إسلام ويب

تفسير سورة لقمان [31 - 33]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نعم الله سبحانه على العباد كثيرة، ولأنها تنسى مع طول المداومة يذكر الله بها بين الفينة والفينة في كتابه، ويبين عجز الإنسان لتظهر عظيمة منته سبحانه على عباده؛ ولأن الإنسان قد لا يتذكر بالوعظ فقد يبتلى بخوف أو مرض أو غيره ليعود إلى ربه، ويتذكر ما أعده له، وما سيلاقيه يوم القيامة من أهوال، ومدى حاجته إلى الحسنة الواحدة فيعمل للنجاة في ذلك اليوم العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر ... ولا يغرنكم بالله الغرور)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة لقمان: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:31-33].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات لعباده نعماً من نعمه العظيمة، وما أكثر نعم الله سبحانه! فيقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ [لقمان:31]، إن تيسير الانتقال في البحر نعمة من نعم الله سبحانه للعباد، وإذ كان في البحر قد يسر لهم الفلك، فإنه في البر خلق لهم ما يقوم بذات المهمة قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، فالله سبحانه يلهم الإنسان، ويرزقه من فضله وكرمه سبحانه، فقد ألهم الإنسان صنع السيارة لتحمله في الأرض، وألهمه صنع الباخرة لتحمله على البحر، وألهمه صنع الطائرة لتسبح به في الهواء، وغير ذلك مما يمن الله عز وجل على العباد فيصنعون، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [يونس:22]، فكل ما ينتفع به الإنسان محض نعمة من نعم الله سبحانه، ولا شأن لنا في تسخيره، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ [لقمان:31]، أي: ليس بقوتكم، ولا بتسخيركم ولكن الله يسخر ما يشاء سبحانه، وهو الحافظ لها ولو شاء لأوقفها، أو لأغرقها، ولكنه سبحانه يمن على العباد مما يشاء من فضله، ومن نعمه، فإذا بالإنسان إذا وجد نفسه مستغنياً قد أغناه الله سبحانه يستكبر ويتعالى، فإذا بالله سبحانه تبارك وتعالى يذيقه من البلاء ما يجعله يرجع إلى ربه ويقول: يا رب! يا رب! ولذلك لما ذكر لنا النعمة ذكر بعدها النقمة، فذكر ما يحدث للإنسان إذا غشيه موج البحر كالظلل، وذلك لأن الإنسان يحتاج دائماً إلى التذكير، فإذا لم يتذكر بالقول وبالنصيحة، احتاج إلى أن يبتليه الله سبحانه وتعالى، ويذيقه شيئاً من بأسه عله أن يراجع نفسه، ويرجع عن غروره الذي هو فيه.

    وقد صنع الإنسان يوماً من الأيام لنفسه الطائرة العظيمة التي تقله كما تقل الجيوش والمعدات، إلا أنه حين يستشعر الكبر والغرور أنه في السماء طائر فوق غيره ويفعل ما يشاء، فإذا بالله يبتليه فيحطم طائرته، ويجعلها سبباً لهلاكه، وفي ذلك عبرة لأهل الأرض بما رأوا ألا تغتروا، كما صنع الإنسان سفينة عظيمة لينتفع بها لكنه لم يطلب المنفعة فحسب؛ بل صنع ما بزعمه أنها تتحدى الأقدار وأسماها (تيتانيك)، أي: الجبارة، جاهلاً أنها قد تغرق، ومبالغة في الزهو يركب على هذه السفينة المليونيرات للنزهة على البحر ناسين الله سبحانه وتعالى، فإذا بها في أول رحلة لها في البحر تغرق بمن فيها، فقد قصمها الله سبحانه وتعالى، وهو قاصم الجبابرة.

    فهذه الجبارة التي صنعها الإنسان وظن أنه فاق كل شيء، يريه الله عز وجل ويري جميع عباده من آياته سبحانه وتعالى، فيقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ [لقمان:31]، أي: بسبب نعمة الله وقدرته سبحانه.

    وكلمة (نعمت) مكتوبة بالتاء المفتوحة، فالجمهور إذا وقفوا عليها يقولون: (بنعمت) بالتاء، والبعض من القراء مثل ابن كثير ، وابن عامر، ويعقوب ، والكسائي إذا وقفوا عليها يقولون: (بنعمه) بالهاء.

    وقوله: لِيُرِيَكُمْ [لقمان:31]، اللام للتعليل، أي: أنه يجري السفن في البحر ليريكم من نعمه سبحانه، ويريكم من آياته العظيمة الباهرة، وقدرته الفائقة القاهرة.

    والآية: العلامة، وقد تأتي بمعنى: المعجزة، وقد تعرف بأنها: الشيء العظيم الذي ينظر فيه الإنسان فيقول: سبحان الله ما أعظم هذا!

    وعادة ما يعجب الإنسان حينما يرى سفينة تطفو على البحر، لكنه قد لا يتذكر الله حين يراها، فلذا الله عز وجل يذكره: أن لست أنت الذي خلقت هذا البحر، ولا أنت الذي أجريت هذه الرياح، ولا أنت الذي تمكنت بفضل نفسك من صنعها، ولكن الله من عليك بهذا كله سبحانه وتعالى.

    ثم بين سبحانه من يستفيد من الآيات فقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان:31]، أي: علامات يعتبر بها كل صبار شكور، وقوله: (صبار) مبالغة من صابر، أي: صبر على قضاء الله وقدره، وصبر نفسه فنظر في آيات الله واعتبر بها، وعلم أن الله هو صاحب الفضل العظيم، وهو الذي من على الإنسان بكل نعمة، فالإنسان الصبار هو الذي ينظر بصبره ويتأمل فينتظر قضاء الله سبحانه، ويشكر ربه على نعمه سبحانه، فيصبر في البلاء، ويشكر في الرخاء.

    وإنما خصت الآية هذا الإنسان لأنه هو الذي يعتبر بها، أما غيره فلا يعتبر حتى يكون هو العبرة لغيره، فنرى الإنسان المستكبر لا يعتبر بآيات الله سبحانه وتعالى، ويظل مستكبراً إلى أن تأتي الآية فتقصمه فيكون عبرة لغيره، ويتحدث عنه الناس ويصبح حديثهم، فمن شامت يذكر ما كان يفعل من أفعال تدل على الكبر كالتطاول والاستكبار، ومن معتبر بما صنع به قاصم الجبابرة سبحانه وتعالى، وكيف أرى الله العباد فيه آية من آياته سبحانه وتعالى، فقد أراهم كيف صنع بفرعون الذي استخف قومه فأطاعوه، وكانوا يظنون أن فرعون من المخلدين، فقد أعطاه الله من العمر والقوة والملك الشيء العظيم، فلما استخف قومه وقال: أنا ربكم الأعلى، وأطاعوه فيما قال؛ أغرقه الله سبحانه، وأذله وهو خارج أمام الناس بجيوشه ليأتي بموسى ومن معه، وقد قيل: إن عدد من كان مع موسى ستمائة ألف، وقيل أكثر، وقيل أقل من ذلك، والله أعلم، فلما نظر إليهم فرعون أخذ يقول: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54] ففهم من قوله أن جيشه جيش عظيم؛ لأنه إذا كان من مع موسى شرذمة قليلون، وعددهم ستمائة ألف، فإن جيش فرعون قطعاً سيكون أكثر من ذلك بكثير، ولذا نظر إليهم مستكبراً فقال كما أخبر الله عنه: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:54-56]، فكان الكبر في فرعون هو الذي دفعه لقتالهم، فمع أنهم لم يؤذوا فرعون ولا قومه بأي نوع من أنواع الأذى، وهم فقط إنما آمنوا بالله وكفروا بالطاغوت؛ إلا أن فرعون أبى إلا قتالهم، فإذا بالله عز وجل يملي له لينتقم منه ويكيد به، وهذه هي سنته في المتكبرين قال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183]، ورأى فرعون أمامه الآية التي يعتبر بها كل من يعتبر، إلا أنه إذا جاء القضاء والقدر عمي عن الإنسان البصر، فلم ينظر إلى البحر العظيم وقد انفلق، وموسى وقومه يمشون في يبس من الأرض، ويؤمن أن هؤلاء على حق، بل قد رأى قبل ذلك تسع آيات بينات في بلاده، ولم يعتبر، وهذا هو ديدن الجبابرة لا يعتبرون حتى يكونوا هم العبرة لغيرهم، فأصر فرعون على المضي خلف موسى، فلما توسط البحر انطبق عليه البحر وأغرقه الله، وحينها قال فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90].

    وأصبح عبرة للناس في مقالته، ومثالاً للإنسان الجبان الذي يرى القوة من حوله فيقول: أنا مثل هؤلاء، أنا مع هؤلاء؛ فإن فرعون كان يقول: أنا ربكم الأعلى، وبعد أن أغرقه الله قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، أي: أنا مثل هؤلاء، أنا مع هؤلاء.

    ويجيبه ربه فيقول: آلآنَ [يونس:91] أي: آلآن تقول: آمنت؟ ثم ذكره بمعصيته فقال: وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91]، أي: لقد كنت كافراً مفسداً جباراً عنيداً، ثم يجعله الله عبرة لمن خلفه، قال تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92].

    وهكذا فالجبابرة لا يعتبرون، إنما يعتبر كل صبار شكور، فالذي يصبر على قضاء الله وعلى بلاء الله سبحانه وتعالى، وينتظر الفرج من الله ولا يعاند ربه أبداً، بل يشكر في حال الغنى والرخاء أهل لأن يعطيه الله سبحانه العقل فيتفكر، ويعطيه القلب فيتدبر ويؤمن ويستيقن، ويعطيه النعمة منه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موجد كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ...)

    ذكر الله الناس بالأوقات التي تمر بهم فيلجئون إليه فيها قال تعالى: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان:32]، قوله: (إذا غشيهم) أي: غطاهم، والموج هياج البحر، وقوله: ( كالظلل ) الظلل: جمع ظلة، والظلة: ما يغطي الإنسان، وقد يطلق لفظ الظلل على السحابة، كما يطلق اللفظ على الجبال؛ لأنها أعلى من الإنسان فتظله، والمعنى: أنهم إذا دخلوا البحر وعلتهم الأمواج كالجبال، عرفوا أن الله حق، ورجعوا إليه، ونادوه: يا رب! يا رب! قال تعالى في سورة يونس: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [يونس:22].

    فإن الإنسان يستكبر وهو بعيد عن الهلاك، ويظن نفسه بمنأى عن عذاب الله سبحانه، فإذا جاءه العذاب رجع إلى الله، وقد صور الله سبحانه وتعالى لنا هذه الصورة الصادقة العظيمة التي لم يرها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد معه من العرب ليدل ذلك على أن القرآن كلام رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وهذه الصورة التي ذكرها القرآن إنما يعرفها علماء البحار الآن؛ لأنها لا تصور إلا بالطائرات والأقمار الصناعية؛ لأن من كان يصل إلى هذا المكان لا يرجع، فكان الذي عبر عنه الله سبحانه وتعالى رداً على الكفار الذين يقولون: أن النبي صلى الله عليه وسلم ألف هذا القرآن؛ إذ كيف يأتي بهذه الصورة وهو لم يركب البحر صلوات الله وسلامه عليه، ولا رأى أحد من أصحابه ركبوا في مثل هذا المكان، كما أن أحدهم لو كان في هذا المكان لم يرجع! فلم يكن لديهم وسائل تنقذهم من موج على هذه الصورة، فالمحيط العميق الغريق هو الذي يأتي فيه الموج كالجبال من كل مكان، ويسميها علماء البحار الآن الدوامة، ويقرون أنه لا أحد ينجو من الدوامة؛ لأن الموج فيها يأتي من كل مكان، والعادة أن الناظر إلى البحر يرى الموج آت من مكان واحد فقط، أما في الدوامة التي تحدث غالباً في المكان العميق من البحر فإن الموج يأتي من كل مكان، ويحيط بالإنسان حتى يغرق، سواء كان الإنسان في مركب صغيرة، أو كان في سفينة كبيرة، فإنه ما دام دخل في هذا المكان فلا بد أن يغرق.

    فإذا بالله يصور هذا المكان الذي يغرق فيه الإنسان ولا يرجع ليحدث بما وقع له، ويذكر الله عز وجل أنه في هذا المكان يظل الناس يرددون: يا رب! يا رب! يا رب! وقد يأخذهم الله عز وجل ويغرقهم سبحانه، إلا من يشاء فينجيهم على الندرة، وقد ذكر تعالى مدى إخلاصهم في الدعاء فقال: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان:32]، وقد كان هذا سبب إيمان عكرمة بن أبي جهل ابن فرعون هذه الأمة، أبي جهل لعنة الله عليه، فقد كان عكرمة على دين أبيه وقومه، وكان بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يطيق أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة هرب وترك مكة، يريد ألا يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فركب البحر، فلما كان في البحر إذا بالأمواج تعلو، وإذا بالسفينة تضطرب، وشعر كل من في السفينة أنهم سيغرقون، فقال لهم ربان السفينة: إنه لا ينجيكم الآن إلا الله، فاتركوا آلهتكم هنا.

    وإذا بالإيمان ينسل في قلب هذا الرجل الذي كان كافراً فيفكر: سبحان الله! إن الذي ينقذنا الآن في هذا الضنك الذي نحن فيه والكرب الذي نحن فيه هو ربنا، ونحن نظل ندعو غيره.. لا والله، لئن أنجاني الله من هذا الأمر لأرجعن، ولأؤمنن، ولآتين النبي صلى الله عليه وسلم، ولأضعن يدي في يده، ولأجدنه رءوفاً رحيماً، فكانت هذه اللحظة سبب إيمان هذا الرجل.

    قوله: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [لقمان:32]، أي: تاركين لكل الآلهة، متوجهين بالعبادة له وحده، والإخلاص من أخلص الشيء بمعنى: نقاه وصفاه، فهم أخلصوا عبادتهم من كل شوائب الشرك بالله سبحانه، ودعوا الله وحده، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ [لقمان:32]، أي: كتب لهم النجاة مما هم فيه آمن بعضهم، قال تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [لقمان:32].

    وقد ذكر الله عز وجل أن العباد أقسام ثلاثة، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32]، فالسابقون بالخيرات: هم المؤمنون المحسنون، والظالم لنفسه: الكافر، والفاجر، والفاسق، وأما المقتصد فهو الذي يمشي في طريق الخير ويقع في شيء من الفساد والشر.

    فقد سمى الله بعض الناجين مقتصدين فقال: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [لقمان:32]، ومعنى مقتصد هنا أي: يوفي بما عاهد الله سبحانه وتعالى عليه، وقيل: مقتصد أي: أنه يرجع لطاعة الله سبحانه، وإن لم يكن مثل السابق بالخيرات الذي آمن أول الأمر ولم يحتج لمثل هذا الشيء حتى يتذكر ربه سبحانه، بل إنه متذكر لربه دائماً في الخير وفي الضير يشكر الله، ويحمده سبحانه.

    ثم بين الله أن من يجحد بآيات الله ونعمه هو المتكبر فقال: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان:32]، فالذي يجحد آيات الله وهو يراها في البر، وفي البحر، وفي نفسه هو الختار، والختار من الختر وهو أسوأ الغدر، والمعنى: الإنسان الذي فيه غدر وعري قلبه من الخير، فهو يرى النعمة وينقلب من ورائها، وإذا أمنه الإنسان على نفسه فقد يمكر به ليغتاله ويقتله. ولم يسمه الله سبحانه بالغدر فحسب بل وسمه بالكفر أيضاً فقال: خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان:32] والكفور بمعنى: جحود لآيات الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ...)

    تأتي التذكرة من الله سبحانه وتعالى في ندائه لعباده جميعهم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [لقمان:33]، وهو يدعو الجميع إلى العود إلى الله سبحانه وتقواه، فيقول: اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33]، والرب: هو الخالق سبحانه وتعالى، وهو الذي يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: (اتَّقُوا)، أي: اجعلوا وقاية بينكم وبين غضبه وعذابه، ومنه قول القائل: أنا أقي نفسي من حر الصيف بأن أضع شمسية على رأسي، أو أجلس في البيت، أو آتي بمكيف، وقد يقول: أقي نفسي من برد الشتاء بأن ألبس الصوف أو أعمل كذا من الوقاية، أخذاً بالأسباب لتدفع عن نفسك الضر.

    والنداء هنا: اتق ربك، واتق غضبه، وخذ بالأسباب لتدفع عن نفسك عقوبة الله سبحانه، إذ إن عقوبته هي النار.

    ثم أمرهم بأن يخافوا عذاب اليوم العظيم فقال تعالى: وَاخْشَوْا يَوْمًا [لقمان:33] وقد نكر اليوم للتعظيم، أي: يوماً عظيماً، قال عنه تعالى: يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].

    وشرع سبحانه يبين بعض مواقف ذلك اليوم فقال: وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان:33]، ففي يوم القيامة يفر كل إنسان من أقرب الأقربين إليه، قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]، فالكل يقول: نفسي.. نفسي، حتى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام يقولون ذلك، قال تعالى: يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33]، وهذا معنى قوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، أي: لن تأتي نفس آثمة محملة بالأوزار والذنوب يوم القيامة لتقول لغيرها: احمل معي قليلاً مما أحمل، ويستجاب لها، حتى الأب لا يقول ذلك لابنه، ولا الابن يقول ذلك لأبيه، على أنه في الدنيا قد يفعل الإنسان الكثير مع أبيه ومع ابنه، فالأب في الدنيا عندما يجد ابنه مريضاً يود لو يفديه بنفسه، وكذا الابن يود لو يفدي أباه بنفسه، أما يوم القيامة فتظهر الأمور على حقيقتها، فإن نار الله العظيمة المستعرة تجعل الإنسان يفر من أقرب الناس إليه.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لآل بيته ذلك فقال: (يا فاطمة بنت محمد قي نفسك النار، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً)، أي: خافي على نفسك من النار، واهربي منها فإني يوم القيامة، أقول: قد أبلغتكم، والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ وقال لكل الناس: قوا أنفسكم من النار، ثم قال سبحانه: وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان:33]، أي: لا الابن يحمل من أوزار الأب، ولا الأب يحمل من أوزار الابن، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [لقمان:33]، أي: إن يوم القيامة وعد من الله، وهو آت لا محالة، فالله لا يخلف الله الميعاد.

    ثم حذر من الاغترار بالدنيا فقال: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [لقمان:33]، وفي الآية بيان أن الإنسان قد يؤمن، وقد يصدق، ولكن لا يعمل، فقد حمله الغرور على ترك العمل، فإذا رأى نفسه بصحة وعافية سوّف وأخذ يقول: ما زال أمامي عمر طويل، وقد يرى أمامه رجالاً ونساء يموتون ولا يعتبر، ظناً منه أنه سيظل مخلداً ولن يموت؛ فيقول الله عز وجل له: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [لقمان:33]، قد يخدع الإنسان نفسه، أو يخدعه الشيطان، أو بالأمل المكذوب، فيرى نفسه صغيراً فيسوف التوبة ويقول: سأتوب غداً بعد أن أعمل كذا، فالله يقول له: لا تغتر؛ فإن تكليفك من ساعة بلوغك، فمذ بلغت كتبت عليك آثامك، وستظل تكتب حتى يتوفاك الله سبحانه وتعالى.

    وكما ينهاك الله عن أن تغر نفسك أيضاً لا تخدع غيرك، فالأب ينبغي أن يأمر أبناءه بالمعروف، ولا يقول: الولد ما زال صغيراً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الأب فقال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فينبغي أن تأمر الابن أن يصلي لسبع سنوات، فإن السبع السنوات هي سن التمييز ويكتب له فيها الثواب، أما إذا وصل عمره العشر السنوات فمره بالصلاة، واضربه على تركها، حتى إذا بلغ كان عابداً لله سبحانه وتعالى، ذا تقوى ودين، فلم تحتج أن تأمره وأن تنهاه.

    ولم يحذر الله من غرور الدنيا فحسب بل حذر أيضاً من غرور الشيطان، قال تعالى: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33]، والغرور هو الشيطان.. وفي هذه الآية قراءة واحدة فقط وهي: (الغرور) وهو بمعنى: الشيطان، وإن جاء في غيرها (الغُرور) بالضم، أي: المصدر الذي يغر الإنسان من خداع أو باطل، أو من زينة وزخرف، أما: (الغَرور) على وزن فَعول فإنه بمعنى: الشيطان، يعني: احذروا من الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

    والإنسان عادة إذا عرف عدوه فاتخذه عدواً حذر منه، إذا مر في طريق وفي طريق آخر، وهكذا ينبغي ألا تمشي مع الشيطان، ولا تغر نفسك؛ فإن الموت آت ويوم القيامة قريب.