إسلام ويب

تفسير سورة لقمان [33 - 34]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نداء من الرحمن يتردد صداه في قلب كل مؤمن، يأمر فيه عباده بالتقوى، ويحذرهم من يوم القيامة وأهواله، ويبين لهم كيف أنهم من شدة تلك الأهوال يهرب كل قريب عن قريبه، بل لا يحمل أحد عن أحدٍ شيئاً، نداء يحذرهم من الاغترار بالدنيا وزينتها، ويحذرهم من الشيطان وتلبيساته، وإذا كان الأمر كذلك فإن وقت الساعة غير معلوم قد استأثر الله بعلمه، كما استأثر بعلم نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وعلم ما يكسب الإنسان في غده، وعلم متى وأين يموت الإنسان، وهو سبحانه العليم الخبير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة لقمان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:42-34]

    في هاتين الآيتين يأمر الله عز وجل عباده بتقواه، وأن يخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، وهذا متحقق يوم القيامة، وهو يوم عظيم ذكره الله عز وجل في القرآن وسماه بأسماء متعددة فهو يوم القيامة، وهو الطامة الكبرى، وهو الصاخة، وهو الحاقة، فهو يوم عظيم تدل أسماؤه على ما فيه، وهو يوم تقوم فيه الساعة، وقد أخفاها الله سبحانه وتعالى على جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو، فإذا أمر ينفخ الصور مات كل من على هذه الدنيا، ثم يأمر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بإحياء الخلق فيرجعون مرة أخرى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار.

    من أسماء يوم القيامة: الطامة، والطامة هي المصيبة العظيمة، وسميت طامة لأنها تطم وتعم، والصاخة؛ لأنها تصخ الآذان بهول الصحية التي تكون يوم القيامة، والحاقة؛ لأن الله عز وجل يحق فيه الحق، ويظهر للإنسان فيه ما كان يكتمه في الدنيا، كما ذكر الله عز وجل أن يوم القيامة فيه شر عظيم، قال تعالى: وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، أي: منتشراً عظيم الانتشار.

    وفي هذه الآية يحذر الله عز وجل العباد منه قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا [لقمان:33] وقد ذكر طول هذا اليوم في القرآن، قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] فمهما عمر الإنسان في الدنيا واستشعر بطول العمر فيها لأنه عاش ثمانين سنة، أو عاش مائة سنة، أو عاش ألف سنة، فسيأتي يوم القيامة ليجد هذا اليوم يوماً عظيماً طويلاً عبوساً قمطريراً، حتى يقول بعض الناس لربهم سبحانه يوم القيامة من شدة ما يعانونه في هذا اليوم: ربنا اصرفنا ولو إلى النار، يظنون أن النار أهون من هذا اليوم؛ لما يرونه في هذا اليوم من أصناف العذاب.

    فيرون عذاب الإنسان الذي منع زكاة ماله، إذا كان ماله من غنم، أو من بقر، أو من إبل، فإنه يفرش لهذه الأشياء في قاع قرقر أي: منبسط واسع فسيح كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تأتي عليه إبله فتطؤه بأخفافها، وتعظه بأنيابها، وتظل تدور عليه في هذا اليوم الطويل حتى يرى مصيره إما إلى النار وإما إلى الجنة، ويؤتى بالإنسان الذي كان يكنز الذهب والفضة في الدنيا ولا يخرج زكاتها فتصفح له صفائح الذهب والفضة من نار يكوى بها وجهه وظهره وجنبه في هذا اليوم الطويل العبوس القمطرير، حتى يرى مصيره إما إلى النار وإما إلى الجنة.

    لقد حذرنا الله عز وجل منه فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33] أي: لن يأتي رجل يوم القيامة ليقول: أنا أفدي ابني، بل يقول: نفسي نفسي وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شيئاً [لقمان:33] وكذا لن يقول الابن: أنا أحمل عن أبي، أو أدخل مكانه النار، بل كل إنسان يقول: نفسي نفسي، ونكر (شيئاً) في الآية، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي: أي شيء ولو دق ولو قل، ثم أكد وقوع هذا اليوم فقال: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فقد وعد بأن يكون حساب وجزاء، فكان وعد من الله حق، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أي: لا يغرنكم الأمل، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه أمر أصحابه وأمر المؤمنين أن يزوروا المقابر، فإنها تذكر الآخرة)؛ فإن الإنسان عندما يذهب إلى القبور وينظر إليها وهي حفرة في الأرض صغيرة عميقة يدفن فيها الميت ويغطى، ولعله يتذكر كم كان الإنسان يلعب في هذه الدنيا، وكم كان يمرح ويجري ويضحك بملء فيه وهو لا يدري ما الذي يختبئ له في قبره، ولا يدري ما الذي يدخره له ربه سبحانه من حساب على أعماله التي عملها في الدنيا، وهو توجيه للمغرور: أن انظر إلى القبور، وانظر إلى الحفرة التي ستنزل فيها وهي بضيقها حيث لا تتجاوز نصف متر عرضاً في مترين ونصف طولاً، مكان لضيقه لو نزله الإنسان فيه حياً فلن يستطيع الحركة.

    أيها المغرور! تذكر كم من الناس دفنوا فيها؟ لو عدو لبلغوا الملايين، كلهم نزلوا في هذه القبور وأكلتهم الأرض وفنوا، وانتهى أمرهم، ثم يظلون فيها حتى يبعثهم الله عز وجل يوم القيامة، فالإنسان في غفلة عن الموت، في غفلة عن القبر، في غفلة عن هذا المكان الذي يسأل فيه: من ربك؟ ما دينك؟ ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فإذا كان الإنسان في لهو ولعب وغفلة عن القبور، فإنه يأتي في قبره فلا يحير جواباً، فيقول: هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، كما كان يضحك في الدنيا، ويسخر في الدنيا، إلا أنه في الدنيا كان يضحك من قلبه، أما في قبره فإنه يقول: هاه هاه بصوته فقط، بل ببكاء مرير وخوف عظيم.

    وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] أي: لا يفتننكم الشيطان الذي غركم وخدعكم في الدنيا فاقتتلتم فيها، وسلبتم أموالكم ظلماً وزوراً وعدواناً، لقد مكر بكم الشيطان حتى أرداكم، فلما متم ودفنتم في القبور وجدتم نتيجة هذه الأعمال، أما المؤمن فإنه يجد في قبره من يعينه على أن ينطق؛ لأن الله يثبته سبحانه وتعالى، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى يخبر عن تثبيته لهم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]، كما أن هذا القبر الضيق الذي لا يكفي أن يتكئ الإنسان فيه، يأمر الله أن يتسع له القبر مد بصره، وينور له في قبره، ويفرح الإنسان بما يرى، ويفتح له باب إلى الجنة، ويقال: هذا منزلك، وحين يفرح العبد يقول: يا رب! أدخلني فيها أدخلني منزلي، فيقال له: نم نومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب الناس إليها، ثم ما زال أمامك وقت حتى تبعث يوم القيامة.

    أما الإنسان الفاجر والكافر الذي لا يدري من ربه وما نبيه وما كتابه، فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً، ويصرخ صرخة عظيمة فظيعة في قبره يسمعه كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فتسمعه الهوام والدواب والحيوان والملائكة، ولا يسمعه الإنس والجن؛ لأنهم لو سمعوا هذا الصوت لصعقوا ولتابوا إلى ربهم وأنابوا، ولكن الله شاء أن يجعل الدنيا دار ابتلاء ودار امتحان، ودار غرور، لينظر أيكم أحسن عملاً، وينظر من يصدق ربه سبحانه ومن يكذب ويعرض عن الله سبحانه وتعالى.

    ويحذر الله سبحانه من الدنيا مع أنه زينها، قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14] فقد زينها الله سبحانه وتعالى فتنة لعباده، وقال: احذروا من هذه التي زيناها لكم، فإنما أريناكم كيف نزينها حتى تعرفوا أن في الدار الآخرة الجنة وهي أجمل من هذه، فاتركوا هذه الدنيا للجنة، فالله سبحانه وتعالى أرى عباده ما يكون في الجنة بشيء مما أراهم في الدنيا؛ حتى يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى.

    لقد حذر الله عباده من الشيطان فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] فقد أخبرنا الله سبحانه في كتابه كيف يمكر الشيطان بالعبد، ويسخر منه، وبين موقف الشيطان حين يلجأ الإنسان إليه فيتبرأ الشيطان منه ويقول كما أخبر الله عنه: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:48] فالشيطان ينزع يده من الإنسان بعد أن يرديه في النار ويوقعه في معصية الله سبحانه، فليحذر المرء أن يغره بالله الغرور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة...)

    لقد اختص الله سبحانه نفسه بعلم أشياء لم يطلع أحداً من الخلق عليها ذكرها الله تعالى في قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34]، وهذه من جملة مسائل العقيدة التي يؤكدها لنا الله سبحانه في هذه السورة المكية وفي غيرها من سور القرآن، ولكنها أكثر تأكيداً في السور المكية، وإنما يركز على أمر العقيدة لأنها تربية للإنسان المؤمن، إذ يربى المؤمن من خلالها على حب الله سبحانه، وطاعته وتوحيده وعدم الشرك به سبحانه، والخوف منه، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والاستعداد ليوم النشور، كما قال الله سبحانه كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] فهذه خمسة من أصول الإيمان، يتبعها أصل الإيمان بالقضاء والقدر، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] وبذلك تمت الستة الأصول من أصول الإيمان التي يركز القرآن على بيانها وتوضيحها، وذلك حتى يؤمن العبد بأصول الإيمان، فيؤمن بربه، ويؤمن بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ويؤمن باليوم الآخر، وفي الآية التي بين أيدينا يذكر الله تعالى إحدى مسائل الإيمان.

    اختصاص الله تعالى بعلم الساعة

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان:34] أي: أن الله اختص نفسه بعلم الساعة فلا يعرف أحد متى تكون الساعة، وإن كان الله سبحانه قد أخبرنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم أنها تقوم في يوم جمعة، إلا أننا قطعاً لا ندرك أي جمعة من الجمع ستقوم فيها، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم كذلك أن قبل الساعة علامات صغرى وعلامات كبرى، أما العلامات الصغرى فقد رأينا الكثير منها، ومن ذلك ما يراه الإنسان من معاص لله سبحانه وتعالى، ومن الفساد في الأرض، ومن نزع الأمانة من قلوب الرجال حتى يقال عن الرجل: ما أظرفه وما أعقله، وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ومنها أيضاً: أنك ترى الناس قد تركوا دين الله عز وجل وراءهم، وضيعوا الأمانة، فترى المتبرجات ضيعن أمانة الله سبحانه وتعالى وانتشرن في الأرض يغوين ويضللن عن سبيل الله.

    أما العلامات الكبرى فإنها إذا جاءت فإن الساعة على وشك أن تقوم كما ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم تلك العلامات لأمته، ومنها: ظهور الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوفات: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب، ونار تحشر الناس إلى أرض المحشر، فهذه العلامات إذا وقعت، عرف الناس أن الساعة قريبة، ومع ذلك فإنها تظل مبهمة حتى يأتي أمر الله فجأة، فتقوم الساعة وليس على الأرض من يقول: الله، الله، إذ إنها تقوم على شرار الخلق، وقد نسوا ربهم سبحانه، فلا أحد يقول الله، إلا عجائز من الناس يذكرون أنهم سمعوا من أجدادهم من يقول ذلك، كما تقوم الساعة والناس يتهارجون في الأرض كتهارج الحمر، فيكثر الزنا في الأرض حتى يرتكبه صاحبه في أي مكان كما تفعل الحمير، وكون الإنسان يدرك أن الساعة تكون قريبة لما يرى لها من علامات صغرى وكبرى، فهذا واقع، لكنه لا يدري متى تكون ساعته هو، كما لا يدري متى تكون القيامة الكبرى.

    كما أن الله سبحانه قد يري أنبياءه عليهم الصلاة والسلام أشياء لا يطلع عليها غيرهم، كما يذكر: أنه يكون كذا في يوم كذا، فيخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما غيبه الله سبحانه وأطلع عليه نبيه عليه الصلاة والسلام، وقد يري الله سبحانه وتعالى رؤيا يكون فيها أنه سيموت في اليوم الفلاني ويحدث هذا الأمر، وهذا لا يقدح في علم الله، فالله عنده علم ساعة العبد، فهو الذي أطلعه على ميقاتها، كما أطلع نبياً من الأنبياء على شيء من علمه سبحانه وتعالى الذي غيبه، وليس معنى ذلك أنه يعلم صلى الله عليه وسلم متى تقوم القيامة، فيعلم في أي يوم تقوم، وإن كان قد علم أنه في يوم جمعة، لكنه لا يعلم صلى الله عليه وسلم أي جمعة من الجمع تقوم فيها، بل كان يقول في المسيح الدجال (إن يظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم)، فكان يظن عليه الصلاة والسلام أن المسيح الدجال قد يظهر وهو حي، صلوات الله وسلامه عليه، ولم يظهر في حياته ولا بعد وفاته إلى الآن، ولكن لا شك أنه سيظهر في يوم من الأيام.

    وبذلك يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم العلامات التي تكون قبل الساعة، أما أنه علم متى تظهر هذه العلامات فهذا أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    اختصاص الله تعالى بإنزال الغيث وعلم ما في الأرحام

    قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34] الغيث: هو المطر العظيم العميم الذي يغيث الله عز وجل به العباد، فيخرجهم به من العطش ومن المحل ومن القحط ومن الجدب إلى الري وإلى الخصب وإلى النماء والرواء من فضله سبحانه وتعالى، وهذا الغيث يدرك العباد برحمته بعدما كادوا ينقطعون؛ إذ إنه لا يقدر على إنزال الغيث من السماء إلا الله سبحانه وتعالى، ثم قال سبحانه: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] أي: يعلم أن هذا ذكر أو هذه أنثى، فالله عز وجل كما أخبر في آية أخرى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:8] فإنه سبحانه يزيد الرحم شيئاً فشيئاً حتى يكون هذا الجنين في الشهر التاسع، ثم يخرج هذا الجنين إلى الدنيا، وقوله: وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [الرعد:8] أي: ما تكون عليه من نطفة تحولت إلى علقة، ثم تحولت إلى مضغة، وجاء القدر فنزلت في حيض المرأة، وغاض الرحم وذهبت لأمر الله سبحانه وتعالى، والإنسان معلوم أنه لا يعرف ما يكون من شأن هذه النطفة، فلا يعرف هل سوف يعيش جنينها أم يموت؟ وإذا عاش هل سيكون شقياً أم سعيداً؟ وإذا كتب له الحياة فكم سوف يكون عمر هذا الإنسان في هذه الدنيا؟ وكيف سيكون عمله فيها؟ وكيف سيأتيه أجله؟ وهل يوم القيامة سيكون من أهل الجنة أم من أهل النار؟ ولذا فإن علم الله سبحانه تبارك وتعالى لما في الأرحام هو العلم المحيط بكل شئونها، ولا يقال أن الأطباء يعرفون بالأشعة التلفزيونية أن هذا ذكر أو هذه أنثى! نعم.. قد يعلم الأطباء بما علمهم الله عز وجل أن هذا ذكر أو هذه أنثى في المراحل المتأخرة من الحمل، ولكن العلم المحيط بكل أمور الحنين علم الله وحده لا شريك له سبحانه، فهو وحده يعلم ما في الأرحام، ويعلم كل شيء عن هذا الذي كون في رحم المرأة.

    اختصاص الله تعالى بعلم ما في المستقبل

    ثم قال سبحانه: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34] قوله: (نفس) نكرة في سياق النفي تفيد العموم أي: أي نفس، فكل نفس لا تدري ما الذي تكسبه في غدها؟ وكسب الإنسان عام في كل كسب، فهو لا يعلم كسبه من حسنات ومن سيئات، ولا يعلم كسبه من أموال ومن أعمال، وقد يعد الإنسان نفسه بأنه في الغد سيفعل كذا وكذا، ولا يأتي عليه الغد إلا وقد مات، وقد يأتي عليه وهو حي لكنه لا يفعل شيئاً من هذه الأشياء، كأن يفجأه مرض فيمنعه من القيام بما وعد به نفسه، أو يطرأ عليه نسيان، أو تأتي عليه حوادث الدهر من باب المسجد وهو يفكر: سأذهب إلى البيت لكي أعمل كذا وأعمل كذا، فلا يذهب إلى البيت، بل يذهب إلى مكان آخر، أو يذهب إلى البيت ولا يعمل ما فكر فيه، فالله عز وجل هو الذي يقدر هل سوف يكون هذا الشيء أم لا يكون، وبذلك يعلم أنه لا تدري النفس ما الذي تكسبه في الغد من حسنات ومن سيئات، ومن أقوال ومن أعمال، ومن أموال وغيرها.

    اختصاص الله تعالى بعلم موعد أجل الإنسان ومكانه

    ثم قال سبحانه: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] قد يذهب الإنسان إلى مقبرة من المقابر ويشتري تربة ويجهزها تحسباً إذا مات أن يحمل إليها، لكن الله قد قدر شيئاً آخر، كأن يسافر إلى مكان آخر فيموت فيه ويدفن فيه، فالله سبحانه أخفى عن العباد مواقيت موتهم وأمكنتها، وأمرهم بالإيمان به سبحانه، وهو لا يقدر لهم إلا الخير، فاختيار أمر الله سبحانه، والرضا به، والرضا عنه سبحانه وتعالى دليل الإيمان، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني والإمام أحمد من حديث أبي هريرة كما جاء من حديث أبي عزة الهدجي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان:34] إلى قوله وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]).

    قد يظل الإنسان عمره كله في بلده الذي ولد فيه، فلا يسافر خارجها مطلقاً، وفجأة يأتي أمر من الأمور، كأن يحتاج لحاجة من الحاجات، أو يظن أن رزقه في المكان الفلاني، ثم يترك بلده ويذهب إلى هذا المكان لقضائه وقدره، فما أن يصل إلى هذا المكان حتى يقبضه ملك الموت، فيموت في هذا المكان الذي لم يكن يخطر بباله أن يذهب إليه يوماً من الأيام، وبذلك تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى، أنه هو الذي قدر الأقدار، وأنه وحده الذي اطلع على الغيب، فهو يعلم كل شيء خفي عن العباد سبحانه وتعالى.

    ولعلنا قد ذكرنا قبل ذلك قصة المليونير اللبناني الذي بنى لنفسه مقبرة ضخمة كبيرة، ثم أتى بزملائه من الناس الذين يحبهم وأصدقاء السوء الذين كانوا معه وقال لهم: أنا عندما يقدر أن أموت سأدفن في هذا المكان، وطلبي منكم أن تقيموا لي حفلة في كل سنة، وتحضروا فيها الموسيقى وترقصوا وتلعبوا حولي في هذا المكان لكي تؤنسوني في قبري، فإذا بالله عز وجل يري الناس في هذا الإنسان آية، فيركب هذا الإنسان الطائرة مع غيره من أصدقائه، وبينما تطير الطائرة فوق البحر تتعطل لتغرق في البحر، ويشاء الله أن تطفوا جثث زملائه إلا هو، فمع أنه أراد لنفسه الدفن في مكان وسخر من الموت بهذه الصورة، إلا أن الله عز وجل أهلكه، فأكلته أسماك البحر أو أخذه الله عز وجل حيث شاء سبحانه.

    وليحذر المسلم من الاستهزاء أو السخرية بأمور الغيب، فإنه أمر الله عز وجل الذي قدر كل شيء، وقد جاء في حديث رواه البخاري من حديث ابن عمر قال: صلى الله عليه وسلم: (مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيط الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) وجاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال له: صدقت، ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر وخيره وشره، قال: صدقت، فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، فأخبرني متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فحين سأله عن وقت قيام الساعة أجابه بما معناه: أنا وأنت في عدم العلم سواء فأنت لا تعلم وأنا كذلك، (قال: فأخبرني عن أمارتها)، أي: ما هي علامات الساعة؟ قال: (أن تلد الأمة ربتها -أو ربها- وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان).

    وقوله: (أن تلد الأمة ربتها أو ربها)، أي: يكثر بيع الإماء، فتباع الأمة التي لها الولد، ويصير ابنها حراً وهو لا يعرف من أمه، وفي يوم من الأيام إذا به يشتري أمه لتصير أمة عنده وهو لا يدري أنها أمه، وهذا أحد تفاسير هذه الكلمة من هذا الحديث، وقوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)، أي: الفقراء الذين كانوا لا يجدون ما يأكلون، بل هم من شدة فقرهم يمشون حفاة لا يجدون ما ينتعلون به، وعراة لا يجدون ما يلبسون، يصيرون أغنى الأغنياء ويتطاولون في البنيان، ولم يكن الصحابة يفكرون أن المباني ستبلغ الأدوار ذوات العدد، وأقصى ما كانوا يرونه بيتاً يتكون من طابقين، فكانوا لا يتطاولون في البنيان، ولم يكن في فكرهم هذا الأمر إلا علماً قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه لهم، فإذا الذي كان في يوم من الأيام غنياً وآباؤه أغنياء قد أصبح فقيراً ممن لا يجدون شيئاً، وإذا بالفقراء الذين كانوا لا يجدون شيئاً قد أعطاهم الله عز وجل العطاء الجم، فالله سبحانه يغير ويبدل، ويري العباد من الآيات ما يعتبرون بها.

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] أي: عليم بكل شيء، فعلمه سبحانه محيط بما كان وما سيكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، (خبير) والخبرة: دقة العلم، فالله عز وجل علمه دقيق يعلم ما لا يعلمه أحد، ويرى ما لا يراه أحد سبحانه وتعالى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003002093

    عدد مرات الحفظ

    718638201