إسلام ويب

تفسير سورة محمد [7 - 11]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالنصر إذا هم نصروه، وكتب التعاسة والشقاء على الكافرين، والله يمحص المؤمنين حتى يعودوا إلى دينهم، وهو وليهم، والكفار لا مولى لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:7-11].

    في الآيات وعد من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الذين يدافعون عن دينه، وينصرون دين الله سبحانه أن ينصرهم الله سبحانه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وقد عرفنا جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته صلوات الله وسلامه عليه، وكيف ثبت الله عز وجل المؤمنين في مواطن كثيرة ومن عليهم بذلك، قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ [التوبة:25]، ولكن حين ظنوا أنهم ينتصرون بقوتهم، بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الظن خطأ، وأن القوة ليست كل شيء، وإنما الإنسان يُعد ما استطاع من قوة إيمانية، وقوة بدنية، وقوة في السلاح وغير ذلك، فالأصل أنَّ قلب الإنسان يكون مؤمناً، ومتوكلاً على الله سبحانه وتعالى.

    فإذا ظن الإنسان أنه بقوته ينتصر فقد أصابه غرور واستحق أن يتركه الله سبحانه وتعالى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر الصحابة من الغرور ومن الاستكبار ويقول لهم حين يقول له سعد : يا رسول الله هذا السيف أريد، أعطني هذا السيف لعله يأخذه من لا يبلي بلائي، وكان عظيم البلاء رضي الله عنه، وكان في قتاله شديداً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفديه وهو يرمي ويقول: (ارمِ فداك أبي وأمي)، ومع هذا كله لم يعطِهِ السيف في يوم بدر، وكأنه يقول: أنا يدي قوية، أنا سأقاتل قتالاً شديداً، ولعله يأخذه من لا يجيد استعمال هذا السيف، فقال: (ضعه مكانه).

    فلما أكثر على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟) فالضعيف يذهب ليقاتل في سبيل الله وليس هذا مدح للضعف، وإنما مدح لقوة إيمان المؤمن الذي لا حيلة له.

    وقد كان عبد الله بن مسعود من أعظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علماً ومع ذلك كان نحيفاً جداً، وكان قصيراً جداً رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (لهما أثقل في الميزان من جبل أحد) فهو رضي الله عنه خلقه الله عز وجل هكذا والله يخلق ما يشاء، ولما أراد أن يحز رقبة أبي جهل بسيفه أخذ يضرب في أبي جهل ويضرب، والسيف لا يؤثر حتى قال أبو جهل : خذ سيفي، فأخذ سيفه وصعد فوق صدره فحز رقبته لعنة الله عليه.

    هذا صحابي لم يمنعه أنه نحيف البدن، قصير القامة من أن يجاهد في سبيل الله رضي الله تبارك وتعالى عنه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يجاهدون في سبيل الله فيري الله عز وجل كيف يصنع هؤلاء، فالضعيف يقاتل ما استطاع، ويفعل ما يقدره الله عز وجل عليه، بل يكون في قلبه قوة الإيمان بالله الذي يدفعه لأن لا يرى أنه أقل من غيره في القوة، والكفار كالجبال وهذا بجوارهم قصير ونحيف، ومع ذلك يقف ليقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى!

    هذا الضعيف قوة الإيمان في قلبه ويقول: يا ربي يا ربي فينصرنا الله بدعاء الضعيف، والضعيف أشد دعاءً واستغاثة بلله سبحانه وتعالى، وأكثر تضرعاً إلى الله سبحانه وتعالى، فالإنسان القوي ينسى نفسه وفي أثناء القتال يتناسى أمر الدعاء ويعتمد على أنه يهجم على الأعداء، لكن الضعيف دائماً على لسانه ذكر الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن النصر ليس بيده، وهو ضعيف إن لم يقوّهِ الله عز وجل وإن كان الجميع هكذا، ولكن الضعيف أشد استحضاراً لهذا الحال من القوي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يرحمهم الله سبحانه وتعالى، وليس الضعيف هو الإنسان الذي هو نحيف البدن أو أنه قليل القوة فقط، ولكن الضعيف أيضاً النساء والصبيان، فهؤلاء الضعفاء يدعون الله عز وجل فيستجيب الله سبحانه، وينصر المسلمين ببركة دعوة هؤلاء، ولجوئهم إلى الله عز وجل، وصدق استغاثتهم به سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ...)

    قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] التعس أصله: التَعثر، تعس الإنسان بمعنى: انكب، وتعثر وسقط على الأرض.

    وتطلق أيضاً التعاسة على الشقاء، وعلى الكآبة، وعلى الخيبة، وعلى الحسرة، وعلى الحرمان، وتطلق أيضاً على التدبير، والتدمير، والإهلاك، كل هذه المعاني جمعها الله عز وجل في هذه الكلمة للكفار، مكتوب عليهم الشقاء، مهما آتاهم الله عز وجل من ملك ومن قوة، ومن قدرة وغنىً ونساء، مهما آتاهم الله يستشعرون في قلوبهم التعاسة.

    وتتجلى المظاهر الكاذبة والبراقة أمام الناس في قائد الفرس وهو جالس على سرير من ذهب، فيرعبه صحابي واحد، إذْ نظر إليه قائد الفرس فقال: إنما أنتم كالكلاب، ولولا أني أخاف أن تتنجس رماحنا لرميناكم! هذه نظرة هذا الكافر لهؤلاء الصحابة الأفاضل.

    ولما مشى المغيرة بن شعبة وكان أعور رضي الله تبارك وتعالى عنه قال هذا الكافر لمن حوله: لقد صدق الأعور، صدق في اللقاء، وذلك لمَّا قال لهم: (إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير حتى بعث الله إلينا رسولاً، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فلم نزل نعرف من ربنا منذ جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفلاح والنصر حتى أتيناكم.

    والكافر ينظر إليه ويقول: صدق فعلاً، هذا الكافر أظهر مظهر العظمة والفخامة أمام هذا الصحابي، لكن بعد ما انصرف إذا به يقول لمن حوله: لقد صدق فيما قال، وسيفعل ما يقول، وقبل أن يأتي المغيرة بن شعبة إليهم استشار قومه في أن يظهروا أمامهم بمظهر متقشف فيه حتى لا يطمعوا فيهم، أو يظهرون أمامهم بمظهر الملوك لكي يخوفونهم؟ كلهم قالوا: بل بمظهر العظمة والفخامة، وكان قبل ذلك خائفاً، وبعد ذلك ازداد رعباً، ورجع المغيرة قوياً في قلبه، شجاعاً في بدنه رضي الله تبارك تعالى عنه، يقول لمن حوله: والله ما تركتهم حتى أرعبت الكافر! هذا هو الفرق بين المؤمن وبين الكافر، الكافر وإن أظهر القوة هو في نفسه خائف وشقي، وفي نفسه الرعب من المستقبل، أمَّا المؤمن مطمئن بالله عز وجل، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28].

    فالمؤمن مطمئن بالله عز وجل، أما الكافر: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ[البقرة:96]، يريد أن يعيش كثيراً فيموت بعد ذلك ولا بعث حسب زعمه، ولما عرف اليهود أن مآلهم النار تطاولوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: سنمكث فيها سبعة أيام ثم تخلفونا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبداً، ولا تخرجون منها أبداً).

    فلذلك الكافر في تعاسة وفي شقاء، وهو مهما أوتي من بذخ في الدنيا يستشعر في نفسه أنه يفقد شيئاً، لذلك تجد من يسلم من هؤلاء يذكر أنه كان قبل أن يسلم في تعاسة وشقاء، وأنه كان يفقد شيئاً.

    يجدون تعاسة في قلوبهم حتى وإن أظهروا أنهم أفضل من غيرهم، فمن أسلم منهم استشعر طعم الإيمان، واستشعر حلاوة هذا الدين، هذا الذي كان ينقصه، أما من بقي على مثل ما هو عليه ففي نفسه الشقاء، وفي نفسه الحرمان والخيبة كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ[محمد:8]، في الدنيا وفي الآخرة.

    ولذلك تجد أعلى معدل للانتحار في بلاد البذخ والرفاهية وفي بلاد الكفار، والآن عندهم أماكن للموت يسمونها موت الرحمة للانتحار، وهناك أطباء مستعدون لذلك، ومن أراد أن يموت يذهب إلى الأطباء ليعطوه حقنة يموت بسببها، ويشرعون قانوناً لمثل هذا!

    رجل لديه من الأموال الطائلة ما لديه، لكنه يريد أن يموت؛ لأنه يائس من الدنيا، فهو يستشعر الإحباط في نفسه، وليس بينه وبين الله عز وجل صلة، لكن المؤمن مهما ابتلي في الدنيا في نفسه أو في ماله، أو فيما يشاء الله سبحانه تجده صابراً محتسباً.

    فإذا جاء البلاء فالمؤمن صابر؛ لأنه يعلم أن هذا البلاء قضاء من الله وقدر، فهو راضٍ بقضاء الله وقدره، وصابر لأمر الله سبحانه؛ لأن بعد الضيق سيأتي الفرج؛ وبعد الدنيا ستأتي الآخرة؛ ولأن بعد الشقاء جنة ونعيم وخلود فيها، فهو يصبر، ويطمئن نفسه على ذلك؛ لأنَّ رجوعنا جميعاً إلى الله.

    فهناك فرق بين من يعد نفسه للجائزة العظيمة عند الله عز وجل، وبين من يقول: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ[الجاثية:24].

    ولذلك يزهق الكافر من الدنيا، ويقتل نفسه برصاصة يئساً من رحمة الله، قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ[يوسف:87]، كفروا بالله، ويئسوا من رحمة الله.

    ولذلك من لم يعرف الله سبحانه لم يعرف شيئاً، ومن وجد الله وعرف الله وجد كل شيء وعرف كل شيء، ومن لم يعرف الله سبحانه حتى وإن زعم أنه يعلم في الدنيا قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[الروم:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] تلك التعاسة التي كتبها الله عز وجل عليهم بأنهم كرهوا ما أنزل الله، والذي يكره ما نزل من عند الله عز وجل ضيع نفسه وهو في ضلال مبين، أضل الله عز وجل أعمالهم في الدنيا فشقوا ففعلوا السيئات والمنكرات، وفي الآخرة أضلهم عن طريق الجنة إلى طريق النار والعياذ بالله؛ لأن هؤلاء: كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9]، من الكتب، والشرائع، وما نزل من عند الله سبحانه فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] أي: أبطل أعمالهم حتى لا يعملوا، بزعم الإنسانية، والرحمة، والمساواة بين الخلق، ويفعلون الشيء الذي ظاهره حلو ولكن باطنه لا يعرفون الله سبحانه، ولا يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى، فأحبط الله أعمالهم، فالعمل الصالح لا يقبل إلا من المؤمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...)

    قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [محمد:10]، أَفَلَمْ[محمد:10]: تعجب من شأنهم، أي: أما ساروا في الأرض هؤلاء؟ وأكثر الناس بحثاً عن الحفريات وعن الآثار، وأكثر الناس سياحة في الأرض هم الكفار، فقد ساروا في الأرض ورأوا آثار السابقين، أفلا يدفعهم ذلك إلى الإيمان برب العالمين، وقد قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[فصلت:53]، يرون الآية تلو الآية، ولا يؤمنون، ومن الآيات عثور الكفار على أقدم نسخة من الأناجيل، وهو إنجيل يهوذا ووضعوه تحت الإشعاع فعرفوا أن هذا الإنجيل كتب سنة مائتين أو قبلها من ميلاد المسيح عليه السلام، وهذا الإنجيل يخالف عقائد النصارى، وفيها أن اليهود يقولون: إن المسيح سأل من يكون مقامي؟ يعني: من يصلب مكاني؟ فتثبت أن المسيح لم يُقتل، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[فصلت:53] وفيها أن يهوذا هو الذي صلب وليس المسيح، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ[النساء:157].

    فسبحان الله الذي يري هؤلاء الآيات، ويا ترى هل يقودهم ذلك إلى الإيمان؟ هذا بعيد جداً إلا من رحمه الله سبحانه وتعالى، فهم كرهوا ما أنزل الله، وأعجبتهم الدنيا ورضوا بها.

    وهذا هرقل عرف النبي صلى الله عليه وسلم، وامتحن أبا سفيان وكان أبو سفيان كافراً، وسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرة أسئلة كلها تؤكد لـهرقل أن محمداً نبي حتى كاد أن يسلم، ثم ضن بملكه، ورفض أن يدخل في دين الله سبحانه بعدما دعا قومه إلى أن يتابعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فترك الآخرة وطلب هذه الدنيا، قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [محمد:9-10]، كيف كان جزاؤهم؟ كيف كانت نهاية السابقين؟ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[محمد:10]، يقال: دمرهم، ودمر عليهم، دمرهم، أي: من الداخل في أنفس هؤلاء، ودمر عليهم أي: فيها ما فيها من الهول، ويكون العذاب من فوقهم، وفيه ما فيه من الرعب.

    فقوله تعالى: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[محمد:10] أي: أنزل عليهم الدمار من فوقهم فأهلكهم الله سبحانه وأبادهم، واستأصلهم، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا[محمد:10]، ليس العذاب لهؤلاء فقط، بل إن كل كافر يكفر بالله عز وجل له يوم عند الله عز وجل يذيقه فيه ما يشاء من عذاب أليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ...)

    ذكر الله أن ذلك الذي يصنعه الله عز وجل مع هؤلاء الكفار ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:11] أي: المؤمنون وليهم وناصرهم سبحانه، ومعينهم، وهو المدافع عنهم سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11]، يا ترى هل الكفار ليس لهم أحد يدافع عنهم؟ بل لهم أولياء كثيرون، ولكن لا قيمة لهم، والجيوش التي في الأرض لا تنفعهم أمام ولاية الله عز وجل، فالشيطان يفر، قال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22].

    ولما رأى الشيطان الملائكة تنزل من السماء فر وقال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16]، أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196]، ترك أولياءه من الكفار وفر.

    إذاً: الكفار لا مولى لهم مهما كانت قوتهم، ومهما كثر عددهم فلا ولاية لهم ولا ناصر لهم من الله سبحانه وتعالى.

    ذكر زمن نزول قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:11]، هذه الآية نزلت قبل وقعة أحد، ولذلك في أول غزوة أحد انتصر المسلمون ولما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم انهزم المسلمون، وظهر الكفار، ثمَّ أجمع الكفار على المسير.

    ووقف أبو سفيان يرفع صوته، فيقول: أفيكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: (لا تجيبوه) فقال: أفيكم محمد؟ قال: (لا تجيبوه)، ففرح أبو سفيان وقال لمن حوله وللمؤمنين: أما محمد فقد قتل، فلم يمسك عمر لسانه وقال: قد أبقى الله لك ما يخزيك أيها الكافر، لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتل، فرفع أبو سفيان شعاراً وقال: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبوه؟ قالوا: ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) يعني: وإن انتصرتم فالله معنا وليس معكم.

    فالله مولى المؤمنين سواء كانوا منتصرين أو مغلوبين، يتركهم حين يتركون الحق، ويبتعدون عن الصواب ولكن لا يتركهم دائماً، بل لا بد أن تكون هناك فئة من المؤمنين ينصرهم الله سبحانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، أو خذلهم حتى تقوم الساعة).

    إذاً: الله ينصر المؤمنين، والله يتولاهم، وقد يختبرهم بالمحن أياماً، أو شهوراً، أو سنيناً، ولكن لا يدوم ذلك، فقد وعد الله عز وجل بنصر هذا الدين، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سيمكن للإسلام والمسلمين بعز عزيز، أو بذل ذليل، بعز يعز الله عز وجل به الإسلام، وبذل يخزي به الكفار.

    نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين.

    أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.