون بالصلاة فيها، وليس المعنى: أن المسجد لا يبيض ولا ينظف؛ بل النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة التي كانت تنظف المسجد، صلى عليها وهي في قبرها، وكانت قد دفنت من غير ما يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بها.

    ولكن المعنى: أنه سيقل الإيمان ويبقى فخر الناس فقط بقولهم: عندنا مسجد كبير، وكثير منهم لا يصلون فيه، بل إن بعض الناس يكون في مكة، ويبقى فيها سنين وما صلى في المسجد الحرام! لا يصلي وبجانبه الكعبة، وبجانبه المسجد الحرام، ولا اعتمر ولا حج ولا يعرف شيئاً!

    وبعض الناس من أصحاب الشركات السياحية يخرج بالناس ليؤدوا العمرة، وعندما يريد أن يعتمر يلبس لبس الإحرام، فإذا أغضبه أحد يخلع لباس الإحرام ويقول: لن أعمل عمرة هذه السنة، فهذا دينهم، نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، فظهر الجهل بين الناس، وقل العلم، وقل الدين، فلم ينتظروا إلا الهوان في الدنيا، وما لجرح بميت إيلام.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.