إسلام ويب

تفسير سورة لقمان الآية [12]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لله سبحانه وتعالى نعماً على عباده لا تعد ولا تحصى، منها: الحكمة والتسديد في المنطق والرأي، فهذه نعمة ما بعدها نعمة، ولا بد من شكرها حتى تبقى وتدوم، وليس الشكر لحاجة الله إليه؛ فهو سبحانه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، وإنما من شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فلن يضر الله شيئاً، وإنما جنى على نفسه، وسيعرف شناعة وبشاعة هذه الجريمة يوم تبلى السرائر ويظهر المخفي في الضمائر، وممن أعطاهم الله تعالى الحكمة فشكروه عليها لقمان الحكيم رضي الله عنه.

    1.   

    ما جاء في صلاح لقمان وحكمته

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قد آتى لقمان الحكمة، ولقمان رجل من الصالحين، جعله الله عز وجل حكيماً من الحكماء وعالماً من العلماء، ولم يجعله نبياً من الأنبياء، فقد كان لقمان عبداً من العبيد، والنبوة لا تكون إلا لإنسان حر.

    فقد جعله الله عز وجل حكيماً، وآتاه الحكمة فينطق لسانه بها، وقد سميت السورة باسمه: سورة لقمان.

    قال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:12] كان لقمان من أهل مصر من سودانهم، وكأن مصر والسودان كانتا شيئاً واحداً، فالجنوب من مصر هو السودان، فكانوا يقولون: هذا من سودان مصر، أي: من جنوبها.

    يقول سعيد بن المسيب : كان لقمان أسود من سودان مصر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة، وعلى هذا جمهور أهل التأويل، أي: أنه كان ولياً من أولياء الله سبحانه وتعالى، حكيماً من الحكماء، ولم يكن نبياً من الأنبياء، والله يعطي فضله من يشاء، يجعل من يشاء نبياً ويجعل من يشاء ولياً، فيجعل من يشاء على ما يشاء تبارك وتعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54]، فقد آتى لقمان الحكمة، فكان رجلاً حكيماً بحكمة الله تبارك وتعالى.

    قالوا: كان يقضي في بني إسرائيل، إذاً: فهو في عصر بني إسرائيل، وكان يقضي بينهم بالحكمة التي أعطاه الله تبارك وتعالى.

    ومعنى قضاؤه بينهم: أن يأتي إليه الناس يسألونه فيفصل ويقضي بينهم بحكمته، وبما أعطاه الله تبارك وتعالى من فقه ودين وعقل.

    وكانت لـلقمان الحكيم حكم عظيمة وكثيرة جداً، ذكر أهل التفسير بعضها، وذكر لنا ربنا تبارك وتعالى في هذه الآيات ما يدل على ذلك.

    أمر الله تعالى للقمان بالشكر

    يقول سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [لقمان:12] يعني: بما آتيناك من حكمة فاشكر لربك سبحانه عليها، وكل إنسان يعطيه الله سبحانه من نعمه ما يشاء، فالفرض على كل عبد من العبيد أن يشكر ربه على نعمه العظيمة.

    وكل نعم الله عظيمة، ومن أفضلها على العبد أن يجعله حكيماً، وأن يؤتيه العلم والسداد والحكمة؛ ولذلك قال ربنا سبحانه: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269] أي: من يؤت الحكمة فينطق بها، ويتفكر ويتعقل في الكلام وفيما خلق له، هذا من فضل الله عز وجل عليه.

    وقوله سبحانه: (أن اشكر لله) بكسر النون هذه قراءة عاصم التي نقرؤها وكذلك قراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب ، وهي قراءة حمزة ، وباقي القراء يقرءونها: (أنُ اشكر لله) بضم النون.

    قوله سبحانه: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [لقمان:12] وذلك لأن الإنسان إذا شكر لله عز وجل فسيحصل على الزيادة كما قال سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] فكلما شكرت الله كلما أعطاك زيادة عن هذا الذي شكرته عليه؛ لذلك كانت التجارة مع الله سبحانه رابحة فكلما أعطاك نعمة وقلت: الحمد لله، زادك الله عليها من فضله.

    فالإنسان الذي يفتح الله عز وجل عليه بالعلم يجب عليه أن يشكر ربه سبحانه على هذه النعمة العظيمة، التي يحتاج إلى أن يثبتها الله تبارك وتعالى له عنده، وأن يزيده منها؛ ولذلك علم الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه بقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    فقد أعطاه الله عز وجل النبوة والرسالة والحكم والحكمة والعلم عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أمره أن يسأل فوق ذلك وأن يستزيد، فالإنسان الذي يتعلم لا يشبع من علم أبداً؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من العلم، وطالب الدنيا لا يشبع من الدنيا.

    فلذلك الذي يؤتيه الله عز وجل العلم والحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً من فضل الله ومن رحمته سبحانه.

    وقوله سبحانه: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [لقمان:12] أي: الذي يشكر فشكره عائد إلى نفسه، أي: فضل هذا الشكر وثوابه يرجع إلى هذا العبد ولن ينتفع الله تبارك وتعالى منه شيئاً.

    فالذي يعبد ربه هو الذي ينتفع، أما الله عز وجل فهو غني عن العالمين سبحانه، فلم يخلق العباد لحاجته إليهم سبحانه، ولكن لحاجة العباد إليه عز وجل، خلقهم لمقتضى رحمته؛ أي: ليرحمهم تبارك وتعالى، وليظهر فضله وعظمته وقدرته تبارك وتعالى.

    وقد أوجد الله العباد ليعبدوه سبحانه، كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]؛ أي: ليكونوا عباداً له تبارك وتعالى، فينعم عليهم بفضله وبرحمته سبحانه.

    تخيير لقمان بين النبوة والحكمة

    ومما جاء عن لقمان أنه خير بين النبوة والحكمة كما يقول قتادة : خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، وهذا عجيب؛ لأن الإنسان إذا خير بين مرتبتين إحداهما أعلى من الأخرى فالمفترض أن يختار المرتبة العالية، فلم اختار لقمان المرتبة الدنيا؟ فلما سئل لقمان عن ذلك، أي: قيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟

    فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة. وهذه من حكمته، وهذا من الله عز وجل قضاء وقدر، والله علم ذلك، أي: أن هذا يصلح له أن يكون حكيماً لا نبياً.

    إذاً: فخيره الله فكان من حكمته أن اختار لنفسه ما وفقه الله عز وجل إليه، أي: اختار الحكمة، وترك النبوة، وكأنه قال: لو طلبت النبوة فلعلي لا أعان عليها؛ فسأختار ما هو أقل؛ ولذلك لما خير نبينا صلوات الله وسلامه عليه بين أن يكون ملكاً نبياً وأن يكون عبداً نبياً صلوات الله وسلامه عليه، فإذا به ينظر إلى جبريل وكأنه يقول له: ما الأمر؟ أو ما الذي أختاره؟ هل أكون ملكاً نبياً أم عبداً نبياً؟ فأشار إليه جبريل بيده أن تواضع، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عبداً نبياً؛ ولذلك كان يجلس صلى الله عليه وسلم جلسة المتخشع المتذلل بين يدي ربه سبحانه وتعالى، ويأكل على الأرض عليه الصلاة والسلام ويقول: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، ويقول: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)، صلوات الله وسلامه عليه.

    ولو جعله الله عز وجل ملكاً نبياً كما جعل داود وكما جعل سليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لكان كذلك عليه الصلاة والسلام، ولكن لما خير فاختار الأقل عليه الصلاة والسلام رفعه الله عز وجل بذلك فوق جميع خلقه.

    صنعة لقمان وصفته

    اختلف في صنعة لقمان الحكيم، أي: ماذا كان يعمل؟

    والجواب: أنه كان عبداً نوبياً خياطاً، وقال سعيد بن المسيب : كان خياطاً، وكان رجلاً أسود. فاستغرب رجل قوله: أنه كان أسود، فقال سعيد بن المسيب لهذا الرجل: لا تحزن من أنك أسود؛ فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان، أي: ثلاثة سود كانوا من خير الناس.

    فلون الإنسان ليس مقياساً على قلبه، فقد يكون فلان أسود اللون أبيض القلب، وعظيم العمل وأرفع درجة عند الله، وقد يكون آخر أبيض اللون أسود القلب، بل من أفسد خلق الله تبارك وتعالى، فاللون ليس مقياساً على ما في القلب، فيقول سعيد بن المسيب لهذا الرجل: لا تحزن من أنك أسود؛ فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر ولقمان.

    فهؤلاء ثلاثة كانوا سوداً ومع ذلك كانوا من خير الناس.

    أما الأول: فهو بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم عانى وقاسى من أهل الجاهلية، من عذاب وجر على الأرض ووضع للصخر على صدره في اليوم الحار القائض، مع سحبه على رمال الصحراء، ومع هذا كله تزيد قوة إيمانه ويقول: أحد أحد.

    فهذا بلال رضي الله تبارك وتعالى عنه، والأحاديث في فضله كثيرة، وهو يأتي يوم القيامة أرفع الناس عنقاً؛ لأنه مؤذن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    وأما الثاني: فهو مهجع مولى عمر رضي الله عنه، وكان عبداً أعتقه عمر رضي الله عنه، وكان أسود شديد السواد.

    وكان أول شهيد يوم بدر رضي الله عنه، وكان شديداً مقاتلاً عظيماً، لم يكن يهرب عن القتال وإنما يقدم عليه ويقول للناس: أنا مهجع وإلى ربي أرجع، ثم يقاتل ويقدم ويضرب ويقتل الأعداء، حتى قتل شهيداً رضي الله عنه.

    وأما الثالث: فهو لقمان الحكيم رضي الله عنه، ومما جاء عنه: أنه كان يحتطب كل يوم لمولاه.

    وذات مرة كان رجل ينظر إلى سواده ويتعجب من شدته، فقال له: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، أي: لا تعجب من منظري، أو من شفتي أنها غليظة، ولكن انظر إلى الكلام الذي يخرج منها، ثم يقول له لقمان : وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.

    سبب رفعة لقمان وعلو منزلته

    قيل: كان لقمان راعياً، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال: ألست عبد بني فلان؟ أي: أما زلت عبداً عند بني فلان؟ فقال: بلى فقال: فما بلغ بك إلى ما أرى؟ أي: ما الذي جعل الناس يلتفون حولك، ويتعلمون منك وقد كنت عبداً من العبيد؟

    فقال له لقمان : قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني، وهذه من الحكمة التي آتاه الله سبحانه وتعالى، فالإنسان الذي يؤتى الحكمة يجعله الله عز وجل يتأمل في ذلك ويحاول أن يقرب من مثل هذه الأخلاق العظيمة بمجاهدة نفسه.

    وما في قلب الإنسان يخرج من لسانه؛ ولذلك كانوا يقولون: إن قلب العاقل أمام لسانه، ولسان الأحمق أمام قلبه.

    فالإنسان العاقل قلبه كالحجر أمام لسانه، فإذا أراد اللسان أن يتكلم أحاط به القلب، أما الأحمق فقلبه وراء لسانه، كلما انفعل القلب خرج أثره على اللسان، فيقول لقمان رضي الله عنه: إن الذي بلغ به إلى ما يراه هذا الآخر ويتعجب من أمره قدر الله، ولا شك أن كل شيء بقضاء الله وقدره.

    فنستفيد من هذا: وجوب معرفة الفضل لصاحبه، فلم يقل لقمان : أنا الذي وصلت لذلك بنفسي، وإنما أشعره أن الله سبحانه وتعالى بفضله هو الذي أوصله إلى ذلك.

    ثم ذكر طرفاً من الأخلاق التي كان عليها فقال: وأدائي الأمانة، أي: أديت أمانة الله عز وجل التي أمرت بأدائها، فأديت ما علمت من العلم، وأعطيت الناس حقوقهم، وعلمتهم ما أرادوا مني بأمانة.

    ثم قال: وصدق الحديث، أي: أنه كان صادق الحديث، وكلما كان الإنسان صادق الحديث كلما أعطاه الله عز وجل من العلم والحكمة ما يشاء سبحانه، فيجاهد الإنسان نفسه بالامتناع عن الكذب، فيكون صادقاً في كلامه ومصيباً في رأيه واختياره.

    ثم قال لقمان : وترك ما لا يعنيني، وهذا من أهم ما يوصل الإنسان إلى رضا الله تبارك وتعالى، أي: ألا يتدخل فيما لا يعنيه، كما قالوا: ما لا يَعنيك يُعنيك، فالإنسان الذي يتدخل فيما لا يعنيه يتعب نفسه من غير فائدة.

    فالذي يتدخل في كل شيء لن يصل إلى كل شيء، لكنه يتعب نفسه في هذه الأشياء كلها ولن يصل إلى شيء، لكن العاقل هو الذي ينظر فيما ينفعه في دنياه وأخراه، فيؤتيه الله عز وجل الحكمة في ذلك وفي غيره.

    1.   

    أطيب ما في الإنسان وأخبث ما فيه

    مما جاء عن خالد الربعي أنه قال: كان لقمان نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة، وأتني بأطيبها مضغتين، فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق بأخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب! فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب، فكأنه يقول: ما الحكمة في ذلك؟

    والجواب: أن الإنسان أطيب ما فيه لسانه وقلبه وهما أخبث ما فيه.

    فصاحب اللسان الطيب لا يخرج منه إلا الكلام الطيب، وكل إناء بما فيه ينضح، فاللسان دليل على ما في قلب الإنسان؛ لذلك قال لقمان رضي الله عنه: ليس شيء أطيب منهما -أي: القلب واللسان- إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

    وهذا مصداق لما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فقلب الإنسان إذا صلح صلحت سائر جوارحه، وإذا فسد فسدت سائر جوارحه.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة، ما بين لحييه ورجليه)، يقصد لسانه وفرجه، فإذا وقى الله سبحانه الإنسان شر لسانه وفرجه استحق أن يكون من أهل الجنة.

    فاللسان قد يكب الإنسان على منخره في النار والعياذ بالله؛ ولذلك جاء في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، وهذا من أثر اللسان، والمجاهر فسر بقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر ربه)، فهذا المجاهر، السبب في أنه استحق عذاب الله عز وجل لسانه، فلعله عمل معصية فبات عليها، ولو أنه قام فتاب إلى الله سبحانه لتاب الله عليه، لكنه ذهب قائلاً: يا فلان عملت البارحة كذا، كأنه يفتخر بهذه المعصية فيجاهر بها، فاستحق عذاب الله سبحانه فلا يعافيه الله؛ لأنه فضح نفسه، فكان اللسان آفته فأوقعه في النار والعياذ بالله.

    وقد قيل لـلقمان أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً.

    وهذا هو معنى ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فالإنسان الذي يسيء ولا يبالي ليس عنده حياء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، وليس المعنى: أنه أمر بفعل ما يشتهيه من لا حياء له، لكنه تهديد، أي: أن اعمل وأنت قليل الحياء وانتظر عقوبة الله وناره يوم القيامة.

    1.   

    من حكم لقمان رحمه الله

    قال وهب بن منبه : قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب، يعني: أن من الكلام الحكيم الذي قاله لقمان ما جاء في كتب السابقين فقرأ وهب بن منبه منها أشياء من حكمته.

    الصمت حكمة وقليل فاعله

    مما جاء عنه: أنه دخل على داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يسرد الدروع، وكان سيدنا داود عليه الصلاة والسلام ملكاً من الملوك ونبياً من الأنبياء، وكان مع ذلك لا يأكل إلا من عمل يده، فعلمه الله عز وجل صنعة الدروع التي يتقى بها الأعداء، وهي ما يلبسه الإنسان ليتقي بها الحرب، فدخل عليه لقمان وهو يسرد الدروع، أي: يصنعها، وقد لين الله تعالى له الحديد كالطين، فأسال له عين القطر وألان له الحديد، فإذا به يصنع الدروع بسهولة ويسر، فنظر إليه لقمان وهو يصنع، وكأنه يقول: يا ترى ما الذي يعمله داود عليه الصلاة والسلام؟

    فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، ونستفيد من هذا: أنه ليس كلما رأى الإنسان حاجة يقول: ما هذه؟ بل اصبر قليلاً حتى تعرف، فلعل هذا الذي يصنع شيئاً يقول لك: هذا كذا، فهذا لقمان الحكيم أراد أن يسأل داود عن الذي يعمله ولكن أدركته حكمته فأمسك رضي الله عنه.

    فلما أتم صناعتها داود عليه الصلاة والسلام لبسها، أي: لبس الثوب الحديد، ففهم لقمان أن هذا ثوب يلبسه الإنسان يتقي به عدوه، ثم قال داود: نعم لبوس الحرب أنت، فلبسه داود وتكلم عليه الصلاة والسلام.

    فقال لقمان : الصمت حكمة، وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً.

    فيصبر الإنسان قليلاً ثم سيعرف الأمر الذي فيه، لكن الإنسان عجول كما قال الله: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] فيتعجل الإنسان فيضيع حكماً كثيرة، وعادة الإنسان أنه ملول، فإذا وجد إنساناً عجولاً مل منه وتركه وانصرف، وإذا وجد إنساناً صبوراً أعطاه وعلمه.

    1.   

    صبر ابن عباس وتأنيه في العلم

    ولذلك وصل ابن عباس رضي الله عنه إلى ما وصل إليه من العلم بصبره وحكمته رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلم يقل: أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، علموني وأعطوني كذا، ولو قال ذلك فلعلهم يعلمونه ويعطونه لفضله ولقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه تأدب متعلماً، فأذل نفسه متعلماً فصار حبراً عالماً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان يعرف أن حديثاً عند أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب إليه في وقت الضحى، ويجلس عند بابه وينتظر حتى يخرج هذا الصحابي الفاضل، فإذا خرج سأله عبد الله بن عباس عن هذا الحديث.

    فيقول الصحابي: لو طرقت علي بابي؟ قال ابن عباس : لا، ولكن هكذا يتعلم العلم، أي: لا أطرق بابك بل أنتظر حتى أن تقول لي هذا الشيء، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين، يريد العلم خلال فترة طويلة.

    وهو مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقريب منه، وهو يعرف أن عمر يعرف حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم، واللتان نزل فيهما قول الله عز وجل: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم:4].

    وكانتا السبب في أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه عليه الصلاة والسلام شهراً كاملاً، فإذا بـابن عباس ينتظر فرصة مناسبة من عمر ، طال الوقت وهو ينتظر، حتى مر في سفر مع عمر رضي الله فسأله وهو يوضيه فقال: من المرأتان اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فقال عمر : ويحك يا ابن عباس! وذلك أن ابن عباس أخبره أنه بقي فترة طويلة منتظراً فرصة مناسبة ليسأل فيها عمر رضي الله عنه، حتى أخبره عمر بالحديث الطويل في ذلك.

    فالإنسان عندما يتأنى تكون السلامة في تأنيه، وعندما يتعجل تكون العجلة سبباً في تضييعه أشياء كثيرة قد يحتاجها، وهذا لقمان صبر فتعلم رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    1.   

    وجوب شكر النعم والتحذير من كفرها

    قال الله سبحانه: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12].

    شكر الله عز وجل عكسه عدم الشكر وهو الكفر، أي: أن يكفر الإنسان النعمة.

    وعندما ينعم الله على العبد بنعمة هناك من يستقل هذه النعمة، ويقول: ربنا ما أنعم علي، ربنا ما أعطاني، ربنا حرمني، لماذا ربنا أعطى فلان وما أعطاني؟

    فهذا يكفر نعم الله تبارك وتعالى عليه، فإذا شكرت أظهرت نعم الله عليك، فتقول: ربنا أنعم علي، ربنا أعطاني الكثير من فضله سبحانه فيزيدك الله.

    وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ [لقمان:12] الكفر بمعنى الستر، والله ينعم على بعض العبيد فيجحد النعم ويسترها بقوله: ما أعطاني الله شيئاً، فهذا من الكفر، والمقصود به كفر نعم الله سبحانه.

    قال الله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] أي: إن الله غني عن عباده وعن شكرهم، وليس محتاجاً لشكرهم؛ ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فتقوى العباد لا تزيد ربنا شيئاً، وفجورهم لا ينقص شيئاً من ربنا تبارك وتعالى، ولكن الله يريد رحمة عباده، وأن يظهر مقتضى حلمه ورحمته وفضله وقوته وقدرته، فخلق العباد ليظهر قدرته سبحانه وعظمته.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.