إسلام ويب

تفسير سورة النمل [87 - 90]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكرنا الله تعالى بيوم ينفخ في الصور حين يفزع من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، وذكر تعالى أن الجبال في ذلك اليوم تنسف وكل يرى عمله، فالمحسن يأمن من فزع ذلك اليوم، والكافر يكب على وجهه في نار جهنم بما كسبت يداه في هذه الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ...)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:87-90].

    يخبر الله عز وجل في هذه الآيات عن يوم القيامة، يوم ينفخ في الصور، وذكر سبحانه وتعالى في القرآن نفختين، قال الله عز وجل: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، فالنفخة الأولى وهي نفخة الصعق التي يميت الله عز وجل بها الخلائق، والنفخة الثانية يبعثهم، وبينهما أربعون، فلعلها أربعون يوماً، ولعلها أربعون سنة أو شهراً، فلم يذكر راوي الحديث - أبو هريرة - ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، بل هو نفسه لم يعرف هل هي أربعون يوماً أو سنة أو شهراً؟ ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بين النفختين أربعون).

    وليس من الضروري أن يعرف المسلم ماهية هذه الأربعين، بل المهم أن هناك موت وبعد ذلك إحياء، ولكن الله عز وجل ذكر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين.

    قوله: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ، (يوم) منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، والتقدير: اذكر هذا اليوم، وقوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ، هذا هو الفزع الأكبر الذي يكون يوم القيامة، وينجي الله عز وجل من هذا الفزع الأكبر من يشاء من عباده، فينجي المؤمنين الصالحين: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء:103]، وهم في الجنة خالدين، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم.

    وقد جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله عز وجل من الفزع الأكبر، يوم يقوم الناس بين يدي رب العالمين سبحانه، فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام، ما رواه أحمد في مسنده عنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك مما أعطيتنا وشر ما صنعت).

    فكان يسأل الله عز وجل النعيم يوم القيامة في الجنة، والذي لا يحول ولا يزول، أي: لا يتحول، أما النعيم في الدنيا فهو بين الإحالة وبين الزوال، والإنسان يتحول من حال إلى حال، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، وهكذا فحال الإنسان متحول ومتقلب في الدنيا.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة) ويوم العيلة: يوم الفقر، وهو يوم القيامة، فكل إنسان في ذلك اليوم فقير لا مال له، إلا أن يكون له عمل صالح ينفعه.

    و (والأمن يوم الخوف)، وهو يوم القيامة: يوم الفزع الأكبر، وفيه ينجي الله عز وجل من يشاء من عباده، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الناجين.

    يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:87]، هذه هي النفخة الثانية، وفيها يقوم الخلق فزعين خائفين بين يدي رب العالمين، إلا من شاء الله أن ينجيه ويؤمنه من هذا الفزع، ويحشره في غاية الأمن، ويظله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

    قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ، التنوين في لفظة (كل) تنوين عوض عن كلمة: الخلق، والتقدير: كل الخلق، و(أتوه): أي: يأتون الله سبحانه، وأتوا: فعل ماض من يأتي.

    وَكُلٌّ أَتَوْهُ ، وهذه قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة وقراءة خلف .

    وقراءة باقي القراء وهم الجمهور: (وكل آتوه داخرين)، من اسم الفاعل: أتى فهو آت، أي: وكل إنسان آتٍ إلى الله عز وجل.

    وقوله: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ، أي: أتوا إلى الله سبحانه وتعالى يوم ينفخ في الصور وهم في غاية الذل والصغار، وفي غاية الخوف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ...)

    ذكر الله الجبال وما يحل بها يوم القيامة فقال: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، كما قال سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107].

    فهذه الجبال الراسيات العظيمات ينسفها الله ويدمرها ويجعلها هباءً منثوراً، وذرات متناثرة، فإذا بها مسواة بالأرض، فالجبل الذي كان على الأرض راسخاً، يطير كالسحاب، ثم تذروه الرياح، أو يصيره على هيئة الرمال والتراب فوق الأرض، فإذا الأرض بلا مرتفعات ولا منخفضات.

    قال الله سبحانه: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ، قال ابن عباس : أي قائمة وهي تسير سيراً حثيثاً.

    وقد ذكر الله في القرآن أن الجبال يوم القيامة تكون على حالات: الحالة الأولى: دك الأرض والجبال، قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:21-22]، فتزلزل الأرض وتندك الجبال، وتتواضع لربها سبحانه وتعالى، وهذه حالة من أحوالها.

    الحالة الثانية: أخبر سبحانه وتعالى عن الجبال أنها تكون كالعهن المنفوش، والعهن هو الصوف، والمنفوش: المنتفش، كانت ثقيلة يوماً من الأيام، وفي يوم القيامة صارت خفيفة كالعهن المنفوش.

    الحالة الثالثة: أخبر الله سبحانه وتعالى أن الجبال يوم القيامة تنسف، قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا [طه:105-106]، والقاع: الأرض المنبسطة.

    الحالة الرابعة: قال الله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:20]، أي: كان موضعها كالسراب، والسراب ما يراه الإنسان أمامه في اليوم الشديد الحر في الأرض المنبسطة يحسبه ماءً، فإذا وصل إليه لم يجده ماء، ووجده أرضاً كغيره من الأرض، كذلك الجبال سيرت يوم القيامة، وحركت من مكانها فصار مكانها كالسراب، فالناظر إليها يظنها واقفة جامدة، والله يسيرها ويدمرها حتى تتطاير ثم تنزل على الأرض هباءً ورمالاً، فتستوي بها الأرض، قال سبحانه: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88].

    وقوله: تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ، فيها قراءتان: الأولى: بفتح السين في (تحسبها)، وهي قراءة عاصم ، وابن عامر وأبي جعفر ، وباقي القراء نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب والكسائي وخلف يقرءون: (تحسِبُهَا جامدة) بكسر السين.

    وقوله: (صنع الله) أي: هذا الصنع البديع، المتمثل في الجبال الراسيات التي يجعلها يوم القيامة تسير، ثم يصيرها كالعهن المنفوش، ويدمرها فيجعلها قاعاً صفصفاً، هذا الصنع صنع الله وحده لا شريك له، لا يقدر عليه أحد سواه.

    وكأن الله يقول: انظروا إلى صنع الله سبحانه، فصنع: منصوب على الإغراء، والمقصود: الزموا التفكر في هذا الصنع العظيم، أو أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: صنعه صنعاً.

    قوله: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، أي: خلق كل شيء في غاية الإتقان والدقة وعلى أفضل ما يكون، وكلمة (الإتقان) أصلها: من أتقن، وقالوا: إن أصل هذه الكلمة عربية قديمة من أيام عاد، تنسب إلى رجل اسمه: ابن تقن ، كان غاية في تسديد الرماح والسهام، لا يخطئ أبداً، فإذا رمى السهم لا بد وأن يصيب الهدف، فكان يضرب به المثل في ذلك، فكانوا يضربون به المثل في الإتقان، ويقولون للرامي العظيم: أرمى من ابن تقن ، أي: فلان أرمى منه.

    فالمحسن في عمله يسمى: متقن، نسبة إلى ابن تقن ، فصارت الكلمة بعد ذلك دليلاً على الإصابة والسداد والإحسان في العمل، فمن أتقن عمله صار كهذا الذي كان يرمي فيصيب في رميه.

    فالإتقان: إحسان العمل، ولذلك قال الله: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، وأمر الله عز وجل عباده أيضاً أن يحسنوا، فقال: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإتقان الأعمال كذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، فيحب الله من الإنسان أن يتقن عمله، سواء كان عملاً دينياً أو دنيوياً ينبني عليه تحصيل رزق أو غيره.

    وقول الله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88]، فيه أنه أتقن خلق الإنسان، كما قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة:7].

    قال تعالى: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88]، الخبير من الخبرة وهي دقة العلم، أو العلم الدقيق، فهو عالم خبير لطيف بعباده سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها...)

    قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، أي: الذي يفعل حسنة له خير منها، وإن كان كثير من العلماء على أن هذه الحسنة المقصود بها: كلمة: لا إله إلا الله، أو أن كل المفسرين تقريباً على هذا المعنى وهو أن الحسنة بالتعريف: المقصود منها: لا إله إلا الله، فلا شيء أفضل وأخير من لا إله إلا الله، وهي أعظم ما يقولها الإنسان، فالذي يأتي بها تكون له حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، فله خير من فعله عند الله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها [النمل:89]، والخير: هي جنة الخلود عند رب العالمين.

    قال تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، هذه الآية فيها ثلاث قراءات: فقراءة الكوفيين: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، بتنوين العين، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين: (وهم من فزعِ يومئذ آمنون) بالكسر بلا تنوين، وقراءة باقي القراء: (وهم من فزعِ يومِئِذٍ آمنون) بإضافة (يومئذ) إلى (فزع).

    فمعنى قراءة الكوفيون: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ ، أي: فزع عظيم، فنكره للتعظيم، وهذا الفزع يكون يوم القيامة، فالله عز وجل يؤمن المؤمنين وينجيهم منه، وينجيهم مما هو دونه كذلك، فهو الكريم الرءوف بعباده سبحانه.

    وقراءة المدنيين، نافع وأبي جعفر : (وهم من فزعِ يومئذ آمنون)، فإضافة يومئذ إلى ما قبلها، وكأن المضاف إليه هو: يوم: مجرور بالفتحة، فمنع من الصرف لأضافته إلى إذ، ويجوز منعه وصرفه، ولذلك قراءة باقي القراء: (من فزعِ يومِئِذٍ) على الإضافة وعلى الصرف فيها.

    إن الفزع يكون يوم القيامة؛ لأنه يوم يحاسب الله عز وجل به العباد، بعد أن يخرجون من قبورهم، والمؤمنون ينجيهم الله بكلمة: لا إله إلا الله، وقد جاء في الحديث أن العصاة ممن قال: لا إله إلا الله يدخلون النار، فإن قيل: لماذا لم يأمنهم الله من الفزع وهم قد قالوا: لا إله إلا الله؟ فالجواب: أن هذا من المطلق الذي قيد بغيره، فالحسنة المذكورة في الآية وهي قول: لا إله إلا الله، إنما تنفع بشروط، وهي أن يأتي صاحبها بالأفعال التي تصلح بها هذه الكلمة، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، بلسانه، وصدق ذلك يقيناً بقلبه، وعمل بمقتضى ذلك بجوارحه كانت من أعظم الحسنات التي تجعل صاحبها ممن يؤمنهم الله سبحانه.

    أما إذا قالها كلمة لا يعلمها ولا يفهم معناها، ولا يعمل بمقتضاها، فقد جاء في الحديث أن هذا يعذب في قبره، ويقال له: ما كنت تقول في الدنيا؟ وماذا كنت تعبد؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ومن ربك وما دينك؟ فلا يستطيع أن يقول شيئاً، فإذا أخبر عن كلمة لا إله إلا الله، يقول: سمعت الناس يقولونها فقلت. أي: أنه قال كما قال الناس، بدون أن يفهم معناها، أو يعمل بمقتضاها، فيعذب في قبره، ويعذب كذلك في يوم القيامة، ولا يأمن من الفزع الأكبر.

    إذاً: كلمة: لا إله إلا الله تنفع من أتى بشروطها، وشروطها: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فمن أتى بهذه الشروط نفعته لا إله إلا الله يوم القيامة، وأمنته من الفزع، ودخل بها الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار...)

    قال الله تعالى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90]، فالأول جاء بـ(لا إله إلا الله) بشروطها، وهذا أتى بالسيئة، وأقبح السيئات: الشرك بالله سبحانه وتعالى، والتي لا ينفع معها حسنة، فمن جاء بهذه السيئة كب وجهه في النار، قال سبحانه: يوم يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور:13]، فيضربون في أقفائهم، فيكبون على مناخرهم ووجوههم في نار جهنم، ثم يقال لهم -وهم في النار والعياذ بالله-: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90]، أي: هذا الجزء بما اقترفت أيديكم، وبما عملتم في الدنيا، فلا تجزون إلا على ما قدمتم من عمل، ولذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يحرص على أن يراقب نفسه، ويراقب عمله، وهل هذا العمل يرضي الله أم لا يرضيه؟ فإذا عمل العمل الذي يرضي به ربه فله الجزاء الحسن، وإن أساء فلا يلومن إلا نفسه.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.