إسلام ويب

تفسير سورة محمد الآية [7]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله عز وجل عباده بالنصر إذا هم نصروه سبحانه، وذلك بالتمسك بشرعه، فيأتمرون بأمره ويجتنبون نهيه، فإذا فعلوا ذلك فإن الله سينصرهم؛ وقد نصر عز وجل الصحابة، وفتح بهم مشارق الأرض ومغاربها، وما ذاك إلا بتمسكهم بشرع الله ودينه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ...)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-8] .

    وعد الله عز وجل المؤمنين بالنصر إذا نصروا دين الله سبحانه، ووعدهم أن يخزي أعداءه ويهزمهم ويجعل لهم التعاسة والخيبة والشقاء والخسران والوبال والهلاك، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا[النساء:122] .

    والإنسان المؤمن حين يتأمل في تاريخ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ثم الصحابة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم كيف دعوا إلى الله عز وجل، وكيف نصروا دين الله فنصرهم الله سبحانه تبارك وتعالى؛ يزداد يقيناً في أن النصر يكون مع أخذ أسباب هذا النصر، وأعظم الأسباب الإيمان، واليقين، وأيضاً الاستعداد، قال عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال:60]، فليس الأمر أن يقول الإنسان: أنا مسلم، وإذا كنت مسلماً فلازم أن أنتصر، ليس كذلك؛ فإن الله عز وجل يقول: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[الأنفال:66]، وهنا قيد (أن تعدوا) ويكون العدد قريباً من عدد العدو، أو يكون أقل من عدد العدو، ولكن ليس عدداً قليلاً جداً، فلتكن مائة أمام مائتين وألف أمام ألفين من الأعداء، فإن أعددتم لهذا العدو العدة فالله عز وجل ينصركم.

    فانتصاركم يكون باستعدادكم الإيماني، واستعدادكم البدني، وإعدادكم القوة والسلاح لحرب هؤلاء الكفار، وبثقتكم في الله سبحانه، وبالتوكل على الله سبحانه، وبأخذ الحذر من كيد الكفار، فهنا بيان أن الإنسان المؤمن ينتصر بالإعداد ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة)، وأنت مع الكافر إما أن تهزمه فتقتله، وإما أن تُهزم وتُقتل وتُغلب، فالإنسان إما غالب وإما مغلوب.

    فإذاً لا تضيع الأخذ بالأسباب؛ حتى لا تضيع نفسك، وتضيع دين الله سبحانه.

    1.   

    ذكر قصة معركة نهاوند

    ومن القصص التي ذكرت في التاريخ: قصة فتح نهاوند، وهذه القصة ساقها الإمام الطبري في تاريخه، وساقها ابن حبان وغيرهما، وفيها أن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه بعث جيوشاً لفتح نهاوند، وكان السبب في ذلك: أن الكفار أرسلوا إلى ملكهم ملك الفرس يزدجرد يقولون له: إن المسلمين أخذوا الأهواز، وهي بلدة من بلاد الفرس، فغضب، وأرسل إلى كل مكان ليجمع جيشاً عظيماً، فجمع جيشاً في هذا المكان، وكان عدد جيش الكفار نحو مائة وخمسين ألفاً من المقاتلين؛ ليقاتلوا المسلمين.

    فجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من يذهب إلى هنالك، وكان يريد أن يذهب بنفسه رضي الله عنه، ولكنه استشار الصحابة، ومن ضمنهم علي بن أبي طالب فكانت مشورة الصحابة عليه أنك لو أرسلت إليهم أهل اليمن من المسلمين، فسيزحف أهل الحبشة على اليمن، فيقاتلون أهل اليمن ويأخذون اليمن، ولو أرسلت إليهم أهل المدينة وأنت خرجت بنفسك، فسيتكاثر عليهم الكفار من حولهم، وتضيع المدينة، لكن ابق أنت في المدينة مثلما أنت، واترك أهل اليمن مكانهم، وأرسل إليهم مَن حولهم هناك من أهل الكوفة وغيرها، فأرسل جيشاً كان قوامه ثلاثين ألفاً، ولاحظ الفرق بين عدد الكفار وعدد المسلمين، فالكفار مائة وخمسون ألفاً، والمسلمون ثلاثون ألفاً، يعني: خمس عدد الكفار!

    فالكفار جاءوا بعدد ضخم جداً، وهم في غاية الغضب وغاية القوة يريدون الانتصار والانتقام من هؤلاء المسلمين، وقد ذكرنا أن الكفار أرسلوا إلى جيش عمر رضي الله عنه يطلبون واحداً يتكلمون معه، فذهب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وحصل ما حصل بينه وبين الأمير رئيس الكفار، وكان يريد أن يجلس معه على كرسيه؛ كنوع من الاستهانة به، والتحقير له ولمن معه، وتكلم معهم، فكلمهم بكلام مرعب، فأرعبهم في كلامه، وكان من ضمن ذلك أنه قال: كنا فقراء.. وكنا عالة.. وكنا وكنا وكنا، ولكن جاء النبي صلى الله عليه وسلم فجمعنا على الحق، واهتدينا بهذا الدين العظيم، ثم جئناكم الآن، وبلغنا أن دياركم فيها السمن وفيها العسل وفيها المال، فلن نرجع إلى التقشف وإلى الفقر الذي كنا فيه حتى نأخذ هذا منكم.

    فأُرعب الملك بهذا الكلام الذي قاله، وقال لما رجع: ما تركتهم إلا وقد أرعبتهم، أي: أنه تركهم في رعبهم.

    وهؤلاء الكفار الذين خرجوا للقتال طلبوا من المسلمين وقالوا: إما أن نعبر إليكم، أو أنتم تعبرون إلينا، فالمسلمون قالوا: اعبروا، فعبروا إليهم، يقول راوي القصة: فجعلوا يجيئون كأنهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألا يفروا من العرب.

    يعني: أنهم جعلوا بينهم عهوداً ألا يفروا من العرب، ولكنهم لم يصدقوا أنفسهم، فعهودهم ليست قوية، فلذلك احتاجوا أن يربطوا بعضهم إلى بعض، فجعلوا كل سبعة في سلسلة، فكان الرجل منهم عليه حديد، وصاروا كأمثال الجبال، ثم جاءوا لقتال المسلمين فقرن بعضهم إلى بعضهم، بحيث يبقوا جملة يقاتلون العرب، ولا يستطيع العرب أو المسلمون أن ينفذوا بينهم.

    فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلاً، إن عدونا يتركون أن يتتاموا فلا يُعجلوا؟! يعني: أنه كان له وجهة نظر، وكان قائد الجيش النعمان بن مقرن الصحابي الفاضل رضي الله عنه، وكان فيهم حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أفاضل الصحابة رضي الله عن الجميع، فـالمغيرة كان له وجهة نظر، والمغيرة كانت من أذكياء العرب في الجاهلية وفي الإسلام، حتى كانوا يقولون: إنه داهية من دواهي العرب، فرضي الله تبارك وتعالى عنه، وقد ذكرنا قصته في إسلامه، وذلك أنه ذهب مع مجموعة من الكفار إلى الحبشة فأعطاهم ملك الحبشة هدايا، وأعطاه أقل منهم، فلما كان راجعاً معهم سقاهم خمراً، وقتلهم جميعاً وأخذ أموالهم، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال: هذه أموالهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أما المال فلا -أي: أنك أخذته غدراً فلا نقبله-، وأما الإسلام فنعم) ، فرفض أن يأخذ منه المال، وله قصص وحكايات طويلة تدل على ذكائه وقدرته العقلية الفائقة رضي الله عنه.

    فهنا المغيرة لم يكن يعجبه أن الفرس يعبرون إلى المسلمين، وكأنه يقول: كيف نصبر عليهم إلى أن يتجيشوا ويتحصنوا، ثم نقاتلهم؟ ولذا قال: لم أر كاليوم قتيلاً، يعني: أنه سيكون فينا مقتلة عظيمة من هؤلاء إذا تركناهم.

    فـالنعمان بن المقرن رضي الله عنه أمر المسلمين أن يصبروا، وقال لهم: اصبروا، لا أحد يقاتل، فحضروا أسلحتكم، واصبروا إلى أن يأتي وقت الزوال، وتهب رياح النصر، قال لهم ذلك لأنه كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فإنه كان ينتظر إلى أن يمر وقت الظهيرة ويبدأ في القتال صلى الله عليه وسلم، لكن المغيرة لم يعجبه هذا الشيء؛ لأن الكفار سيرشقونهم بالرماح، وهم قاعدون وساكتون بأمر النعمان بن المقرن رضي الله عنه.

    وكان المغيرة يقول: والله! لو أن الأمر إلي قد أعجلتهم، وكان النعمان رجلاً بكاءً، فقال: قد كان الله عز وجل يشهدك أمثالها، فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك.

    يعني أنت أهل أن تكون قائد الجيش، وأنت لست أقل من ذلك، وقد كان الله يشهدك أمثالها، ولكن لا يعيق موقفك أنك الآن جندي عندي، وأنك تستحق أن تكون قائداً، ولا تحزن لذلك، وإني والله! ما يمنعني أن أناجزهم إلا شيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غدا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاة، وتهب الرياح، وينزل النصر.

    يعني: كان ينتظر إلى أن يأتي وقت صلاة فريضة، فيصلي ثم يقاتل صلوات الله وسلامه عليه، فيأتي النصر من عند الله عز وجل، فقال النعمان بن المقرن رضي الله عنه: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وأهله، وقال للمسلمين: إني داعٍ فأمنوا، والله عز وجل إذا فتح على يدي إنسان فهذا شيء عظيم جداً، والإنسان يفرح بذلك، والنعمان كان يريد أن يفرح بالنصر إذا انتصر الجيش، ومن ثم يكون هو شهيداً رضي الله عنه.

    فقال وهو يدعو ربه: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفار وأهله، ثم اختم لي على إثر ذلك بالشهادة. أي: لا أريد أن أعيش أكثر من هذا، أريد فقط أن تقر عيني بالنصر، والشهادة بعد ذلك.

    ثم قال: أمنوا رحمكم الله، قال: فأمنا، قال النعمان : إني هاز لوائي فتيسروا للسلاح، ثم هازها الثانية فكونوا متأهبين لقتال أعدائكم، فإذا هززتها الثالثة فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوهم على بركة الله.

    يقول: سأهز اللواء، فإذا هززته فاستعدوا، وكل واحد يحضر نفسه للقتال، والهزة الثانية اركبوا خيلكم وجهزوا أسلحتكم، والهزة الثالثة اهجموا على أعدائكم.

    وكان الأعداء قبل ذلك يرمونهم بالرماح، وكان المسلمون لا يقومون لهم، وكأن الكفار استقلوا هؤلاء، وظنوا أنهم ناس ضعفاء، فلما حضرت الصلاة وهبت الرياح كبر وكبرنا، وقال النعمان : ريح الفتح إن شاء الله، وإني أرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا، قال: فهز اللواء فتيسرنا، ثم هزها الثانية، ثم هزها الثالثة، فحملنا جميعاً كل قوم على من يليهم.

    وكان عدد المؤمنين قليلاً فإنهم كانوا ثلاثين ألفاً، أمام مائة وخمسين ألفاً جاءوا بأسلحة عظيمة جداً أمثال الجبال، وجاءوا متواثقين على أنهم لا يفروا، وكان الكفار واضعين وراءهم حسك الحديد، ففي أول القصة قال: وألقوا حسك الحديد خلفهم، أي: مثل شجر الشوك، ولكنها من الحديد، وأوقدوا ناراً وراءهم، ووضعوا حسك الحديد؛ من أجل ألا يفر أحد، وإذا فروا يقتلهم الحديد.

    وانظر إلى حكمة الله سبحانه تبارك وتعالى القائل: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، والقائل: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فهؤلاء جعلوا مقتلهم بأيديهم، ووضعوا حسك الحديد وراءهم، وهنا بدأ القتال وثبت الكفار وصبر لهم المسلمون، وكانوا ثلاثين ألفاً أمام مائة وخمسين ألفاً من الكفار، وقال النعمان للمؤمنين: إن أصبت أنا فعلى الناس حذيفة ، فإن أصيب حذيفة ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

    يقول راوي القصة: فوالله! ما علمت من المسلمين أحداً يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر.

    فالمؤمنون لا أحد منهم يريد أن يرجع إلى أهله إلا منتصراً، ولسان حالهم: إما أننا نقتل شهداء، فالجنة أمامنا، وإما أننا نظفر بهؤلاء، فإذا كانت هذه هي النية فمستحيل أن يفر صاحبها، مستحيل أن رجلاً يريد الشهادة فيفر؛ ولذلك ثبت المسلمون في قتال شديد، يقول الراوي: فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد، ولا نسمع شيئاً، ولا يوجد صوت إلا صوت الحديد على الحديد، والسلاح يضرب في بعضه، حتى أصيب من المسلمين عصابة عظيمة، فلما رأى الكفار أنه يقتل من المسلمين ويقتل من المسلمين ويقتل من المسلمين والباقي صابرون لا يفرون، لما وجدوا الصبر هذا، جعلوا يفرون، وقتل في المعركة ثلاثون ألفاً من الكفار، يعني: مثل عدد جيش المسلمين كاملاً، قال: فجعلوا ينهزمون، وجعلوا يرجعون ويقع الرجل فيقع عليه سبعة؛ لأنهم كانوا رابطين أنفسهم بالحديد، وهذا مصداق قوله عز وجل: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فلولا عون الله لما قدر ثلاثون ألفاً من المسلمين على مائة وخمسين ألفاً أمثال جبال الحديد، فهو نصر من عنده، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] فجعل كيدهم في نحورهم، وجعل بأسهم بينهم، وجعل تدبيرهم تدميرهم، ودمرهم سبحانه تبارك وتعالى بأسلحتهم.

    فالكفار جهزوا حسك الحديد، وأشعلوا النيران وراءهم، فإذا بهم يتساقطون إما في حسك الحديد، وإما في لهيب النيران، قالوا: قتل من هذا اللهيب مائة ألف!

    فقتل بأيدي المسلمين ثلاثون ألفاً، وقتل باللهب وحسك الحديد مائة ألف من الكفار، والباقي إما فروا منهزمين، وإما أُخذوا أسارى في أيدي المسلمين، فكان الفتح العظيم من الله سبحانه وتعالى.

    يقول: فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد خلفهم، قال النعمان : قدموا اللواء، فجعلنا نقدم اللواء فنقتلهم ونهزمهم، فلما رأى النعمان أن الله قد استجاب له، ورأى الفتح، جاءته نشابة فأصابت خاصرته، وجاءه وعد الله، واستجيبت دعوته رضي الله تبارك وتعالى عنه، فرمي بنشابة جاءت في وسطه رضي الله عنه فقتل، وقيل: بل زلقت فرسه على دماء الكفار، فوقع وقتل شهيداً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فوقع ما دعا به رضي الله عنه: النصر للمؤمنين، والشهادة له.

    قال: فجاء أخوه معقل بن مقرن ، فرآه واقعاً على الأرض، فلم يقعد جنب أخيه، ويقول: إن هذا أخي قتل، بل أخذ لواء المسلمين حتى لا يسقط على الأرض، وسجى أخاه وتركه، وجاء إلى المغيرة بن شعبة فقال: لا تخبروا أحداً؛ حتى لا ينهزم المسلمون، أي لا أحد يقول: إن القائد قتل، فعمي على المسلمين، وقاتلوا حتى نصرهم الله عز وجل.

    قال: فلما فرغنا واجتمع الناس، قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل : هذا أميركم، قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة، قال: فبايع الناس حذيفة بن اليمان ، وكان عمر رضوان الله عليه بالمدينة يدعو الله عز وجل وينتظر مثل صيحة الحبلى.

    فهنا هؤلاء يقاتلون، ومعهم أهل المدينة يدعون الله سبحانه وتعالى، فهنا اجتماع المسلمين؛ الذي يقاتل يقاتل، والذي لا يقاتل يدعو الله سبحانه وتعالى، قال: كان ينتظر مثل صيحة الحبلى، وهذه يعرفها الذي عنده حالة ولادة في البيت، فإنه يكون قاعداً خائفاً يترقب ماذا سيحصل، هل سينزل حياً أو سينزل ميتاً؟ وهل ستموت الحامل أو لا؟ قال: فجاءه الخبر بأن المسلمين قد انتصروا، قال: أبشر يا أمير المؤمنين! بفتح أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل فيه الشرك وأهله.

    فقال للبشير: النعمان بعثك؟ قال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين! قالوا: فبكى عمر واسترجع، وقال: من قتل؟ قال: فلان وفلان، حتى عد ناساً، ثم قال: وآخرون -يا أمير المؤمنين- لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ، لكن الله يعرفهم.

    والغرض من هذه القصة: أن الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين أنهم إذا نصروا الله تبارك وتعالى أن يأتي النصر من عنده سبحانه كما قال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126]، وقال: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، هذه صورة من الصور.

    وأعظم من هذه الصورة ما كان في يوم حنين من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه بقي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً، وأمامه جيش الكفار في عشرة آلاف واحد، ونصر الله عز وجل النبي قبل أن يرجع إليه الفارون من المسلمين، ولكن المسلمين هنا لم يكن معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كان معهم دين الله، وكان معهم الإيمان بالله سبحانه.

    نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يمكن لدينه، وأن يدمر الكفار كما دمرهم في نهاوند وغيرها، وأن يعز الإسلام وأهله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.