إسلام ويب

تفسير سورة النمل [82 - 87]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من علامات الساعة الكبرى: خروج دابة من الأرض تكلم الناس أنهم كانوا لا يوقنون بآيات الله الكونية والشرعية، وتختم على جباههم بوصف كل واحد منهم، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ولا تنفع التوبة بعد خروجها، ثم بعدها تقوم الساعة فينفخ في الصور نفخة الصعق، ثم نفخة البعث.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النمل: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل:82-86].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من آخر سورة النمل أنه إذا وقع القول على العباد أي: وجب عليهم غضب الله سبحانه وحق عليهم العذاب وأنهم لا يؤمنون: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]، يخرج الله عز وجل لعباده دابة من الأرض، قالوا: تخرج من جبل الصفا، وهذه الدابة تخرج ثلاث خرجات:

    خرجة يراها الناس ولا يدركونها ثم تختفي، وتخرج مرة أخرى ثم تختفي، وتخرج مرة ثالثة فتختم الناس على جباههم، هذا مؤمن وهذا كافر، وستكلم الناس هذه الدابة، وتطبع على جباههم، وقد كانوا قبل ذلك يتمكنون من العمل الصالح ومن الإيمان، وبعد خروجها يقف الأمر على ذلك، فالله عز وجل أخبر أنهم حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن أحد بعد هذه الآية.

    وقوله: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]، هذه قراءة الكوفيين ويعقوب ، وباقي القراء يقرءونها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، فعلى هذه القراءة يكون المعنى: حقت على الناس كلمة العذاب، وحقت عليهم العقوبة، وأخرج الله عز وجل لهم هذه الآية العظيمة تكلمهم، وتطبع عليهم هذا كافر وهذا مؤمن؛ بسبب إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وهذه قراءة الجمهور: نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر ، وكأن الدابة تقول لهم: إن الناس كانوا بآيات الله عز وجل لا يستيقنون، وكانوا يكذبون ولا يوقنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ...)

    قال الله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:83]، هنا ذكر الله يوم القيامة، فبعد أن ذكر علامة من العلامات الكبرى للساعة التي لا ينفع الناس الإيمان بعد ظهورها يقول: اذكر يوم القيامة يوم الحشر، والحشر: الجمع والضم، فيخرج الناس من القبور ويساقون إلى موضع حسابهم إلى عرصات القيامة.

    وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:83]، أي: يضمون ويوقف أولهم حتى يلحق بهم آخرهم، ويضم بعضهم إلى بعض، ويحشرهم الله سبحانه فوجاً وراء فوج، وكأنها أفواج بعضها وراء بعض، يحشرهم الله سبحانه جماعات زمراً.

    مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا [النمل:83] يعني: الذي كذبوا بآيات الله سبحانه وبالعلامات التي جعلها لهم آيات على أن الله يستحق العبادة وحده، وكذبوا بآيات القرآن العظيم وما جاء على لسان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبالدلالات الدالة على الحق.

    فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:83]، أي: يدفعون ويساقون إلى المحشر إلى موضع الحساب، فهم يوزعون فيرد آخرهم على أولهم وأولهم على آخرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ...)

    قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84]، أي: إذا وصلوا لمكان حسابهم، حيث يجمعون للحساب ويتركون في موقف عظيم خمسين ألف سنة، وتدنو الشمس من رءوسهم، وهم لا يدرون ما يصنعون ولا ما يصنع بهم، فيقول بعضهم لبعض: من يشفع لنا ليقضي الله عز وجل بيننا؟ فيذهبون إلى آدم فيقول: اذهبوا إلى نوح، وهكذا حتى يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها.. أنا لها) ، فهنا يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه في هذا الموقف يقول للكافرين: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي [النمل:84]، يعني: التي أنزلت على رسلي والآيات التي أقمتها دالة على توحيدي؟

    وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا [النمل:84]، يعني: كيف تكذبون بها ولم تحيطوا بها علماً؟! والإنسان يعلم بعض الأشياء، ولا يحيط علماً بالشيء، قال الله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255].

    فأي شيء من مخلوقات الله عز وجل قد يعرف الإنسان اسمه، وقد يعرف وصفه، وقد يعرف الفرق بينه وبين غيره، لكن لا يحيط علماً به ويقول: أنا عندي علم إحاطة بهذا الشيء، فمن المستحيل أن يصل الإنسان إلى ذلك، وكلما كثر علمه عرف جهله بأشياء كثيرة، وكلما قال: وصلت إلى شيء، وجد نفسه يجهل أشياء كثيرة في الشيء نفسه الذي وصل إليه.

    فالله عز وجل يقول للخلق يوم القيامة: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا [النمل:84]، يعني: لم تعرفوها حق المعرفة ولم تدركوها على يقين حقيقتها، ولم تحيطوا بالأشياء علماً، ولم تحيطوا بالآيات علماً، فكيف كذبتم هذه الآيات التي أنزلتها على الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84] ماذا كنتم تعملون في الدنيا؟ تقريع وتوبيخ، أي: ماذا كنتم تعملون في هذه الدنيا حين لم تبحثوا عن هذه الآيات ولم تتفكروا فيها؟ وكأنه يوبخهم أن أمضوا أعمارهم في تضييع.. في عبث.. في لهو.. في تكذيب، ولم يحاولوا أن يفهموا ما جاء عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالله أعطاهم في كل شيء آية، فإذا بهم ينصرفون عن هذه الآيات، وبدلاً من أن يعبدوا الله سبحانه إذا بهم يكذبون ويضيعون الأعمار في التكذيب والرد على الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لذلك يقول لهم: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84].

    ماذا كنتم تعملون في الدنيا؟ فقد تركنا لكم أعماراً في هذه الدنيا طويلة، فما الذي صنعتموه في أعماركم الطويلة غير التكذيب والإعراض عن الله عز وجل والهزل واللعب واللهو والعبث في الدنيا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا ...)

    قال الله: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ [النمل:85]، أي: حق عليهم العذاب، حق عليهم قول الله عز وجل: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]، فوقع عليهم العذاب يوم القيامة بِمَا ظَلَمُوا [النمل:85] أي: بسبب ظلمهم، فهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، فوجب عليهم العذاب بشركهم.

    قال: فَهُمْ لا يَنطِقُونَ [النمل:85]، الله يسألهم ويوبخهم وهم لا يجيبون ولا يعرفون كيف يردون على ربهم سبحانه، فلا عذر لهم ولا حجة معهم، فهم لا ينطقون، ثم يختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم بما كانوا يعملون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ...)

    يقول الله عز وجل مذكراً بآية من آياته سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل:86]، هذه آية من آيات الله، وقد ذكر آيات كثيرات من آياته سبحانه حين قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59]، ثم عدد نعمه وآياته على عباده سبحانه وتعالى، ثم هنا لما قال لعباده: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84]، أي: ماذا كنتم تعملون في الدنيا غير التكذيب؟ فلم تتفكروا في آيات الله عز وجل التي ترونها كل يوم وكل ليلة، قال: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ [النمل:86]، أي: جعلنا لكم الليل تنامون فيه، ولو جعلنا عليكم النهار سرمداً ما أطقتم ذلك ولتعبتم ولهلكتم، ولكن جعلنا لكم ليلاً للنوم والراحة تسكنون فيه، ونهاراً مبصراً لمعاشكم، فالله يقلب الليل والنهار، ويجعل هذا مظلماً وهذا مضيئاً، ويجعل هذا بارداً وهذا حاراً، ويقلبكم بين الليل والنهار، فلم لا تتفكرون في عمركم كله في الذي جعل لكم الليل وسخر لكم الشمس والقمر دائبين؟! لم تتفكروا في ذلك فماذا كنتم تعملون؟

    كل عمرك تلعب وتلهو، وفي هذا الامتحان الأعظم بين يدي الله سبحانه وتعالى يسألك: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84]، عشت خمسين أو ستين سنة، فما فعلت في هذه الدنيا غير التكذيب؟!

    قال سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ [النمل:86]، جعلناه سكناً يستقرون وينامون فيه، ويهدءون ويستريحون فيه، وجعلنا النهار مبصراً أي: يبصر الإنسان فيه، ويسعى لطلب رزقه في النهار.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل:86]، دلالات دالة على قدرة الله سبحانه وعلى رحمته بعباده، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا المؤمنين إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فالعالم المؤمن يخاف من الله، ويتقي الله سبحانه، ويعلم أنه إليه راجع، فيؤمنون بالله مصدقين بآياته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ...)

    ثم يذكرنا الله سبحانه وتعالى بيوم القيامة فيقول: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:87] أي: اذكر ذلك، وفي الزمر قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، وهما النفختان: نفخة الموت، ونفخة النشور.

    قال سبحانه: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [النمل:87] (ويوم) منصوبة مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر أو اذكروا يوم ينفخ في الصور.

    والصور: القرن أو البوق مثل الزمارة، وهو بوق عظيم جداً خلقه الله عز وجل، وخلق له ملكاً موكلاً به، وهو إسرافيل ينفخ في الصور حين يأمره الله سبحانه وتعالى.

    روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه).

    وروى الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟!)، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو محسن لا يسيء، والذي عصمه الله سبحانه وتعالى فلا يقع في كبيرة ولا في صغيرة عليه الصلاة والسلام، هذا النبي الذي قال له ربه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، ومع هذا يقول: (كيف أنعم) أي: كيف أتلذذ وأتنعم بهذه الدنيا، وأنا أعلم أن الملك قد أخذ الصور ينتظر أمر الله سبحانه وتعالى؟!

    فالأمر عظيم جداً، والساعة قريبة، فمنذ خلق الله عز وجل الملك إسرافيل وخلق الله عز وجل له هذا البوق لينفخ فيه؛ وهو مستعد لينفخ فيه حين يأمره الله عز وجل.

    وجاءت في حديث لفظه: (إنه لا يطرف)، أي: يطرف جفناه خوفاً من أنه إذا أغمض عينيه يأتي أمر الله عز وجل، فهو مستعد للنفخ في الصور بإذن الله رب العالمين، وقد ثقل ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا).

    فليكثر المسلم من قول ذلك، وليتذكر ذلك، وأنه وإن غفل فليس الله غافلاً عنه، وأنه إن عاش في الدنيا ما بدا له فهو إلى موت وإلى قيامة وإلى حساب بين يدي الله عز وجل.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور).

    وقد جاءت الأحاديث بأن هذه النفخة تكون يوم جمعة، وأن بين النفختين أربعين، ففي سنن أبي داود والنسائي من حديث أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة).

    فيوم الجمعة فضل بأن خلق الله فيه آدم، وفيه مات عليه الصلاة والسلام، وفيه الصعقة حين يموت الخلق.

    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بين النفختين أربعون)، ولم يحدد هل هي أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، فالرواة سألوا أبا هريرة فقالوا: أربعون يوماً؟ قال: أبيت، يعني: إني لا أتكلم إلا بما أعلم، فلم يخبرني النبي صلى الله عليه وسلم، هل هي أربعون يوماً أو غيرها، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، ثم قال: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، منه يركب الخلق).

    فالإنسان إذا مات يتحول كله إلى تراب إلا عجب الذنب، وهو آخر العمود الفقري، والمكان الذي يكون منه ذيل الحيوان، هذا المكان الذي في الإنسان لا يبلى، ويخفيها الله عز وجل بما يشاء، ولا تأكلها الأرض.

    والذين يحرقون الجثث في بعض بلاد الكفار حين يموت الميت، يتعجبون من أن الجثة كلها تحترق إلا هذه العظمة التي في آخر الإنسان فإنها لا تحترق فيدفنونها أو يلقونها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث، وأن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، والمعنى: أن الإنسان يكون مثل النبات، فالنبات ينبت من حبة صغيرة حتى يكون شجرة كبيرة، وكذلك الإنسان ينبت يوم القيامة من عجب الذنب.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.