إسلام ويب

تفسير سورة لقمان [1- 5]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن العظيم كتاب الله تعالى الذي أنزله لهداية الناس، وإقامة الحجة عليهم، ولذلك جاء محكماً في آياته وسوره وتشريعاته وحكمه وكل أموره، فلا عوج ولا خلل فيه، وقد تحدى الله عز وجل به أرباب الفصاحة وجهابذة البلاغة فما وقفوا أمامه، وقد حاء القرآن جديداً في نظمه عما ألفوه، فابتدأ بعض سوره بالحروف المقطعة التي أذهلتهم، وأثارت دهشتهم، وجاء القرآن مبيناً لصفات أهل الإيمان ومرغباً فيها، ومبيناً لصفات أهل النار ومحذراً منها، لكيلا يكون على الناس حجة أمام الله تعالى.

    1.   

    نبذة مختصرة عن سورة لقمان

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة لقمان:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:1-5].

    هذه السورة هي الحادية والثلاثون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة لقمان، وآياتها أربع وثلاثون آية، وكلها مكية -وفيها خصائص السور المكية- إلا ثلاث آيات جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها آيات مدنية، منها: قول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:27]، وقوله تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ.. [لقمان:28]، وباقي آيات السورة مكية.

    1.   

    الكلام حول الحروف المقطعة

    وهذه السورة من السور التي بدأها الله سبحانه وتعالى بالحروف المقطعة الم [لقمان:1] وقد جاءت هذه الحروف في سورة البقرة، الم [البقرة:1]، وآل عمران: الم [آل عمران:1]، وكذلك في سورة العنكبوت والروم ولقمان والسجدة فكل هذه السور بدأها الله عز وجل بقوله: الم.

    وهذه من فواتح السور تحدى الله عز وجل بها الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي هو من جنس لغتهم ومن جنس كلامهم ومن جنس حروفهم، فهذا القرآن مركب من الحروف التي ينطق بها العرب ويصيغون بها خطبهم وكتاباتهم وأشعارهم، فتحداهم بأن يأتوا بسورة مثل هذا القرآن من مثل هذه الحروف.

    وقد اختلف المفسرون في معنى هذه الحروف:

    فمن قائل: إن (الألف) إشارة إلى الله، و(اللام) إشارة إلى اللطيف، و(الميم) إشارة إلى الملك. وهذا ليس عليه دليل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يفيد أن هذه إشارات إلى ذلك، ولكن ورد في كلام العرب من يعبر أحياناً بحرف ويقصد به كلمة أو جملة، ولكن هنا لا بد من وجود نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذا هو المقصود، وطالما أنه ليس فيه نص، فيبقى هذا على وجه الاحتمال فقط. فهذا احتمال فقط أن يكون إشارة إلى أسماء الله الحسنى، أو إشارة إلى تسمية السورة نفسها،أو أن المقصود جذب انتباههم لسماع القرآن، فعندما يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم الم [لقمان:1]، ينصتون؛ لأنهم غير معتادين على هذا الكلام، فهو شيء غريب عليهم، فيشد انتباههم لكلامه، فيقرأ عليهم القرآن بعد ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم)

    قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2]، وهذا إشارة إلى هذا القرآن العظيم، وإلى آياته، وعبر باسم الإشارة (تلك) التي يشار بها إلى البعيد، أما لأنه بعيد المكانة أو المنزلة.

    وقال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2]، يعني: الكتاب الذي في يدك أنت، فهو ليس بعيداً، ولكن المقصود بُعد المكانة وعظمة المنزلة، فعبر باسم الإشارة (ذلك).

    قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، وقال هنا: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2]، أي: هذه الآيات العظيمة التي تسمعها هي آيات الكتاب الحكيم.

    و(الكتاب) هو القرآن، (الحكيم) بمعنى: المحكم، قال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، فالله هو الحكيم، وكتابه الحكيم، والمحكم، تقول: هذا بناء محكم أي: لا خلل فيه ولا ثغرة، فكتاب الله عز وجل عظيم لا خلل فيه، ولو كان فيه شيء يخالف ما يعرفونه من لغتهم أو ما يعرفونه من نظمهم أو ما يعرفونه من إتقان كلامهم لاعترضوا عليه وقالوا: هذا لا يمكن أن يكون كلام رب العالمين سبحانه؛ لأن اللغة التي فيه لغة ركيكة، ولكنهم عرفوا أنه كلام متين وعظيم؛ ولذلك لم يقدروا على قبول التحدي وأن يأتوا بسورة من مثله، وقد ذكر لنا ربنا سبحانه أن هذا القرآن آياته محكمات، أي: حكيمة أحكمها الله سبحانه وتعالى وأتقنها. قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2]. وأيضاً: (الحكيم) من الحكمة، أي: أنه يحوي الحكم العظيمة من الرب الحكيم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هدى ورحمة للمحسنين)

    قال تعالى: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:3]، بالنصب، وقرأها حمزة بالضم: ( هدى ورحمةٌ للمحسنين ). فأما معنى النصب فعلى الحال. أي: أنه كتاب حكيم، وحاله أنه هدى، أي: يهدي به الله عز وجل من يشاء من خلقه، وأيضاً حاله أنه رحمة للعالمين وللمحسنين، أي: يرحم الله عز وجل به من يشاء من خلقه، فهو محكم وهو حكيم، فحاله أن فيه الهدى وفيه الرحمة لعباد الله المحسنين.

    وأما على قراءة حمزة : (هدى ورحمةٌ للمحسنين) فكأنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هو: ( هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) أو أنه خبر ثاني لقوله: (تِلْكَ) فيكون قوله: تلك آيات مبتدأ وخبر، وقوله: هدى خبر ثاني لـ (تِلْكَ)، فتقرأ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:3] و هدىً ورحمةٌ للمحسنين ، و(المحسنين) جمع المحسن، وهو الإنسان الذي يحسن عمله ويخلصه لله سبحانه، وأفضل ما يفسر به ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    فالمحسنون هم الذين يعبدون الله سبحانه، ويحسنون في عبادته حتى يصلوا إلى درجة أنهم يستحضرون خشية الله سبحانه، والخوف منه، حتى كأنهم يرونه أمامهم سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة...)

    قال تعالى عن صفات هؤلاء المحسنين: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، والإحسان درجة عالية، وأقل منها درجة الإسلام، فيكون الإنسان أولاً مسلماً، ثم يرتقي فيكون مؤمناً، ثم يرتقي فيكون محسناً، وقد جاء في حديث جبريل: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).

    فالإسلام أعمال يعملها الإنسان، وقد تكون متفقة مع ما في قلب هذا الإنسان، وقد يكون في قلبه شيء آخر غيرها. والإيمان هو الشيء الباطن الذي يطلع عليه الله سبحانه وتعالى، وما كان في باطن الإنسان من خير فهو أعظم من ظاهره؛ لأن الظاهر يحتمل ويحتمل، وأما إذا كان الباطن موافقاً لهذا الظاهر فهذا هو الإيمان.

    إذاً: المؤمن هو الذي يأتي بأركان الإسلام الظاهرة مع وجود الإيمان في قلبه.

    وأما المحسن فهو الذي حصل الإيمان والإسلام ووصل لدرجة استحضار خشية الله سبحانه كأنه يراه أمامه سبحانه وتعالى، فهؤلاء المحسنون: مسلمون مؤمنون عابدون لله مخلصون له، كأنهم يرونه سبحانه.

    ومن أوصفاهم: أنهم يقيمون الصلاة، قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، يعني: يؤدون الصلاة على الوجه الذي يرضى به الله عز وجل عنهم، وعلى الوجه الذي يحبه سبحانه، فيؤدونها بأركانها وبشروطها، وبهيئاتها وبسننها وبمستحباتها، ويأتون بها على الوجه الذي يرضي ربهم سبحانه وتعالى.

    وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [لقمان:4] من أقام الشيء بمعنى: رفعه، أي: أن هذه الصلاة ترفع إلى الله سبحانه وتعالى، لا أنها مجرد تأدية ونقر وانتهى الأمر، وإنما هي إقامة لها كما قال تعالى: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [لقمان:4].

    قال تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [لقمان:4]، أي: يؤدون هذه الزكاة، والإيتاء: هو الإعطاء، وهو: إخراج المال ودفعه للفقير، والزكاة: إيتاء مال خاص لمستحقه، وهي ليست عوضاً.

    وهذه الآية وغيرها من الآيات في الأمر بأداء الزكاة وإيتائها تبين خطأ من يقول: إذا كان لشخص على آخر ديناً فلهذا الأخير أن يخصم من الدين مالاً ويقول: هو زكاة المال؛ بل لا بد من إعطائه لمن يستحقه ممن هو من أهل الزكاة؛ ليرفع عنه ما هو فيه من حاجة وفاقة.

    وقد سميت الزكاة زكاة من زكى الشيء، بمعنى: نما وطهر، فالزكاة تطهير للمال وتنمية له، فأداؤك للزكاة عبارة عن تطهير لنفسك ومالك، وأيضاً تنمية لمالك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة).

    قال تعالى: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4] أكد ذلك بأم هؤلاء هم بالآخرة هم يوقنون، أي: أن يقينهم بالله عز وجل عظيم وشديد، فهم محسنون ومستحضرون لعظمة الله، ومستحضرون ليوم القيامة، ومن كان مستحضراً ليوم القيامة فلا يقع في خطأ، ولا في الخطيئة، وإذا وقع في شيء من ذلك تاب بسرعة إلى الله عز وجل ورجع إليه؛ لأنه يخاف من الحساب يوم الدين.

    قال تعالى: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، فهم ليسوا عارفين فقط، وإنما موقنون، أي: اليقين الذي يدفع للعمل، والإنسان الذي يعرف وجود الله غير الذي يستيقن بوجود الله، فالذي يستيقن بوجود الله يخاف منه سبحانه، ويستحضر عظمته، ويعمل له ويراقبه في كل مكان سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أن الله معه، وأنه يراقبه وسيحاسبه، فيكون خائفاً من الله عز وجل، هذا هو اليقين بالله سبحانه.

    وكذلك اليقين باليوم الآخر، فإنه يستحضر طول الموقف بين يدي الله عز وجل، فإذا قام في الصلاة وتعب في قيامه فيها تذكر القيام خمسين ألف سنة يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، وإذا شق عليه الصوم في اليوم الحار الشديد الحر وظمأ وعطش وجاع، تذكر يوم القيامة، وتذكر أن الشمس تدنو من رءوس الناس وهم قيام بين يدي الله سبحانه وتعالى، وأنهم يعطشون في هذا اليوم عطشاً شديداً، فذلك اليوم هو يوم العطش الأكبر، وأن الله عز وجل يروي فيه من يشاء من خلقه سبحانه وتعالى، فيخاف من شر ذلك اليوم، ويدفع شره عنه بالعمل الصالح من صلاة وصيام وزكاة، وقد جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أنه سمع وهو في سفينة صوتاً ينادي عليهم: (يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه)، ولم يروه في الظلام فقالوا: (قل: فإنا نسمع، فقال: إن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه في يوم أو من صام في يوم شديد الحر، كان حقاً على الله أن يرويه في يوم العطش الأكبر) يعني في يوم القيامة.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ [لقمان:5]، أي: الذين يفعلون ذلك، عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [لقمان:5]، أي: هداهم الله سبحانه وتعالى، والهدى من الله عز وجل، فيهدي من يشاء سبحانه وتعالى متفضلاً عليه، ويضل من يشاء سبحانه، وله الحكم والقضاء والتقدير، وهو الحكم العدل سبحانه. قال تعالى: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [لقمان:5]، أي: هداهم وبين لهم وأخذ بأيديهم إلى طريق الخير، فكانوا على هدى من ربهم، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:5] والفلاح: النجاح الذي لا خسران بعده أبداً، فهم الذين يفلحون في الآخرة فلا يخسرون أبداً. قال تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62].

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.