إسلام ويب

تفسير سورة محمد [10 - 15]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ألا يتأمل كل من لم يوقن بوعد الله عند سيره في الأرض أن الملك الجبار قد دمر الأمم السابقة المكذبين، وما زالت بعض آثارهم باقية تدل على بطش الله بهم، فيؤمن حتى يستحق ولاية الله سبحانه ليدخله جنات تجري من تحتها الأنهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10].

    قال سبحانه: أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي: هؤلاء الكافرون.

    ثم قال: فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: هم عند سيرهم في الأرض لم يتعظوا ولم يعتبروا بنهاية السابقين، وكيف أن الله أهلكهم ودمرهم، قال سبحانه: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    وكيف صنع الله عز وجل بالأقوام السابقين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط وفرعون وجنوده، وغير ذلك، منهم من قص الله عز وجل علينا خبره، ومنهم من لم يقصص علينا خبره.

    يسيرون في الأرض ليروا كيف صنع الله عز وجل بهذه المخلوقات التي كانت على الأرض، أبادها وأنشأ غيرها، وكلما حفروا في الأرض نظروا إلى آيات وعجائب من خلق الله عز وجل.

    وفي عصر من العصور كانت الديناصورات موجودة في الأرض وقد وجدوا الهياكل العظمية لها، وهي حيوانات ضخمة جداً وعملاقة، فحاولوا أن يجمعوا العظام لكي يتخيلوا منظرها، أين ذهبت هذه الكائنات؟ وكيف استبدل الله عز وجل بها غيرها سبحانه؟ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33].

    دمر الله السابقين، وأهلكهم في أراضيهم، وأهلك زروعهم، ودوابهم، أهلك ما شاء سبحانه وأنشأ قوماً آخرين، هلا اعتبروا بذلك؟ وإن الدمار والموت الذي أتى عليهم سيأتي على غيرهم أيضاً فهلا أحسنوا العمل؟

    قال: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] أي: لن يفلتوا من الله عز وجل، فلهم الدمار، ولهم الإهلاك من الله سبحانه وتعالى، ووعد الله حق، وقول الله صدق وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:4].

    وفي هذه الآية بشارة للمؤمنين أن الله سينصرهم على الكافرين، وأن الله سيهزم الكافرين إن أخذتم بأسباب النصر أيها المؤمنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ...)

    قال الله سبحانه : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] ذلك التدمير للكافرين من الله عز وجل له سبب بأن الله مولى الذين آمنوا، فالمؤمن يتولى الله سبحانه وتعالى، وينصر دين الله، ويدافع عن أهل الله، فالله يدافع عنه قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    قال سبحانه: وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] أي: لا ناصر لهم من عند الله سبحانه، وإن اجتمع من في الأرض ليدافع عن الكافرين وأراد الله إهلاكهم فلا بد أن يكون أمر الله سبحانه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    فالقوم مهما اجتمعوا على شيء من قضاء الله وقدره فسيكون، ولو اجتمعوا على شيء لم يقدره الله فمستحيل أن يكون هذا الشيء الذي يجتمعون عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ...)

    يقول سبحانه وتعالى ذكراً للمؤمنين ثوابهم وحسن الجزاء من الله سبحانه لهم: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] يعني هل يستوي المؤمنون مع الكفار؟

    هؤلاء المؤمنون الأتقياء الذين خافوا من الله، وصدقوا بموعود الله سبحانه، والذين أخلصوا لله وعملوا من أجل دين الله يدخلهم الله عز وجل جنات عظيمة.

    قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ [محمد:12] فالله صاحب هذه الجنات، وخالقها، ويتفضل ويكرم عباده فيقول: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46] وهو سبحانه الذي يتولى ذلك، فالمؤمن يستبشر ويطمئن فربه كريم سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:12] أي: الذين صدقوا وأيقنوا وعملوا الصالحات يدخلهم جنات وبساتين عظيمة في جنة الخلود.

    قال تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [محمد:12] أي: في أرضها من تحت أقدامهم، فينظرون إلى الأنهار وهي تجري لا كدورة فيها، ولا عكارة فيها، ولا شيء يؤذيهم فيها.

    وسيفسر لنا بعد ذلك ما هذه الأنهار؟

    قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ [محمد:12] كأنه يقول لك: قارن بين الاثنين، فالمؤمن آمن في الدنيا وعمل الصالحات، واجتهد في طاعة الله، وفي عبادة الله، وجاهد نفسه وهواه، وجاهد شيطانه، وصبر على أمر الله، وجاهد الكفار والمنافقين، وجاهد كل شيء يؤذي ويشغل عن الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن تعب في الدنيا، فاستحق الراحة في الآخرة.

    أما الكافر فاستمتع بهذه الحياة الدنيا، فمثلهم مثل البهائم، لا يفهمون ولا يفقهون لماذا خلقوا ولماذا يموتون، وهل هناك بعث أم لا، الذي يهمه الدنيا فقط، فيقضي الدنيا للدنيا؛ لذلك تجد الكفار يجرون في دائرة لا تنتهي، فيمني بعضهم بعضاً، يريدون رفاهية، ويريدون حياة طيبة بزعمهم، ويريدون أن يعيشوا، ويستمتعوا بكل شيء في هذه الدنيا، فإذا بهم في بلاد الكفار عندهم المال، وعندهم النساء، وعندهم ما يشتهونه من أشياء، ومن لديه حاجة لا يرضى بها ويريد أكثر منها!

    ويشجعون بعضهم على ذلك: فإن كان لأحدهم شقة صغيرة في حي فقير، قيل له: خذ شقة كبيرة في حي غني. وإن كان عندك بيت قالوا: اجعله قصراً، وهكذا يطلبون الدنيا، والمال، والشهرة، ويقولون: اطلب هذا الشيء واعمل وسنعطيك، بل سنعطيك قبل أن تعمل، فالبنوك موجودة استلف من بنك واعمل لنفسك بيتاً، أو دع البيت القديم وخذ الجديد، ويبيع سيارته لكي يأخذ الموديل الجديد الأحدث منها، وهكذا شغلهم في الدنيا بما لا ينفعهم في الآخرة.

    وأيضاً: كثير من المسلمين يقلدونهم في هذا الشيء، إن كان عنده سيارة موديل قديم تركها وأخذ الأحدث منها، ولا فرق بينهما إلا الموديل! وهذا بذخ وطلب الدنيا للدنيا، يكلف نفسه، ولعله يستدين من بنك أو من أحد ويزيد عشرين ألف فوقها، والذي أدخله في هذه الفرامة الطمع في الدنيا.

    وما زاده من مال قد يكون أخذه من ظلم الناس، ونهب أموالهم، وسرقتهم، وقد يمتنع من زكاة المال التي تجب عليه، ويتهرب منها كأن يشتري بماله أشياء تبقى للقنية، ثم يبيعها ليضيع حول زكاة المال في سنته!

    وهذا طريق الكفار أن يستمتع بالدنيا للدنيا، ويريد كل شيء في الدنيا، ومستحيل أن يحصل إنسان على كل شيء فيها.

    يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ [محمد:12] أكل البهائم، والأنعام، يريد الدنيا فيأكل ويشرب فيها، ويعمل ما يشاء، وفي كل مرة يعلن عن أكل جديد وهو متابع لكل جديد.

    ويقال له: خذ الدواء الفلاني بالصبح والليل من أجل الصحة والحيوية وتأخير الشيخوخة، مثل الأنعام يريد الحياة الدنيا للدنيا، يريد أن يكون شاباً طول عمره، ويشد وجهه لكي يبدو منظره شاباً.

    وما علموا أن الهرمونات الموجودة في جسم الإنسان هي مسئولة عن الشيخوخة أم يريدون إلغاءها؟! ولماذا لا يلغون الموت أيضاً؟! يظنون أنهم يخلدون في هذه الدنيا، سبحان الله! هم مثل البهائم والأنعام كما قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    ويقول هنا: وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] فرق بين المؤمن حين يأكل وبين الكافر حين يأكل، الكافر يأكل يريد الصحة والقوة، والمؤمن يتقوى بذلك على طاعة الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن يأمره الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    ويقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] أي: كل واشرب بقدر من غير أن تؤذي نفسك، ولا تؤذي غيرك، ثم احمد الله عز وجل واشكره على نعمه؛ فهذه النعم خالصة لك يوم القيامة، وليس عليك حساب يوم القيامة ولا عقاب على ذلك.

    أما الكافر فيسأل عن كل شيء، قال تعالى: وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] أي: مقامهم، والمنزل الذي ينزلون فيه، ومكان ثوائهم. ومعنى يثوون: يقيمون ويؤبدون فيها لا يخرجون منها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ...)

    قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

    وَكَأَيِّنْ أي: كم؟ كثير.

    قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [محمد:13] أصلها: كأي، ولذلك يقف أبو عمرو ويعقوب عليها: ( وكأيْ )، وباقي القراء يقفون: ( وكأين ) كلمة كاملة.

    والقراءات التي فيها: وَكَأَيِّنْ [محمد:13] قراءة الجمهور: (وكائن)، وقراءة ابن كثير ، ( وكاين ) بالتسهيل، وقراءة أبي جعفر بالمد وبالقصر.

    والمعنى: كثير من القرى، والقرية بمعنى: المدينة، فكلمة (قرية) في القرآن معناها المدينة، ونحن نطلق هذا على الريف، والقرية سميت قرية؛ لأنها كبيرة وتجمع من فيها من القَريْ، والقري الجمع، فالمدينة سميت قرية؛ لأنها تجمع أهلها فيها.

    قال تعالى: هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ [محمد:13] أي: من بلدك مكة.

    الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13] ورأينا كيف خرج منها صلوات الله وسلامه عليه ولم يستجب له إلا القليل خلال ثلاث عشرة سنة من دعوته إلى الله سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: أَهْلَكْنَاهُمْ [محمد:13] في جنوب مكة انظروا كيف صنعنا بعاد، وفي شمال مكة كيف صنعنا بثمود، وانظروا حولكم تعرفون كيف صنع الله عز وجل بالسابقين، قال سبحانه: فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13] أي: من ينصرهم من دون الله؟

    لم يجدوا لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ...)

    قال الله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14] يعني هل يستويان؟ وهل يعقل هذا الشيء؟

    الإنسان الذي على بينة ودليل وحجة وبرهان من الله، صدق بذلك، وأيقن أن هذا من عند الله فعمل لذلك، وأيقن بالجزاء وبالحساب وبالجنة وبالنار وبالموعد عند الله سبحانه وتعالى، هل يستوي هذا مع إنسان زين له سوء عمله؟

    والتزيين إما خلقة وإما فعلاً ودلالة ووسوسة: فالله عز وجل، خلق المال والبنين وجعلهما زينة للحياة الدنيا، وزين النساء، والأرض.

    فإذا بهؤلاء ينظرون إلى هذه الأشياء المزينة ولا ينظرون كيف يشكرون الله عز وجل ليستعينوا بالنعمة على عبادة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    زين الله عز وجل المال فأخذوه سواء من حلال أم حرام، فالمهم أنه مال.

    وزين الله عز وجل النساء، وأباح أن تتزوج بالعقد الشرعي، فإذا بالكافر لا يهتم بالعقد الشرعي، ويريد أن يزني ويريد أن يقع فيما يحب ويهوى، ويريد انتشار الخبث والخبائث بين الناس، فيبيح لنفسه ما حرم الله سبحانه.

    إذاً: التزيين يكون من الله عز وجل الذي زين الخلق، ويكون كوسوسة في النفس ليأخذ الإنسان الحرام فيأتي الشيطان فيزين هوى الإنسان.

    إذاً: المقصود بقوله: كمن زين أن الخلق يزينه الله عز وجل، والذي يزين للإنسان أن يقع في الحرام الهوى والشيطان.

    فهل يستوي من زين له سوء عمله؛ فاتبع هواه فوقع في النار مع الإنسان المؤمن؟

    قال سبحانه: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14] العمل السيئ كأن يكون الخلق حسناً من الله عز وجل فإذا بنفس الإنسان تأمره أن يأخذ هذا من الحرام، فجعله الله سبحانه وتعالى من أهل النار؛ لأن الله خلق الخلق ليستدل به على أنه الخالق وحده سبحانه، فيعبد دون غيره.

    وإذا به ينظر للخلق فيعبد الخلق من دون الله سبحانه، فيعبد الحجارة ويعبد كذا ويعبد كذا، فزين له سوء عمله يظن أن عمله هذا صحيح، وما علم أن الشيطان أغواه بذلك، وزين له سوء عمله فاتبع هواه من دون الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون ...)

    ثم يذكر لنا الله عز وجل الجنة وجمال الجنة التي وعد بها المتقون المؤمنون، فانظر إلى هذه الجنة العظيمة العالية، قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] ما مثل هذه الجنة؟ تخيل هذا الشيء، وليس الإنسان حين يتأمل الآية سينظر إلى الجنة حقيقة، إنما هذا تمثيل لتقريب المعنى.

    فعندما يقول الله تعالى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] فالنخلة في الدنيا إذا أخذت منها بلحة قد يكون طعمها ليس حلواً، فلو ذكر أسماء لا تعرفها فلن تتخيل الجنة، فلا تندفع للعمل لها، لكن لما يذكر لك مثالاً لها، كأن يقال: البلح موجود في مصر، وهناك نوع أحسن منه في بلاد الشام، والبلح الذي في الجنة أعظم فيعطيك المثل.

    إذاً تأمل في الشيء الموجود وحاول أن تتخيل ما هو أعظم منه ولن تصل بخيالك إليه.

    قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [محمد:15] أي: وعد الله عز وجل المتقين هذه الجنة العظيمة.

    والمتقون الأتقياء، وتقوى الإنسان أن يبتعد عن الحرام.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة : (اتق المحارم تكن أعبد الناس). يعني: إذا تريد أن تصير أتقى الناس وأورعهم فابتعد عن الحرام، وإذا ابتعد المؤمن عن الحرام هداه الله عز وجل لفعل كل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، فإذا بعدت عن الحرام وفقك للحلال، وللواجب، وللمستحب، ولكل عبادة له.

    قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    هذه الجنة التي ينادى على أهلها، (يا أهل الجنة! إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً).

    يعيش المؤمن في هذه الجنة العظيمة، فادع ربك سبحانه الجنة، (فإذا سأل العبد ربه الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: يا رب أدخله الجنة).

    واستجر بالله عز وجل من النار: (اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، فتقول النار: يا رب! ابعده عني).

    فضل من الله ورحمة من الله سبحانه للإنسان المؤمن أن الجنة تحبه، والنار تدعو ربها ألا يكون من أهلها، فكل شيء من خلق الله سبحانه وتعالى يحب للمؤمن الخير، فإذا دخل الجنة وجد فيها هذا النعيم العظيم.

    قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15].

    ( آسِنٍ ) قراءة الجمهور، و(أسِن) قراءة ابن كثير ، و( آسن وأسن ) بمعنى: منتن.

    فماء الدنيا لو وقف كثيراً أنتن، وماء البحر لو وقف ينتن، وماء النهر كذلك، لكن الله عز وجل يجري الأنهار لئلا يحصل فيها النتن.

    والبحار جعل فيها الملح حتى لا يتأذى الإنسان بنتن الماء. ولكن ماء الجنة ماء عظيم مستحيل أن ينتن، ولا يتغير طعمه، وليس فيه حصى، ولا تراب.

    قال تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15] حين يترك اللبن في البيت فترة يتغير طعمه، أما لبن الجنة فأنهار لا يتغير طعمه.

    قال تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ [محمد:15] خمر الجنة خمر عظيم، لما منعت نفسك من الخمر في الدنيا طاعة لله عز وجل، فاشرب ما شئت في الجنة.

    قال سبحانه: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19] فخمر الدنيا يذهب العقل ويخرف شاربه، ويدوخ وينام ويقوم من النوم تعبان من الخمر التي شربها.

    أما في الجنة فلا في صداع، اشرب ما شئت، ولا تذهب العقل، يقال نزف العقل بمعنى. راح العقل.

    فلا ينزفون بسبب هذه الخمر في الجنة، أما خمر الدنيا ففيها الرجس (النجاسة) وذهاب العقل، وتخدع الرجل الحليم وكم صنعت في الناس هذه الخمور فجعلتهم يقتلون، وجعلتهم يزنون، وجعلتهم يفعلون كل ما حرم الله سبحانه وتعالى، وجعلت الرجل الحليم وشكله الكبير في القوم يكون وضيعاً، أتلفت أموال الناس، ولذلك كان بعض أهل الجاهلية يحرمها على نفسه لما رأى من صنيع الخمر به منهم: قيس بن عاصم، فهؤلاء شربوا الخمر مرة فرأوا أنهم يخرفون والناس تضحك عليهم فلما أفاقوا قالوا لهم: عملتم كذا وكذا، فحرموها على أنفسهم.

    وهنا الله عز وجل قارن بين خمر الدنيا وخمر الجنة فخمر الجنة له لذة، وخمر الدنيا مرة، واصبر عمرك وهو قليل حتى تصل إلى الجنة فتأخذ من هذا الذي ادخره الله عز وجل لك.

    قال تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15] ليس محتاجاً للنحل، فالنحل يأخذ العسل ثم يخلطه ببطنه بشيء ويخرج العسل، أما عسل الجنة فلا نحل ولا شمع ولا كدورة الدنيا، إنما هو عسل مصفى نقي أنهار خلقه الله الذي يقول للشيء: كن فيكون، فجعله أنهاراً!

    قال تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [محمد:15].

    كل ما شئت من كل الثمار التي تتمناها، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ [البقرة:25]، فهو متشابه شكلاً، مختلف طعماً، وفي الدنيا ستأكل ثمرة أو ثمرتين ثم تمتلئ بطنك أما في الجنة فكل ما شئت فإذا قلت: بطني امتلأ، خرج رشح من الإنسان رائحته رائحة المسك، وكل مرة أخرى كل، في كل وقت ولا يوجد ليل في الجنة، فتجد المؤمن حين يتفكر في الجنة يقول: لا أفرط في الجنة، ولا أضيعها؛ ففيها نعيم دائم، أما الدنيا فنعيم زائل لا يدوم، ولو كان معك مال كثير فكل الناس ينظر إليك حسداً حتى تبتلى بالمرض، أما الآخرة فهي خير وأبقى، فالمؤمن يعمل لهذه الدار العظيمة.

    ثم ذكر الله عز وجل أن هذا الذي أعطيه من نعيم للمؤمن أزيد على ذلك المغفرة، فيغفر الله سبحانه وتعالى الذنوب، وكل هذا الفضل من الله عز وجل، ومغفرة من ربهم الذي خلقهم، يغفر مغفرة تليق به سبحانه وتعالى، فعبر عنها بالربوبية لله عز وجل، وهو الفعال لما يريد سبحانه، لا يتعاظم على الله شيء فيغفر الذنوب جميعاً، من تاب تاب الله عليه.

    فهل هؤلاء الذين في الجنة يستوون مع من هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم؟

    هل يستوي أهل الجنة مع أهل النار الذين يخلدون في النار والعياذ بالله فلا يخرجون منها أبداً؟

    قال تعالى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، والزقوم طعام مر له شوك يقف في الحلوق، فلا ينزل، ويريدون ماء لإنزال الشوك من الحلوق، فإذا بالله عز وجل يعطيهم حميماً مغلياً شديد الحرارة يشربونه، فيمزق جلودهم، ويشوي وجوههم، ويدخل في أمعائهم فيخترقها!

    تخيل تقطيع الأمعاء في الدنيا، الإنسان قد يأتي له مرض شديد فتتقطع من شدة الألم أمعاؤه، لكن تخيل لو أن الطعام كانت حموضته كبيرة فأصابه بالقرحة في الأمعاء واخترق هذه الأمعاء وطلع منه جزء يسير! فسيكون الألم لا يطاق، فعندما يقول لك: قطع أمعاءهم قطعها حقيقة، وهم يستحقون ذلك بما صنعوا، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.