إسلام ويب

تفسير سورة محمد [7 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن هم نصروا الله سبحانه ونصروا رسوله صلى الله عليه وسلم وأعدوا العدة لقتال الأعداء، فقد كانت انتصارات المسلمين على مر التاريخ لأنهم نصروا الله ورسوله وصدقوا الله في لقاء الأعداء، وقد كتب الله التعاسة والشقاء على الكافرين، وعلى كل من خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-8].

    يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن النصر من عنده، وأنه ينصر المؤمنين إذا نصروا دين الله سبحانه، وهذا سبب ونتيجة، شرط وجواب، فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ[محمد:7] إن تنصروا دين الله عز وجل، وإن تدافعوا عن دين الله سبحانه، وإن تنصروا المستضعفين من المؤمنين؛ فالله عز وجل ناصركم ومثبت أقدامكم، ومعطيكم خير الدنيا والآخرة.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[محمد:7] أي: يا من صدقتم ودخلتم في هذا الدين، موقنين بالله رب العالمين أنه ربكم وأن هذا رسولكم صلوات الله وسلامه عليه، وأن هذا القرآن من عند رب العالمين.

    يا من آمنتم بالجنة وعرفتم النار وصدقتم وآمنتم بهذا كله، يا مؤمنون جاهدوا في سبيل الله عز وجل، فإذا نصرتم الله عز وجل فالله معكم والله ناصركم سبحانه.

    وكان المؤمنون يدعون ربهم سبحانه في قتالهم يقولون:

    فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

    إن الألى إذا بغوا علينا أو أرادوا فتنة أبينا

    فكانوا يقولون لله سبحانه: ثبت الأقدام إن لاقينا، فالله عز وجل يثبتهم بما يشاء من تثبيت، وتثبيت الأقدام يأتي من تثبيت القلوب، ويأتي مما يصنعه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ[الأنفال:11].

    فهذا تثبيت من الله عز وجل للمؤمنين: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ[الأنفال:11] المؤمنون في قتالهم الأعداء يرون كثرة أعدائهم، ويرون قلة ما هم فيه من عدد ومن عدة، ومع ذلك إذا بالله سبحانه وتعالى يثبت المؤمنين تثبيتاً شديداً.

    ويخبرهم الله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد الحق أنه ناصرهم في يوم بدر، وأنه سيربط على قلوبهم سبحانه، قال تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً[الأنفال:11] أي: بركات من السماء، فإذا بهم يجدون ما يشربون من ماء السماء ويتوضئون به، كذلك يجعل التراب الذي تحت أقدامهم صلباً فتثبت أقدامهم.

    ويربط بذلك على قلوبهم ويعطيهم شيئاً عجيباً أن يناموا والأعداء يتربصون بهم، قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ[الأنفال:11] فينام أحدهم وهو قاعد وهو قائم ويغشى عليه، حتى يكاد يقع عن الدابة التي هو عليها، فينامون ربطاً على قلوبهم، فيثبتهم الله سبحانه تبارك وتعالى بذلك.

    وحين يواجهون أعداءهم، قال الله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ[الأنفال:43] فالله سبحانه وتعالى عليم بذات الصدور، وأعلم بما في نفوس المؤمنين، فيري النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا منامية أن الأعداء قليلون، فيطمئن النبي صلى الله عليه وسلم ويبشر المؤمنين.

    قال تعالى: إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا[الأنفال:43]، وقال تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ[الأنفال:44] وقال تعالى: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ[الأنفال:42] أي: سميع بما تقولون، عليم بما تفعلون سبحانه، عليم بما في قلوبكم، وتدبير الأمر كله من الله سبحانه، تجد أنه يحرك هؤلاء ويحرك هؤلاء، فالكفار يرون المؤمنين قلة وهذه الحقيقة، والمؤمنون يرون الكفار قلة، إذ إن الله سبحانه غير المنظر فأرى المؤمنين أن الكفار عددهم قليل جداً فإذا بالمؤمنين يستأسدون ويتقوون على أعدائهم، والكفار يرون المؤمنين قلة حتى يهجموا ويقدموا للقتال، فلو انعكس الأمر بأن جعل الله الكفار يرون المؤمنين عدداً كثيراً لما حصل قتال، ولهرب الكفار وهم الذين جاءوا للمؤمنين، ولكن الله أراد أن يلتقي الفريقان وأن يتقدم الكفار إلى المؤمنين حتى يرينا نصره سبحانه، قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[آل عمران:126]، فهذا شيء أحدثه الله عز وجل للمؤمنين حين التقوا مع الكفار في يوم بدر، ونصر الله عز وجل المؤمنين نصراً عظيماً ما كانوا يتخيلونه.

    قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[محمد:7] فهم قد نصروا الله سبحانه، وقد سألهم النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى الكفار وعدد الكفار: (أشيروا علي أيها القوم) فكانت الإشارة من المهاجرين ومن الأنصار: أقدم يا رسول الله، لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك.

    أي: اذهب لآخر الأرض التي نعرفها وهي برك الغماد فسنذهب معك لهذه الأرض مثلما تريد، وأوصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، نحن معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[المائدة:24] بل نقول: إنا معكما مقاتلون.

    قاتل يا رسول الله ونحن معك ونحن أمامك ووراءك صلوات الله وسلامه عليه، فكان النصر من عند الله سبحانه وتعالى، وهذه معاني نتعلمها من كتاب الله ومن سير أصحاب رسول الله مع النبي صلوات الله وسلامه عليه في جهادهم وقتالهم للكفار.

    فقد رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على حب الجنة، فكان جهادهم ابتغاء مرضات الله وطلباً لهذه الجنة العظيمة، والله يعدهم هذا الوعد العظيم: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ[محمد:7] ولم يكن للنبي فقط عليه الصلاة والسلام وإنما الوعد باق من الله عز وجل لكل المؤمنين في كل زمان ومكان.

    فقوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ[محمد:7] أي: ينصركم الله عز وجل إذا أتيتم بشروط هذا النصر، وهو نصركم لدين الله وإعدادكم للكفار ما استطعتم من قوة، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال:60]، فإذا أعد المؤمنون أنفسهم وأعدوا ما في قلوبهم من قوة بالاعتصام بحبل الله وبكتاب الله وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالتمسك بدينهم، وأعدوا ما استطاعوا من قوة ومن عدة ومن عدد لجهاد أعدائهم، ومن ربط بين المسلمين وتآلف فيما بينهم ومن اتحاد واعتصام بحبل الله سبحانه، فإن الله ناصرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] أي: الذين كفروا لهم الخيبة ولهم التعس ولهم التعاسة ولهم الشقاء ولهم الوبال ولهم الهلاك والشنار، ولهم من الله عز وجل الدمار، فقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8] أي: يتعسهم الله ويخزيهم ويخيب أمرهم سبحانه وتعالى.

    فلست أنت الذي تصنع، وإنما الله سبحانه وتعالى يصنع ذلك، قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    وهل الكفار فقط الذين يتعسون؟ الله عز وجل ذكر ذلك، وذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من الذين يتعسون من عبد الدنيا ومن طلب الدنيا ومن كان همه فيها الدينار والدرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم).

    فالإنسان الذي همه الدنيا إنسان تعيس، دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالتعاسة وبالخيبة وبالشقاء وبأن لا ينال مراده من هذه الدنيا، قال: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).

    فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأن همه في الدنيا، لا يهتم لدين ولا لصلاة ولا لصوم ولا لدعوة إلى الله سبحانه، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا لا يهمه ذلك، المهم ماله!

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: خيبك الله، تعست أيها الإنسان، أنت همك نفسك فقط، وأنت ما خلقت إلا لإقامة هذا الدين، فكل أمر الله عز وجل ليس على بالك، فلا تستحق إلا التعاسة والخيبة والشقاء.

    قال: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، الانتقاش: إزالة الشوكة بالملقاط، فيدعو عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو شيك فلا قدر على أن يخرجها من قدمه؛ لأنه لا يستحق أن يعافى؛ لأنه ابتعد عن دين الله سبحانه وتعالى.

    بل الكافر له التعاسة وله الشقاء، وكذلك من المسلمين من تركوا دين الله عز وجل وراءهم ظهرياً وعبدوا الدرهم والدينار، وأقبلوا على الدنيا وعلى تحصيلها من كل مكان، وفروا من القتال في سبيل الله عز وجل ومن الجهاد في سبيله.

    1.   

    من قصص الصحابة في نصرهم دين الله عز وجل

    إن قصص الصحابة كثيرة في نصر دين الله عز وجل، وقد رأينا كيف أنهم يدعون إلى الله عز وجل في قتالهم لأعدائهم، فإذا أصر أعداؤهم على الكفر قاتلوهم فنصر الله عز وجل بهم دين الله سبحانه.

    كان أحدهم يتقدم ويتحنط قبل القتال كما فعل ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار بل خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند قتال مسيلمة الكذاب ومن معه قال لمن معه من التابعين ومن حضر الموقعة: بئس ما عودتم أقرانكم، أن تفروا من أمام هؤلاء! وكان يلبس كفنه، ويريهم أن الذي يتقدم للقتال لا يطلب الدنيا؛ لأن الذي يطلب الدنيا لن يقاتل، بل سيفر ويهرب، فاطلب الآخرة، فقد كان أحدهم يتقدم للقتال في سبيل الله ويقول: واه لريح الجنة، لئن صبرت حتى آكل هذه التمرات إنه لعمر طويل، فيرميها ويتجه للقتال في سبيل الله عز وجل طالباً جنته سبحانه وتعالى.

    وهذه قصة في عهد عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه في فتح نهاوند، ونهاوند من بلاد الفرس فتحها الله عز وجل للمؤمنين في عهد عمر رضي الله عنه، وكان قائد المسلمين في القتال هو النعمان بن مقرن رضي الله تبارك وتعالى عنه، أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بكاءً رضي الله عنه، عظيم البكاء من خوف الله عز وجل، وفتح الله عز وجل على يديه وعلى يد المسلمين هذه البلدة التي كانت صعبة وعسيرة.

    وهذه القصة يذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه ويذكرها ابن حبان في سياق طويل جداً، وهي قصة إسنادها صحيح صححها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وفيها يقول ابن جبير بن حية عن أبيه أن الهرمزان أحد قادة الفرس أسره عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه وكان عمر يريد قتله، فـالهرمزان أراد أن يشرب ماء وخدع عمر رضي الله عنه بقولة قالها، وذلك لما أتوا له بالماء لم يمد يده إليه، فإذا بـعمر يقول له: اشرب لا بأس، عمر يقصد أنه لن نفعل بك شيئاً، فالرجل أخذ الماء وشرب فلما أراد عمر قتله قال: لقد أمنتني أي: أعطيتني الأمان، فكيف تقتلني الآن؟

    فتعجب عمر وقال: أين الأمان الذي أعطيته لك؟ قال: قلت لي: اشرب لا بأس، فإذا بـعمر ينظر للصحابة وكان عظيم الورع، فقالوا: صدق أنت الذي قلت له: لا بأس، قال: خدعني خدعه الله.

    وأظهر الهرمزان إسلامه، وكان مع عمر ، فأراد عمر رضي الله عنه النصيحة من الهرمزان في أمر فارس، وقد كان عمر في غاية الذكاء رضي الله تبارك وتعالى عنه، لا مانع من أن يأخذ النصيحة ممن كان عدواً له، ولكن يفكر في هذه النصيحة قبل أن يأخذ بها، وهل يقبل النصيحة من عدو؟ فقد يكون أنت تقاتله البارحة، واليوم صار صديقاً لك، لكن العداوة ما زالت موجودة في القلب، فليس معنى أنه في البارحة كان عدواً لك واليوم صديقاً لك أنه دخل في الإسلام دخولاً حقيقياً، فلما طلب عمر من الهرمزان النصحية قال الهرمزان : إن فارس اليوم رأس وجناحان، أي: فارس مثل طائر له رأس وله جناحان، فقال له عمر رضي الله عنه: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بندار واحد من أعظم رؤساء الفرس، فإن معه أساورة كسرى وأهل أصفهان.

    قال عمر : فأين الجناحان؟ فذكر الهرمزان الجناحين، والراوي يقول: نسيت المكان الذي ذكره، فقال الهرمزان لـعمر ناصحاً: اقطع الجناحين توهن الرأس، فقال له عمر رضي الله عنه: كذبت يا عدو الله تريد أن تفل جموع المسلمين وتفتتهم شمالاً ويميناً حتى إذا جاءوا للرأس هُزموا، بل أبدأ بالرأس، فكان عظيم الحكمة رضي الله تبارك وتعالى عنه، قال: بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، وانظر إلى قوله البليغ، ليس هو الذي يقطع الرأس، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيقطعه، فإذا قطعه الله عنهم، انقطع عنهم الجناحان، فأراد عمر أن يسير بنفسه لقتال الفرس رضي الله تبارك وتعالى عنه، فإذا بأصحابه رضوان الله عليهم يقولون: نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن لا تسير بنفسك إلى العجم، فقد استقرت الدولة في عهد عمر ، وكانت دولة الإسلام في عهده أعظم ما يكون.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أر عبقرياً يفري فري عمر) رضي الله عنه، وذلك حين رآه في رؤيا منامية.

    فقالوا: إن أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة وبعث فيهم ابنه عبد الله بن عمر حتى لا يقال: عمر قعد وخاف على أهله، قال: وبعث المهاجرين والأنصار لتثبيت المقاتلين من المسلمين.

    وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل الكوفة، حتى تجتمعوا بنهاوند جميعاً، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن رضي الله عنه، وهو صحابي فاضل، وذكرنا أنه كان عظيم الزهد كثير البكاء من خشية الله سبحانه، فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم بندار كبير الفرس أن أرسلوا إلينا يا معشر العرب رجلاً منكم نكلمه، فبعث الصحابة إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وكان من أذكى خلق الله رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فذهب المغيرة بن شعبة ، قال الراوي: وهو رجل طويل أشعر، أي: شعره طويل أعور رضي الله تبارك وتعالى عنه، وأفتاهم فلما رجع إلينا سألناه فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه.

    والعلج بمعنى: الرجل غير العربي، والعلوج يعني: غير العرب، يطلق عليهم ذلك، قال: قد استشار أصحابه في أي شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا أو نتقشف له فنزهده؟ يعني: إذا جاءنا هذا العربي، هل نظهر له أبهتنا وعظمتنا وفرشنا فيخاف منا، أو نظهر أمامه في صورة الزهاد المتمسكين الذين لا حيلة لهم، فيبعدون عنا ويتركونا؟

    قالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، قال: فلما رأيتهم رأيت تلك الحراب والترع يلمع منها البصر، فلما نظر إلى المنظر الذي هم فيه قال: ورأيتهم قياماً على رأس أميرهم أو رئيسهم، فإذا هو على سرير من ذهب، أي: له عرش ضخم جداً من ذهب وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، والصحابة زهاد لا يملكون إلا الثياب الرثة، وقد كان يلبسها رضي الله عنه، قال: ونكست رأسي لأقعد معه على السرير، فدفعت ونهرت، فقلت لهم: إن الرسل لا يفعل بهم هذا! فلما قال لهم ذلك، قالوا: إنما أنت كلب أتقعد مع الملك؟!

    فقال: لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم، فانتهرني وقال: اجلس فجلست، فترجم لي قوله فقال: يا معشر العرب إنكم كنتم أطول الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأقذر الناس قذراًً، وأبعد الناس داراً، وأبعدهم من كل خير، وما كان منعني أن آمر هذه الأساور أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجساً لجيفكم لأنكم أرجاس، فإن تذهبوا يخلى عنكم، وإن تأبوا نبوئكم مصارعكم.

    انظروا هنا الافتخار بالنفس والكبر والغرور الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يكون جيفة في القبور، تكبر على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنتم جيف! قال المغيرة : فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: ما أخطأت من صفتنا شيئاً، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسولاً صلوات الله وسلامه عليه فوعدنا بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله صلى الله عليه وسلم الفلاح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله نرى لكم ملكاً وعيشاً لا نرجع منه إلى ذلك الشقاء أبداً، يعني: لن نترككم أبداً سنأخذ كل ما عندكم، فقد كان رضي الله عنه غاية في الذكاء، وكان عظيماً في الكياسة وعظيماً في التكلم رضي الله عنه، واختيار ما يرعب به خصمه، قال: لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم، فقال الرجل لقومه: أما الأعور فقد صدق، هذا الأعور الذي جاءكم قد صدق في كلامه الذي نسمع، قال: فقمت من عنده وقد -والله- أرعبت العلج جهدي.

    فهذا واحد من المسلمين يرعب عظيم الفرس قائد هذا الجيش كله!

    فقال: فأرسل إلينا العلج إما أن تعبروا إلينا بنهاوند وإما أن نعبر إليكم، وكان بين المسلمين والكفار نهر فقال النعمان بن مقرن رضي الله عنه: اعبروا إلينا، قال راوي الحديث: فلم أر مثل اليوم قط، إن العلوج يجيئون كأنهم جبال الحديد، أي: كأني أنظر إلى أعدادهم وعدتهم وكأنهم جبال من حديد، هيئتهم من الأكل والشرب والاستعداد الواحد منهم مثل الجبل، والتروس التي عليه والعدد التي عليه كأنها جبل من حديد.

    قال: وقد تواثقوا أن لا يفروا من العرب، وقد قرن بعضهم إلى بعض حتى كان السبعة في قران، أي: ربطوا أنفسهم بسلاسل، كل سبعة مربوطون في سلسلة، بحيث لا يفرون من العرب، وكأنهم جبال مربوطة ببعضها، والعرب أعدادهم أقل من أعداد هؤلاء بكثير، وحدثت المعركة بينهم والحديث طويل نرجئه للغد إن شاء الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.