إسلام ويب

تفسير سورة لقمان [20 - 22]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعدد الله عز وجل في آياته القرآنية ما أسبغ على عباده من النعم الوفيرة، فقد سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ولكن بعض الناس يقابل نعمة الله بالجحود والنكران، وآيات الله بالجدال والعناد بغير علم ولا دليل ولا بينة، اتبع الآباء والأجداد في العبادات والطاعات، وأعرض عن رب الأرض والسماوات، والناجي والفائز بجنة الله هو من أسلم وجهه لله وأحسن إسلامه لربه.

    1.   

    نعم الله عز وجل في السماوات والأرض

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة لقمان: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان:20-22].

    في هذه الآيات من سورة لقمان يخبر الله سبحانه وتعالى عباده عن قدرته العظيمة في خلق السماوات والأرض، وتسخيره لعباده ما في السموات وما في الأرض لنفعهم.

    وهذه الآيات مرئية أمام الإنسان، ولذا يقول الله عز وجل لعباده: أَلَمْ تَرَوْا [لقمان:20]، أي: هلا تدبرتم ونظرتم في خلق السموات والأرض، وما سخر الله عز وجل لعباده فيها، فعرفتم كيف خلق الله سبحانه، وكيف منح وتفضل على خلقه بأن نفعهم بذلك. أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ [لقمان:20] أي: لنفعكم، فجعل الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء مسيرة بقضائه وقدره وقدرته، وسخرها: سيرها كما يريد سبحانه وتعالى، فينتفع الخلق بما خلق سبحانه، وقوله: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [لقمان:20] أي: ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة لمنفعة العباد، وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وأرسل الرياح على العباد فيها النسيم وفيها منافع للخلق، لو نظروا وتأملوا فيها لعرفوا بديع خلق الله سبحانه، وعرفوا رحمة الله بعباده.

    وسخر لكم ما في الأرض من نعم الله سبحانه في الجبال، وفي الأشجار، والثمار، وفي البحار والمحيطات والأنهار، وغيرها من الأشياء التي خلقها الله في الأرض فيرى الإنسان كيف سخرها الله سبحانه وتعالى لينتفع العبد بها.

    قال الله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ [لقمان:20]، فنعم الله عظيمة، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، والله بالناس رءوف رحيم سبحانه، حيث أنعم عليهم بالنعم العظيمة والكثيرة الجليلة الوفيرة، ومع هذا فالعباد في بعد عن الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، أي: ظالم لنفسه، كنود جحود لنعم الله سبحانه وتعالى عليه، قال تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ [لقمان:20]، الإسباغ: الإكمال والإتمام والإحاطة بنعمة ربنا سبحانه وتعالى، فقد أحاطنا بنعمه العظيمة، ففي الليل والنهار نرى نعم الله عز وجل علينا وعلى أهلينا، وفي أرضنا وديارنا، في كل مكان نرى نعم الله سبحانه وتعالى، وفي كل شيء له آية ونعمة وفضل، فأسبغ، أي: أتم النعمة وأكملها بفضله سبحانه وتعالى.

    أقوال المفسرين في النعم الظاهرة والباطنة

    قال الله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان:20]، (نعمه) جمع نعمة، وقد قرئت بالإفراد، وقرئت بالجمع، فقراءة الجمع قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو البصري ، وقراءة حفص عن عاصم : نعمه ظاهرة وباطنة، فبالإفراد قرأ جمهور القراء: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَة ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة، و(نعمة): جنس، من باب قول الله عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ [إبراهيم:34]، أي: نعم الله سبحانه، فالجنس يعبر فيه بالإفراد عن الجمع، وجنس النعمة منه سبحانه، والمفسرون يذكرون النعم الظاهرة والباطنة على اختلاف الروايات واختلاف تفسيرها، وإن كان المعنى لا يختلف، ولكن كل يذكر شيئاً من هذه النعم العظيمة.

    يقول ابن عباس : النعمة الظاهرة الإسلام، وما حسن من الخلق، وهذه نعمة ظاهرة على الإنسان، فالله سبحانه أنزل هذا القرآن العظيم، فهدى به العباد ظاهراً بدينه سبحانه، فظهر الإسلام في الأرض، وهداهم بفضله سبحانه وتعالى، فحسنت أخلاقهم، وظهرت أمام الخلق كنعمة ظاهرة من الله سبحانه.

    كذلك أتم على العباد نعمة الخلق، فجعل الإنسان سوياً معتدلاً، يمشي على رجليه، ويقف على قدميه، فمن فضل الله سبحانه تبارك وتعالى. أن خلق الإنسان فسواه فعدله وهذه نعمة ظاهرة.

    قال ابن عباس : والباطنة ما ستر عليك من سيئ عمل، وذلك أن العبد قد يقع في السيئات، والله يسترها عليه، ولا يفضحه بفضله سبحانه وتعالى وبرحمته.

    ويقول بعض العلماء: النعمة الظاهرة: الصحة وكمال الخلق، فالله جعل الإنسان سوياً معتدلاً كاملاً، ينطق ويتكلم، ليس أعجمياً لا يجيد النطق، ولكن ينطق ويعبر عن نفسه، وليس كالحيوان الأعجم، والنعمة الباطنة: المعرفة والعقل، فالله أعطى الإنسان معرفة في قلبه، وعقلاً يعقل به ويفهم، وهذه من النعم الباطنة.

    وقالوا أيضاً: النعم الظاهرة نعم الدنيا، وما يحصله الإنسان من الدنيا من نعم الله سبحانه، والنعم الباطنة أي: الخفية، مما يكون في الدار الآخرة، فالعبد يعمل الصالحات -وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى- ويأخذ الثواب، وهذه نعمة خفية باطنة مستترة عنه؛ فهو لم ير الثواب ولكنه يوم القيامة سوف يجده.

    كذلك قالوا: النعمة الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال، وتوفيق الله عز وجل لعباه في الطاعات، والنعم الباطنة: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من العلم بالله سبحانه، ومن حب الله سبحانه، ومن المودة في الله والإخاء فيه، ومن حسن اليقين به، وغير ذلك مما يدفعه الله سبحانه عن العبد من الآفات، فهذه بعض نعم الله الظاهرة والباطنة.

    معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)

    إذا كانت نعم الله عز وجل على العباد بهذه الصورة العظيمة، فلم يجادل الإنسان بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ ولم يكثر من الجدل فيضيع عمره في المناقشة وفي الهراء، ولا يريد أن يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه؟ قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان:20]، أي: يجادل في أمر الله سبحانه، كما قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مجنون، وساحر، وكذاب، وهم أدرى الناس بكذبهم وأنه صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون ولا ساحر ولا كذاب، ولكنهم يفترون على الله ورسوله الكذب، ويجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أي: بغير آثار من العلم، وبغير كتاب نزل من عند الله سبحانه وتعالى، وبغير علم عقلي، ففي عقولهم غباء، فهي غائبة عن الحق ولذلك يجادلون بالباطل.

    وقوله: وَلا هُدًى [لقمان:20]، أي: ولا هداية، بل هم في ضلال.

    وقوله: وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان:20] أي: كتاب منزل من عند رب العالمين سبحانه.

    هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، وهذا العلم الذي جاء من عند الله، كان الجواب: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان:21]، وكأن الآباء هم أعلم الناس بكل شيء، وكأنهم كانوا على هدى، فهم يتبعونهم فيما هم فيه من الباطل، فاتبعوا آباءهم ليس لكونهم على هدى وإنما لعصبية جاهلية، فكما صنع الآباء صنعوا بغير نظر إلى الدليل ولا إلى البرهان، فيعبدون الأصنام والأحجار لأن آباءهم كانوا يفعلون ذلك، فهم يقلدونهم بغير تفكير ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير، وعندما يناقشون أمراً من الأمور فكأنهم بلا عقول.

    صورة من صور الجدال بغير علم

    إن أوضح مثال على الجدال بغير علم تلك المناقشة التي دارت بين الكفار وبين النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء في حديث رواه أبو يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش للنبي صلوات الله وسلامه عليه يوماً، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل، وهذا هو العلم الذي يزعمونه، فهو إما سحر أو شعر أو كهانة، فهم يريدون أحداً منهم عنده علم بهذه الأشياء ويجادل النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعادى ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، فبحثوا عن أعلم الناس بالشعر والسحر والكهانة، فوجدوا واحداً منهم، وهو عتبة بن ربيعة ، رجل من كبار المشركين، وكنيته أبا الوليد ، فقالوا: أنت يا أبا الوليد أعلم الناس بهذه الأشياء، فاذهب إلى محمد فانظر ماذا يقول، فذهب عتبة بن ربيعة -وهو أحد قتلى بدر هو وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، كلهم قتلوا في يوم بدر كفاراً- فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -والغرض هو بيان كيف يناقش هذا الرجل- فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! أنت خير أم عبد الله ؟ وهذه من المناقشات الغبية التي ليس فيها فائدة، فكما أنهم يقدسون آباءهم ويتبعونهم بحق أو باطل من غير تفكير، كذلك يريد أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد على هذا الكلام الفارغ؛ لأنه لا يستحق أن يرد، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: يا محمد! أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي نعبد.

    وهو يريد أن يوصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى نتيجة معينة، فالعادة أن الإنسان يستحي إذا قيل له: أنت أحسن أو أبوك؟ فيقول: بل أبي أحسن، فيقال له: إذا كان أبوك أحسن فإنه عبد الأصنام، فلماذا لا تعبدها؟ ولذلك فقد وفق الله النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجب على هذا الجاهل.

    فإذا بالرجل يفترض له الافتراض الجدلي الباطل، ويريد أن يلزم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من أمرين: أما أن يكون هو خيراً أو أبوه، وإذا كان أبوه وجده خيراً منه فلماذا لا يعبد الآلهة التي كانوا يعبدونها؟ ولماذا يعيبها؟ وإذا كان هو خيراً منهم فليقل ذلك.

    وكأن هذا الأحمق الجاهل الغبي لم يسمع بهذا القرآن، ولم يسمع شيئاً مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن، وهم يعرضون عنه ولا يريدون أن يسمعوه، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم، تكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً وكاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى. كل هذا يقوله للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أنت السبب في هذا كله، فلم يبق إلا أن نقتل بعضنا بعضاً بسببك أنت، يقول هذا الكلام من غير تعقل ولا تفكير، فهو وقومه لا يفهمون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فقد طمس الله على قلوبهم وعقولهم، وعلى بصائرهم وأبصارهم.

    ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان إنما بك الحاجة -أي: إذا كنت تفعل ذلك لأنك فقير محتاج- جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة -أي: تريد أن تتزوج- اخترنا لك من نسائنا -أي: نساء قريش- فنزوجك عشراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرغت) ؟ أي: هل أكملت كلامك؟ -فقال: نعم، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:1-5]، حتى بلغ قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13]، فقال عتبة : حسبك حسبك)، أي: يكفي، فهو لا يريد أن يسمع أكثر ذلك. ثم رجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ أي: ما الذي عملته مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، أي: قلت له كل ما تريدونه قوله له، قالوا له: فهل أجابك؟ قال: نعم، ثم قال: والذي نصبها بنية -يحلف برب الكعبة- ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فقالوا له متعجبين: ويلك! رجل يكلمك بالعربية فلا تدري ماذا يقول! مع أنهم بحثوا عن أعلم رجل بالشعر والسحر والكهانة ليذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ما ذكر من الصاعقة.

    هذا هو حالهم وتفكيرهم وجدلهم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهم لا يعقلون شيئاً، وصدق الله العظيم سبحانه حيث قال فيهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7]، فهذا حالهم في الدنيا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [الحج:3]، فليس عنده علم عقلي، ولا هو على هداية، ولا على كتاب من عند رب العالمين سبحانه حتى يعرف الحق من الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ...)

    قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان:21]، أي: إن الذي كان يعبده آباؤنا سوف نعبده نحن، فيعبدون الأصنام والأحجار، وإذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هذه الأحجار والأصنام لا تنفعكم، إن الذي ينفعكم هو الله الذي في السماء، فلماذا تعبدون هذه الأحجار؟ قالوا: إنها تقربنا إلى الله زلفى.. إنهم لا يعقلون ولا يفكرون، ومهما أوتوا من علم دنيوي.. من تجارة، أو صناعة أو غيرها، فهم في غفلة عن الخالق سبحانه وتعالى، وهذا حال الكفار، يعبدون غير الله سبحانه، ويهرفون بما لا يعرفون.

    إن أحد الأطباء سافر إلى اليابان لتحضير الدكتوراه في المخ والأعصاب، عندما تكلم عن اليابانيين وعن المستوى العلمي والراقي الذي وصلوا إليه، وأنهم فاقوا أهل الدنيا في العلم وجراحة المخ والأعصاب وغيرها من العلوم، هذا الدكتور الذي تعلم هناك يحكي عن الأساتذة اليابانيين أنه عندما يأتي وقت العبادة -مع هذا الرقي العظيم في العلم الدنيوي- يذهبون إلى المعبد ليعبدوا بوذا، وهو تمثال كبير من حجر، وعندما يدخلون المعبد يدقون الجرس حتى يصحوا بوذا من النوم، فهو راقد كسلان، فإذا قام من النوم عبدوه!!

    إن هؤلاء لا عقول لهم، وقد طبع الله على قلوبهم وختم على عقولهم وأبصارهم، فلا يفهمون شيئاً، حتى إن الإله الذي يعبدونه يحتاج إلى من يوقظه من النوم!

    قال الله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، فالله سبحانه لا نوم يأخذه ولا حتى غفلة يسيرة، فهو سبحانه كما يقول: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41]، فلو نام الإله كما يزعمون لزالت السموات والأرض، فهو الذي يقوم عليها ويمسكها سبحانه وتعالى، ومع ذلك يعبدون آلهة من دونه، ويتعجبون من النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، أي: كيف تكون الآلهة هذه إلهاً واحداً فقط؟ وهذا من جهلهم وغيهم، وعدم معرفتهم.

    يقولون: إن الذي ينفع ويضر هو إله واحد في السماء، ومع ذلك فإنهم يعبدون آلهة كثيرة، وعندما يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو الخالق سبحانه، وهو الذي يستحق العبادة، يتعجبون ويصفقون بأيديهم وأرجلهم، ويقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، ومما يدل على أن هؤلاء لا عقول لهم أن أبا جهل وغيره عندما يدعون يقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32]، بمعنى: يا رب! إذا كان هذا الذي جاء به محمد حقاً فأنزل علينا حجارة من السماء! مع أن الإنسان العاقل يقول: يا رب! إذا كان هذا حقاً فاهدني إليه، ويقولون كذلك: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]، أي: أنهم يستعجلون إنزال العذاب قبل يوم القيامة، ولذلك يقول الله سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان:21]، وفي الآية الأخرى: مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة:170]، أيي: ما وجدنا عليه آباءنا، قال الله تعالى: أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21]، الشيطان يدعوهم إلى نار الجحيم الملتهبة، فهم قد أغمضوا أعينهم وساروا إلى نار السعير بغير هدى ولا بصيرة ولا تعقل، أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21]، أي: هلا تفكروا في ذلك؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى رحمة رب العالمين سبحانه، والشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وهم وراء الشيطان حتى يلجوا معه النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ...)

    إن المؤمنين يسلمون وجوههم لرب العالمين، ولذلك مدحهم سبحانه فقال: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22]، إن (المسلم) كلمة عظيمة سمانا بها ربنا سبحانه، فلا نرضى بغيرها بديلاً عنها، فنحن المسلمون، والمؤمنون، وعباد الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كونوا عباد الله كما سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله)، قال الله سبحانه: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78]، فملة أبينا إبراهيم هي ملة الإسلام، والله سمانا المسلمين من قبل، ولم نسم أنفسنا، وقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ [لقمان:22] يدل على أن وجه الإنسان أشرق ما فيه، فإذا أسلم وجهه لله فباقي الأعضاء تبع له.

    وقوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ [لقمان:22]، قيد لمن يكون هذا حاله، وهو أن يحسن في العمل ويتقرب إلى الله كأنه يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في درجة الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالذي يسلم وجهه إلى الله ويحسن في العمل ويخلص لله سبحانه، فيعبده كأنه يراه؛ فهو المستمسك بالعروة الوثقى، قال الله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22]، والعروة هي الحلقة التي تدق في الحائط ويشد عليها الحبل حتى تصل إلى الشيء المراد ربطه.

    فهذه العروة الوثقى هي التي توصل الإنسان إلى طريق كلمة لا إله إلا الله، أو دين الإسلام العظيم، والعروة الوثقى في جنة رب العالمين سبحانه، ودين الإسلام حبل طرفه بيد المسلم، فعلى الإنسان أن يستمسك بالعروة الوثقى حتى يصل إلى جنة رب العالمين سبحانه، وقوله: وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان:22] أي: مرجع الأمور.

    نسأل الله سبحانه حسن المرجع والمآب والإخلاص والإحسان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.