إسلام ويب

تفسير سورة محمد [1 - 2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة محمد تسمى: سورة القتال، وسورة الذين كفروا، ولها أغراض عظيمة جداً أولها: تحريض المؤمنين على قتال الكافرين، وذكر ثواب ذلك عند الله عز وجل، وقد أخبر سبحانه أنه يبطل أعمال الكافرين مهما كانت؛ لأنهم لا يبتغون بها وجهه الكريم سبحانه، وأنه سيسدد الذين آمنوا بما أنزله من الشرائع على نبيه صلى الله عليه وسلم في كل شيء.

    1.   

    مقدمة بين يدي سورة محمد

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم:

    الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:1-2].

    هذه السورة هي السابعة والأربعون في ترتيب المصحف في كتاب الله سبحانه وتعالى.

    سميت سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وسميت بسورة القتال، وسميت سورة الذين كفروا.

    وأسباب التسميات: سميت بسورة محمد؛ لأنه ذكر فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ذكر في آل عمران اسمه صلى الله عليه وسلم إلا أن هذه سابقة لسورة آل عمران، فسميت بذلك، أما سورة آل عمران فسميت باسمها المعروف.

    وسميت بسورة القتال؛ لأن الله عز وجل ذكر فيها القتال، وحرض فيها المؤمنين على قتال الكفار.

    وسميت بسورة الذين كفروا باعتبار أول آية فيها، الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1]، والسورة قد تسمى بما يذكر في أولها أو بما يشتهر ذكره فيها ببعض الأحكام التي تدل عليها السورة.

    هذه السورة مدنية باتفاق المفسرين، وإن كان روي أن فيها آية مكية وهي الآية الثالثة عشر فقد قيل: إنها نزلت في طريق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهل نزلت بعد غزوة بدر أو بعد غزوة أحد؟ المهم أنها سورة مدنية، وقد شرع الله عز وجل فيها القتال، وحرض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    والسورة ترتيبها على حسب نزول سور القرآن السادسة والتسعون، وقد نزلت هذه السورة بعد سورة الحديد وقبل سورة الرعد.

    واختلفوا في عدد آياتها على ما قدمنا قبل ذلك من خلافهم في مواضع الوقوف في الفواصل التي بين الآيات، وإلا فهي نفس الكلمات ونفس الحروف إلا أن البعض قد يعتبر هذه آية والبعض يعتبرها آيتين، ففي عد الكوفيين ثمانية وثلاثون آية، وفي عد الحجازيين والدمشقيين تسعة وثلاثون، وفي عد البصريين والحمصيين أربعون آية، فهم يختلفون في الوقف، فقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4]، يوجد فيها وقف لغير الكوفيين، أما الكوفيون فلا يقفون، ولا يعدونها آية، وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4]، وقوله: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، وقوله: لانتَصَرَ مِنْهُمْ [محمد:4]، في هذه المواضع يقف الحمصيون، فبناء على ذلك سيكون العدد عندهم أكثر من العدد عند غيرهم.

    أغراض السورة ومقاصدها

    الغرض من هذه السورة واضح من أولها، فهي تحريض للمؤمنين على أن يدفعوا عن أنفسهم وعن دينهم، وأن يطلبوا الجنة بالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، ولذلك معظم أغراض هذه السورة التحريض على الجهاد في سبيل الله عز وجل، والانتصار لهذا الدين العظيم، وذكر ثواب ذلك.

    ولذلك بدأت هذه السورة بذكر الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله [محمد:1]، ليتذكر المؤمن أن هؤلاء كفرة، مجرمون، يكفرون بربهم سبحانه وتعالى، ويجحدونه سبحانه، بل ويصدون المؤمنين عن سبيل الله، فأول آية في السورة فيها تحريض للمؤمنين على هؤلاء الذين يصدونهم عن دينهم، وطردوهم من مكة، ثم جاءوا إليهم إلى المدينة ليقاتلوهم، وليضيعوا عليهم دينهم، فقد افتتح الله عز وجل هذه السورة بما يثير حنق المؤمنين على المشركين لكونهم كفروا بالله وصدوا عن سبيله سبحانه وتعالى.

    وكذلك من أغراض هذه السورة أن الله عز وجل بين للمؤمنين أن الكافر غير مسدد وغير موفق؛ لأن التوفيق من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، فالله هو الذي يوفقك، أما الكافر فلا يستحق التوفيق، فالله عز وجل يقول للمؤمنين: قاتلوا هؤلاء، فإني سأثبتكم، وأنصركم، وأسدد رميكم، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14]، وهذا التأييد كله إذا كان القتال في سبيل الله عز وجل وليس في سبيل الدنيا، وليس رياءً ولا سمعة، فإذا أخلص المؤمنون فإن الله وعدهم بأنه سيكون معهم سبحانه وتعالى، وأعلمهم سبحانه بأن الكفار لن يسددوا، بل إن الله سبحانه وتعالى سيحبط أعمالهم، ثم أخبر المؤمنين بأنهم لا بد وأن يقاتلوا في سبيل الله عز وجل من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه، ونصر دينه سبحانه وتعالى، وأنه لو شاء لنصر دينه من غير جهاد أو مجاهدين، ولو شاء لمحق الكفر والكافرين، ولكن لحكمة من الله عز وجل لا بد من الابتلاء، والتنازع بين هؤلاء وهؤلاء ليعلم من الذي يثبت على دينه سبحانه وتعالى.

    وفي هذه السورة وعد الله المجاهدين بالجنة، وأنه سيعطيهم الدرجات العلى منه سبحانه، كما أنه أمر المسلمين بمجاهدة الكفر والكافرين، ونهاهم أن يدعوا إلى السلم وإلى التراخي، فليس المسلم كالكافر، فلا تهنوا، أي: إياكم أن يصيبكم الهوان، فإذا أنت -أيها المسلم- أهنت نفسك أهانك غيرك، فلا تنظر لنفسك بعين التحقير مع هؤلاء الكفار.

    ولذلك يشرع للمؤمن أن يختال على الكفار في ميدان الجهاد والقتال في سبيل الله سبحانه، ولا يري من نفسه الضعف، ولكن يري من نفسه القوة والعزة، فهو معتز بدين الله سبحانه، فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]، فإذا كان الله سبحانه معكم أيها المؤمنون فأنتم الأعلون، والله سبحانه لن ينقصكم ثواب أعمالكم، فما الذي سيجعلكم تهنون أمام الكفار؟ فالله سبحانه يدعو المؤمنين لجهاد الكفار إلى أن ينتصروا عليهم، فإن جنحوا للسلم فاجنح لها، أما أن تجنح للسلم وتجنح للتراخي في حال انهزامك وتلغي الجهاد في سبيل الله عز وجل، فإن الله لم يأمرك بذلك، طالما أن دين الله يتعرض له الكفار بالإيذاء، ويشرع جهاد الدفع والابتداء إلى أن يدخل الناس في دين الله أو يتركوا المسلمين يدعون الناس إلى الله سبحانه من غير أن يصدوا عن سبيل الله سبحانه وتعالى، عند ذلك تشرع الأحكام الأخرى التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه.

    أيضاً من أغراض هذه السورة إخبار المشركين بأن الله عز وجل سيصيبهم بمثل ما أصاب السابقين قبلهم، فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [يونس:102] أي: لينتظروا ما تكون النتيجة من قتالهم المؤمنين.

    ومن أغراضها أيضاً وصف الجنة وما فيها من النعيم العظيم مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، ليشتاق المؤمنون إلى الجنة، فكأنه يقول للمؤمن: الجنة أمامك، وما بينك وبين الجنة إلا أن تقاتل في سبيل الله، مخلصاً لله سبحانه، أو تموت وفي نيتك أن تجاهد في سبيل الله، وفي قلبك إيمان بالله سبحانه.

    ومن أغراضها: وصف النار وما فيها، وذكر طعام أهلها وشرابهم الذي يقطع أمعائهم، فهل يستوي ما في الجنة وما في النار؟ لا يستويان أبداً.

    أيضاً من أغراضها وصف حال المنافقين، واندهاشهم وحيرتهم إذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال، فهم في وقت السلم يقولون: متى نجاهد؟ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:20] أي: كل من يتلفظ بالإيمان لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:20-21] أي: بدل أن يقولوا: لماذا لم تنزل آيات فيها ذكر القتال يطيعون الله عز وجل، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، حتى إذا أنزلت الآيات في القتال جاهدوا في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    أيضاً من أغراضها: تهديد المنافقين بأن الله سيفضحهم، وأنه سيريهم نبيه صلى الله عليه وسلم بأسمائهم فهو يرى سيماهم، وعلامات المنافقين واضحة، يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم بها. وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ [محمد:30] أي: لعرفتهم بأوصافهم وأسمائهم ولكن تعرفهم في لحن القول، وتعرف إشاراتهم وأفعالهم.

    ثم ختم الله عز وجل السورة بالإشارة إلى تحقق وعد الله للمسلمين بنوال السلطان، وحذرهم إذا صار إليهم الحكم، وصار بين أيديهم الملك أن يفسدوا في الأرض، وأن يقطعوا أرحامهم، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلُيتمْ [محمد:22] أي: إذا كان الأمر كذلك أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    كذلك في هذه السورة الحث على تدبر كتاب الله سبحانه، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، فهو يصف الإنسان الذي يسمع القرآن فلا يعقله ولا يتدبره بأنه مقفول على قلبه فلا يعرفه ولا يفهمه، فالإنسان المؤمن إذا سمع كتاب الله لا بد أن يرعه سمعه وقلبه وأن يتأمل وأن يتدبر فيه، وخاصة آيات الأحكام والآيات التي تتحدث عن الكون كخلق السماوات والأرض، فإنه لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] قال: (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن سمعها ثم لم يتفكر فيها)، فإذا سمعت آيات الله عز وجل وجب عليك أن تتأمل وأن تتدبر هذه الآيات حتى لا تدخل في الوعيد الذي ذكره الله سبحانه في الآية السابقة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم)

    ابتدأت هذه السورة بقوله سبحانه: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1]، كفر بمعنى: جحد، والكفر هو التغطية والستر، ولذلك يسمى المزارع كافر؛ لأنه يضع البذرة في الأرض ويكفرها بالتراب أي: يسترها.

    فكأن الكافر غطى على دلائل ما يدخله في دين الله سبحانه، وما يعرف به الله سبحانه وتعالى، فهو يريد أن يطمس النور الذي جاء من عند الله سبحانه، فهو يقول: لا يوجد إله أو آلهة مع الله، كأنه جعل ربه عاجزاً يحتاج لآلهة أخرى معه! حاشا لله سبحانه وتعالى.

    فالكافر حين ينكر آيات الله، وينكر نعم الله يكفرها، ويغطيها ويسترها فلا ينظر إليها ولا يدعو إليها.

    والكفر فعل لازم لهم في أنفسهم، والصد فعل متعد، فهم يصدون غيرهم عن طاعة الله وعن سبيل الله سبحانه وتعالى، فكفروا في أنفسهم ومنعوا غيرهم من الدخول في الإيمان بالتعذيب والتهديد والوعيد وغير ذلك.

    وسبيل الله هو طريق الله المستقيم، طريق الإيمان، والإسلام.

    أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1]، أي: أعمال الكفار، والضلال بمعنى الضياع والتيه وعدم الهداية، فهو سبحانه لم يهدهم في أعمالهم بل أضلهم بالطمس على قلوبهم، وعلى أبصارهم وبصائرهم، فلا يفهمون ولا يعقلون، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    وقوله: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1]، هي من الآيات القصيرة التي لها معانٍ عظيمة جداً، وهي كثيرة في القرآن، وهذا من بلاغة القرآن فهو يبلغ إلى المعنى الذي يريده وإلى المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة.

    ولها معنى آخر: وهو أن الله عز وجل أبطل على هؤلاء كيدهم ومكرهم وتدبيرهم للمؤمنين، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، وهذا وعد من الله عز وجل، أنه مهما مكر بكم الكفار واعتصمتم بالله سبحانه فإنه ناصركم عليهم، ومبطل كيدهم أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1] أي: أبطل كيدهم ومكرهم وتدبيرهم لكم.

    ولها معنى ثالث وهو: أنهم إذا جاءوا يوم القيامة تكون أعمالهم كلها هباءً منثوراً، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، فقد كانوا يطعمون الحجيج، ويسقونهم ابتغاء السمعة، ليس ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، وابتغاء الشرف، ومن أجل أن يقال عنهم: هذه القبيلة أفضل من هذه القبيلة، ولذلك كان سبب صدهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الله المفاخرة، لأنه سيكون أحسن منهم بزعمهم، فقد قالوا: تسابقنا مع بني هاشم، أطعموا الحجيج وأطعمنا الحجيج، وسقوا الحجيج وسقينا الحجيج، وعمروا المسجد الحرام وعمرنا المسجد الحرام، ثم لم يلبثوا أن قالوا: منا نبي، فأنى لنا بنبي؟

    إذاً كان إطعام وسقاية الحجيج ليس من أجل التقرب إلى الله، وإنما كان لأجل المفاخرة وابتغاء الدنيا، وأن يكون لهم ذكر وفخر وشرف بين الناس.

    ولذلك قالوا: حتى إذا كنا كفرسي رهان، أي: حتى إذا كنا في الشرف سواء قلتم: منا نبي! ومن أين نأتي بنبي؟ إذاً: فلن ندخل في هذا الدين.

    فأبطل الله عز وجل ما عملوا مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، من صلة الأرحام، وفك الأسرى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار، ونصر المظلوم، ونحو ذلك، فأبطل الله عز وجل عليهم أعمالهم؛ لأن هذه الأعمال لم يبتغ بها وجه الله سبحانه وتعالى، حتى وإن ابتغوا وجه الله بشيء منها فهم يشركون بالله سبحانه ويتقربون إلى غيره من أصنام وغيرها، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وما كان خالصاً له وحده سبحانه وتعالى.

    وكان من هؤلاء الذين يوصفون بالإطعام المطعم بن عدي وقد كان هذا اسمه، واشتهر بأنه يطعم الناس، فكأنه أخذ فعله من اسمه، ابتغاء الدنيا، فكان ابنه يقول للنبي صلوات الله وسلامه عليه: أبي كان يطعم الحجيج ويفعل ويفعل، هل هذا نافعه عند الله عز وجل؟ قال: لا، (إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، يعني: ما أخلص لله عز وجل، فقد كان عمله لغير الله، فلا يقبله الله عز وجل.

    كذلك من هؤلاء من أطعموا في يوم بدر، فقد كان فيهم اثنا عشر رجلاً تكفلوا لجيش الكفار بالطعام، فكانوا ينحرون عشرة جمال أو تسعة جمال كل يوم، وهؤلاء الاثنا عشر: أبو جهل والحارث بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبي بن خلف وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ونبيه بن الحجاج وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام والحارث بن عامر بن نوفل ، هؤلاء الاثنا عشر أنفقوا من أموالهم، والله يقول: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1]، فلو أنفقوا ما أنفقوا فإنه إنفاق على الكفر لا ينجح عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ...)

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ [محمد:2] الذي نزل على محمد، هو هذا الدين العظيم، وهذا القرآن الكريم، وهذه الشرائع من رب العالمين سبحانه التي تعلم الناس من ربهم وما دينهم ومن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وما الذي يرضي الله عز وجل، وما الذي يغضب الله، فهؤلاء الذين آمنوا بذلك ونفذوا أمر الله سبحانه، استحقوا من الله عز وجل أن يكفر عنهم سيئاتهم، وأن يستر ما وقعوا فيه من المعاصي والسيئات، وأن يصلح حالهم وبالهم وعملهم، وأن يقبل ذلك منهم ولا يحبطه.

    وللحديث بقية إن شاء الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.