إسلام ويب

تفسير سورة النمل الآية [62]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من دعا الله وهو مضطر فإن الله يجيبه ولو كان كافراً، فرحمة الله في الدنيا وسعت كل شيء، وهو الذي يكشف السوء عن العباد والبلاد في أمور دينهم ودنياهم، فله الحمد والمنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إلى دعاه...)

    فقر الإنسان إلى الله وشدة حاجته للدعاء

    قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] يتذكر الإنسان قول: لا حول ولا قوة إلا بالله أي: لا تحول لأحد، ولا حيلة إلا بالله، ولا قوة لأحد إلا بأن يعينه الله سبحانه وتعالى، وقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فالله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه قائلاً: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) والمعنى: اللهم رحمتك أنت وحدك، صاحب الرحمة العظيمة، إياها أرجو، (فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)؛ لأنه لو وكل الإنسان إلى نفسه، وظن أنه قادر على كل شيء، حينها يملي الله له ويرجيه، ثم يأخذه بسبب ما هو فيه من علو واستكبار.

    ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم معلماً لنا: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وهنا أخر الفعل وقدم المفعول للاختصاص والتنبيه على أن الله وحده ذو الرحمة التي ترجى، كقولك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فالأصل (نعبدك) حيث يقدم الفعل ويليه المفعول، ولكن عندما يقدم المفعول فمعناه: الاختصاص بالله وحده سبحانه.

    قال تعالى: إِيَّاكَ [الفاتحة:5] أي: وحدك لا شريك لك، لا أحد آخر، إذ لو قال الإنسان: أعبدك فقد يقال: يعبده ويعبد غيره، مثلما كان الكفار يعبدون الله ويشركون به سبحانه، أما عندما يقول: إياك أعبد فقد قدم المفعول للاختصاص، فأفصح أن العبادة تقتصر عليه وحده لا شريك له.

    وفي الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رحمتك أرجو) إذاً: لا أرجو رحمة من أحد غيرك، فلو قال الإنسان: أرجو رحمتك، فقد يرجو رحمته ورحمة غيره، ولكن عندما يقول: (اللهم رحمتك أرجو) أي: فإن الرحمة الوحيدة تكون من عندك يا رب العالمين!

    وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يدعو بدعاء لو كان عليه دين عظيم أداه الله عز وجل وأعانه عليه، وهو أن يقرأ آيتين في آل عمران: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:26-27]، فيا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما -رحمتك أرجو- تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب رحمة من الله يستغني بها عن رحمة أحد سوى الله، فمن توكل على الله كان الله له نعم المولى ونعم الوكيل، ومن توكل على الله كفاه سبحانه، ورزقه من حيث لا يحتسب.

    وكم من إنسان وقع في ضيق وفي أزمة، فلما ضاقت عليه الدنيا لجأ إلى الله وحده وناداه: يا رب! فإذا بالله يكشف ما به، فيكون كأمس الدابر، وكأنه لم يحدث شيء، والقصص في هذا المعنى كثيرة جداً.

    قصص لبعض من استجاب الله دعاءهم وكشف كربهم

    ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية قصصاً، وهي قصص عجيبة جداً، ولكنها ليست بغريبة على قدرة الله سبحانه وتعالى فهو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284].

    يقول رحمة الله عليه راوياً عن الإمام الحاكم في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية : تقول: هزم الكفار يوماً المسلمين في غزاة، فوقف جواد بصاحبه، -وكان رجلاً صالحاً- أي أنه: حينما كان الكفار قادمين نحوه، إذا بالجواد يقف ولا يهرب به، فيتعجب الرجل ويكلم جواده قائلاً ألم أعدك لهذا اليوم؟! فإذا بالجواد يرد عليه ويقول: إنك لا تعلفني، بل تكل العلوفة إلى غيرك فيظلمونني، فيجيبه الرجل قائلاً: عهد علي إذا رجعنا لأعلفنك في حجري، فيطير به الجواد، ومن ثم يلتزم صاحبه العهد، وهذا أمر عجيب!

    والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الذين من قبلنا: أن بقرة تكلمت، وليس أولئك بأحسن من هذا، فإنه من التابعين لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وليس عجيباً على أمر الله أن يحدث ذلك.

    وفي الصحيح: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ركب رجل ممن كانوا قبلنا بقرة، فاستدارت إليه وقالت: ليس لهذا خلقت -أي: لم أخلق للركوب- إنما خلقت للحرث).

    وتتمة القصة الأولى التي رواها ابن كثير عن الإمام الحاكم : فلما علم ملك الروم أن في المسلمين رجلاً كلمته دابة قال: لا يصلح إلا أن يكون عندنا، فالمكان الذي يكون فيه سيكون مباركاً، فأرسل إليه من يخطفه ويأتي به إليهم ممن كان من المرتدين، فذهب المرتد إليه وأظهر للرجل الصالح أنه أسلم وحسن إسلامه، فانخدع به، فكأنه خرج معه يوماً، وقد واعد المرتد غيره من الناس عند أطراف البلد ممن هم على شاكلته، فلما وصل هذا المسلم إلى هذا المكان، أخذوه وأرادوا الذهاب به إلى ملك الروم لعله يقتله، ولما يشكل وجوده في المسلمين من قوة حيث أنه مستجاب الدعوة، فإذا بالرجل يدعو ربه سبحانه وتعالى، ويقول: اللهم بك خدعوني -أي: إنما ذهبت مع هذا رجاء أن يسلم، وأن يحسن إسلامه، فقال لله عز وجل: فاكفنيهم بما شئت.

    قال الراوي: فخرج سبعان في المكان الذي هو فيه فخططا الرجل الكافر ومن معه، وتركا الرجل الصالح.

    والأسد عادة لا يفرق بين مسلم وكافر إلا أنه هنا فرق بينهما في هذا الموطن، ولا شك أن الله عز وجل هو الذي قدر ذلك.

    ثم ذكر رحمه الله قصة هي أغرب من هذه القصة يقول:

    ذكر ابن عساكر بإسناده عن رجل قال: كنت أكاري على بغل لي في دمشق إلى بلد، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق غير المسلوكة، أي: غير المأهولة، فقال: ادخل في هذا الطريق، فقلت: لا أعرفه، قال: أنا أعرفه ادخل فيه، فلما دخلوا فيه وأصبحوا بعيدين عن الناس، نزل الرجل وأحضر سكيناً ثم أراد قتل هذا الرجل، فتوسل إليه الرجل بكل شيء، وقال له: خذ الدواب التي معي، والمال واتركني، قال: لا، إنما أريد قتلك أنت، يقول الرجل: فقلت له: فاتركني أصلي ركعتين، طالما أنك ستقتلني، فقال: عجل، قال: فقمت فارتج علي القرآن فلم أستطع أن أقرأ، وقد دخلت في الصلاة، والقتل ينتظرني، ولم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً، قال: فأجرى الله على لساني قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها هذا الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً.

    قال: فتعلقت بهذا الفارس، وقلت: بالله من أنت؟ قال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهذه القصة ليست بعجيبة على قدرة الله سبحانه وتعالى أن يرسل من يغيث هذا.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أن رجلاً خرج من قرية ليزور أخاً له في بلدة أخرى، فلما وصل منتصف الطريق، أرسل الله عز وجل إليه ملكاً، فقال: أين تريد ؟ قال: أريد فلاناً في البلدة الفلانية، قال: لم ؟ قال: أحبه في الله، قال: ألك حاجة عنده ؟ قال: لا، قال: ألك نعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكنني أحبه في الله، قال: فأنا رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته).

    فليس بعيداً على الله سبحانه وتعالى في تدبير كونه أن يرينا من ذلك ما يتعجب الإنسان منه، كأن يبعث إلى هذا من يقتل خصمه، والله يفعل ما يشاء، والذي يقرأ في السير والتأريخ يجد العجائب من إكرام الله عز وجل لعباده ما هو فوق ذلك بكثير؛ لكن الغرض بيان: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].

    فكلما اشتدت بالمسلم كربة من الكرب، تذكر أن الله يجيب المضطر إذا دعاه، وكلما اضطر الإنسان، واستشعر الضيق، وعدم القدرة، ولم يجد أحداً حوله قال: يا رب ! ويكفيه ذلك.

    فهذا لوط عليه الصلاة والسلام، لما ضاقت به الدنيا، ووقف يدافع قومه وحده، وكل قومه يدفعون عليه بابه، ويريدون أخذ أضيافه، وهو لا يعلم أن هؤلاء ملائكة الله سبحانه، إذا به يقول: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:80-81] فكان النصر حليفه، ومن يخاف عليهم هم الذين يدفعون عنه، وهذا عجيب من أمر رب العالمين سبحانه وتعالى، ولا غرو فهو يجيب المضطر إذا دعاه، ويستجيب دعاء من ناداه.

    من يستجيب الله دعاءهم

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن)، أي: ثلاث دعوات للإنسان كلما ضاق به الأمر فقال: يا رب! مضطراً، فالله عز وجل يستجيب له، يقول: (دعوة المظلوم)، فالمظلوم إذا ضاق به الأمر ولم يجد من ينصره، فدعا الله عز وجل نصره، قال: (ودعوة المسافر) والمسافر غريب في بلد غير بلده، لا يجد من يعينه، وقد تعود الناس أن يعين الإنسان من يعرفه، من جار أو قريب أو نحوه، أما الغريب فلا يجد أحداً، فقد قطن مكاناً موحشاً فأحب أن يرجع إلى بلده، فيفزع إلى الله عز وجل فيستجيب له.

    قال: (ودعوة الوالد على ولده) وبالرغم من أن العادة أن الوالد يدعو لولده والله يستجيب، ولكن دعوة الوالد على ولده لا تأتي إلا إذا ضاق به ذرعاً، كأن يكون عاقاً لأبيه لا يطيعه، فإن دعا عليه استجاب الله لهذه الدعوة.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام- على السحاب- فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) فنصر المظلوم آت من عند الله سبحانه، ولو تأخرت الاستجابة شيئاً ما في نظر الإنسان؛ ولكنها آتية ولو بعد حين.

    يقول الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس:22]، أي: السفينة وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22]: بحيث أن الإنسان ينسى نفسه، وينسى ربه سبحانه وتعالى، قال: وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [يونس:22]، فيفجأهم هذا الهول، ولذلك لابد أن يكون الإنسان في ذكر لله دائماً، يذكر الله في الرخاء، فيذكره الله ويكون معه عند الضراء.

    ثم يقول سبحانه: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس:22]، فعندما اشتدت الأمواج والرياح ظنوا أنهم أحيط بهم، قال: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس:22]، ففي الأوقات العصيبة يذكر الإنسان ربه.

    ثم يقول سبحانه: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس:23]، فبعد أن يكشف الله عنه الضر الذي هو فيه ينسى ويتناسى، ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23]، أي: إذا بغيتم أو ظلمتم، رجع عليكم مكركم، وسوء صنيعكم.

    لذلك على المؤمن إذا أحب أن يستجيب الله له في وقت البلاء: أن يكثر من الدعاء في وقت الرخاء، وأن يتواضع لله ولخلقه، فالله يحب المتواضعين.