إسلام ويب

تفسير سورة النمل [59 - 61]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله سبحانه وتعالى عظمته وقدرته في خلق السماوات والأرض وما فيهما من مخلوقات وأنهار ونبات، كل ذلك ليدلل على بديع صنعه، وأنه الرب الخالق المستحق للعبادة من خلقه، ويا للعجب! كيف يعرف كثير من المشركين مخلوقات الله وينسبون صنعها إلى الله وفي نفس الوقت يعبدون غيره، ويشكرون آلهة باطلة من دونه سبحانه!

    1.   

    بيان عظمة الله عز وجل

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد: فيقول الله عز وجل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59-63].

    اعتراف المشركين بربوبية الله في الآيات

    ذكر الله سبحانه وتعالى بعض أنبيائه في هذه السورة الكريمة في الآيات السابقة، وذكر كيف أنه نصرهم على أعدائهم من الكفار، وأنهم بلغوا رسالة رب العالمين سبحانه -والسورة سورة مكية أي: أنها نزلت في زمن كان يؤذى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- فكأن الله سبحانه يصبرهم بذلك، ويعلمهم بأن النهاية أن يكون النصر لأولياء الله سبحانه وتعالى، فختم بقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59].

    فقوله سبحانه: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، الاستفهام في الآية لهؤلاء: أن أجيبوا عن ذلك، ومعناه التقرير بأن حقيقة الأمر: أن الله سبحانه وتعالى خير من كل شيء، فالجواب معروف منه، وكذلك كان يجيب المشركون، وقد أثبت سبحانه عليهم ذلح، حيث يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9] .. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فهم يجزمون بأن الله هو الخالق، وأن الله يقدر على كل شيء، وأن غيره لا يقدر على شيء، ولذلك إذا مسهم الضر في البحر دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، فقد اعتادوا إذا نزل بهم الضر أن يجأروا إلى الله فيقولون: يا رب! يا الله! فإذا كشف الله عز وجل عنهم ذلك رجعوا مرة أخرى إلى شركهم، فمع أنهم موقنون أن الذي ينفع ويكشف عنهم ضرهم وقت الضر هو الله سبحانه، فلذلك إذا سئلوا: آلله خير أم هؤلاء الذين تشركون؟

    أجابوا: بل الله خير! فإن سئلوا لماذا تعبدون هؤلاء؟ قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وهم بهذا الجواب يخدعون أنفسهم، حيث يقولون ذلك وهم يعتقدون خلافه.

    يقول الله مبيناً نعمه سبحانه: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [النمل:60]، أي: هل تستطيع هذه الآلهة الباطلة من الإنس والجن ومخلوقات أخر لو اجتمعوا أن يخلقوا السموات والأرضين؟

    قال سبحانه: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60]، ومن أنزل من السماء ماءً؟ جوابهم المعروف: الله الذي فعل ذلك، فكأن الله يذكرهم بالنعم التي يتقلبون فيها ليل نهار، فيقول: هذه السموات التي تظلكم، وهذه الأرضون التي تقلكم، وهذه الشمس والقمر اللذان ينيران لكم، من الذي خلق ذلك كله؟

    ولما كان جوابهم: الله سبحانه وتعالى، لم يقل لهم: أرب مع الله، وهنا نلحظ الفرق بين أن يقول: أرب مع الله، وهو مقتضى الاستفهام، أو يقول: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، لأنه إن قال: أرب مع الله، فهم لم ينكروا الرب سبحانه وتعالى، فلا يحتاجون إلى مثل هذا السؤال، فقد أقروا أن الرب الذي يخلق ويدبر ذلك الكون هو الله، ولكن السؤال: إذا كنتم تعترفون بأن الرب هو الذي فعل ذلك فهل من إله يعبد مع هذا الرب سبحانه وتعالى؟! هل يستحق من لا يخلق أن يعبد مع من يخلقه؟!

    لذلك كان الاستفهام إنكاراً لأفعالهم وبعدهم عن الله سبحانه وإفكهم وافترائهم على الله الكذب، فقال: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، أي: هل هناك إله يستحق العبادة مع هذا الإله العظيم الذي خلق وفعل هذا كله؟ وإن كان المفترض أن يكون جوابهم: لا، ولكنهم يعبدون غير الله ويشركون معه سبحانه وحالهم يفيد ذلك؛ لذلك كرر عليهم في كل آية من الآيات بعد أن يذكر النعم هذا السؤال: هل إله غير الله يستحق أن يعبد، مع أن الله الذي فعل لكم ذلك، وغيره لم يفعلوا ذلك؟!

    لو أن إنساناً يقول: إن غير الله ممن لا يصنع ولا يخلق يستحق العبادة، فهذا لا يستحق أن يعيش في هذه الدنيا؛ لأنه لا عقل له ليفهم، فهو كالبهائم بل هو أضل سبيلاً.

    حكمة الجمع والإفراد في الآيات

    يقول الله سبحانه وتعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل:60]، (من السماء) أي: من السحاب الذي في السماء نزل الماء على الأرض، وقوله سبحانه: أَمَّنْ خَلَقَ [النمل:60]، أفرد فكان المعنى: من الذي خلق؟ الله سبحانه، وَأَنزَلَ لَكُمْ [النمل:60]، وأفرد هنا أيضاً، فالضمير في الفعلين عائد على مفرد: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا [النمل:60]، قوله: (فأنبتنا) أما هنا فعبر بنون الجمع، إذ أنه في الأشياء التي لا يدعيها الإنسان لا يحتاج إلى أن يذكر له ضمير الجمع والعظمة، فالإنسان مقر ومعترف.

    أما لو أن الإنسان يقول: أنا أفعل، فيقول الله سبحانه: نحن نفعل، فيعبر بنون العظمة حتى يعرف الإنسان حقارة نفسه، وأنه لا شيء، وقد يدعي الإنسان فيقول: أنا الذي آتي بالبذرة وأضعها في الأرض، وأصب عليها الماء، وأنا الذي أسمد الأرض وأرعى الحب، وأنا أراعي هذا إلى أن ينبت، فالله عز وجل يقول: فَأَنْبَتْنَا [النمل:60]، نحن الذين نفعل ذلك، ولست أنت الذي تقدر على ذلك.

    فنحن ألهمناك الصواب، وعلمناك كيف تصنع ذلك، وسواء بذرت أم لم تبذر فما شاءه الله عز وجل كان، أو فعلت أنت أو فعل غيرك، فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يخلق ويرزق، فعبر بنون الجمع هنا لبيان عظمته سبحانه وتعالى، وحقارة خلقه:فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60] والحديقة: البستان المحدق بحائط، أي: الذي عليه سور، وقوله سبحانه: ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60]، أي: ذات منظر حسن، إذ أن الإنسان حين ينظر إلى الحديقة تعجبه فيسر بمنظرها الجميل الذي جعله الله عز وجل للإنسان كما جعل فيها طعامه وشرابه، وجعله ينظر إليها فيبتهج بمنظرها، قال: حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60].

    القراءات الواردة في قوله وذات بهجة

    قوله سبحانه: ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60]، الجمهور إذا وقفوا على (ذات) ينطقون التاء، وهي مكتوبة: تاء مفتوحة، أما الكسائي فانفرد بأنه إذا وقف عليها يقول: (ذاه) بالهاء، فيقرؤها خلافاً للجمهور، أما في الوصل فينطقونها جميعهم بالتاء، إلا أن الكسائي إذا وقف على (بهجة) قرأها بالإمالة فيقول: (بَهجِه)، بالإمالة، أما الباقون فيقفون عليها.

    وقوله سبحانه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60]، هنا يؤكد الله الخالق العظيم عليهم، فقوله: فَأَنْبَتْنَا [النمل:60]، حين عبر بنون العظمة ونفى عنهم الإثبات، والمعنى: لستم أنتم الذين تفعلون ذلك، فأنتم تأخذون بالأسباب فقط، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر ويخلق ويفعل ذلك.

    ثم يردف قوله سبحانه: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60]، بسؤال فيقول: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، أي: هل هناك إله يستحق أن يعبد مع الله سبحانه الذي فعل ذلك؟!

    وهل آلهتكم فعلت ذلك فتستحق العبادة؟

    الجواب: لا.

    القراءات الواردة في قوله (أئله مع الله)

    وفي قوله سبحانه: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] قراءات، الأولى: قراءة الجمهور بالقطع كما هو الرسم في المصحف، ويقرؤها البعض بالمد والتسهيل، ومنهم قالون ، وأبو عمرو ويعقوب ، (آيله مع الله)، ويقرؤها ورش وابن كثير : ( أيله مع الله) بالتسهيل بغير مد.

    ويقرؤها هشام بوجهين، فيقرأ: (آئله مع الله)، بالمد فيها، ويقرأ كغيره من القراء: ( أئله مع الله)، فأصبح فيها أربعة أوجه: (آئله مع الله)، (أئله مع الله)، (أئله مع الله)، (آيله مع الله)، رد عليهم سبحانه وتعالى؛ لأن فعلهم يبين أنهم يعبدون غير الله، فقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60]، ويعدلون: من عدل أي: جعل مع الله عديلاً له سبحانه، كما يضع الإنسان العدل على الجمل، في إحدى الجهتين عدل وفي الأخرى عدل، فهم يعدلون مع الله، أي: يجعلون معه آلهة أخرى سبحانه، يساوونها به سبحانه وتعالى، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60]، والمعنى: يشركون.

    عظمة الله في الأرض

    ثم قال سبحانه: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا [النمل:61]، أي: من الذي جعل الأرض قراراً تستقرون فوقها، مع أنها تدور حول نفسها بسرعة عظيمة جداً في هذا الكون الواسع، وجعلكم لا تشعرون بسرعة سيرها؟

    معلوم أن الإنسان عندما يركب وسائل النقل من سيارات وغيرها، أو يركب شيئاً يتحرك عموماً إن لم يكن يمسك نفسه يقع منها، والأرض تتحرك بأسرع من ذلك بكثير، وهي تدور حول نفسها في الكون، ومع ذلك لا يقع الإنسان ولا يستشعر ذلك، فمن الذي جعلها قراراً لهذا الإنسان ليستقر فوقها؟!

    يقول سبحانه: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً [النمل:61]، أي: شق في جوفها أنهاراً تجري فأجراها، وجعل فيها الماء العذب، وجعل في محيطاتها الماء المالح، وكل ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى، من الذي صنع ذلك؟

    وجعل لهذه الأرض رواسي كما قال سبحانه: وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا [النمل:61]؛ يرى المتأمل فيها قدرة عظيمة لله الخالق سبحانه وتعالى، فالله جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها، أي: شق في جوف هذه الأرض، فجعل خلالها أي: بين خللها وشقوقها أنهاراً، وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ [النمل:61]، ترسيها وتثبتها، ومعلوم أن للأرض قشرة سطحية رقيقة، وتوجد سوائل في داخل الأرض منصهرة من المعادن المذابة، فلو تركت بلا جبال لاهتزت قشرة الأرض كالمركب أو السفينة فوق هذه السوائل، ولكن الله سبحانه جعل الجبال فيها كالوتد يثبت القشرة الأرضية في باطن الأرض فلا تهتز ولا تتحرك إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ [النمل:61] ، ترسيها فلا تميد بالناس: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا [النمل:61]، أي: البحر العذب والبحر المالح، فقد جعل الله بينهما حواجزاً من قدرته سبحانه وتعالى، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53].

    وسبق في سورة الفرقان أن الله سبحانه وتعالى جعل الأنهار تصب في البحار، فإذا صب النهر في البحر لم يختلط ماء البحر بالنهر، ولا ماء النهر بالبحر، لجعله برزخاً بين الاثنين في مصب النهر.

    قال سبحانه: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا [الفرقان:53]، من قدرة الله سبحانه فلا يطغى ملح البحر فيدخل في النهر فيفسده، ولا ماء النهر يدخل في البحر فيحليه، ولكن جعل بين الاثنين برزخاً بقدرته سبحانه وتعالى.

    قال: وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53] ، مانعاً ممنوعاً، فهذا لا يغير هذا، وهذا لا يغير هذا، حتى الكائنات الموجودة في البحر لا تختلط بكائنات النهر، فلا تذهب التي في النهر إلى البحر لتكون كائنات ملحية، والأخرى كذلك، بل من عجيب قدرة الله سبحانه: أن البرزخ بين الاثنين له كائنات مخصوصة، فقد وجد الباحثون أسماكاً في هذا البرزخ لو خرجت منه إلى غيره لماتت، قال سبحانه: (برزخاً)، فهذا البرزخ الواقع في المكان الوسط بين الاثنين حجر محجور أي: يحرم على هذا أن يغير هذا، وعلى هذا أن يغير هذا، ويحرم كذلك على الكائنات، فلا هذه تذهب إلى هذه ولا الأخرى تفعل ذلك، فهو حاجز من صنع الله سبحانه، ثم يستفهم: من الذي صنع ذلك؟ قال: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:61]، فهل هناك إله يستحق أن يعبد مع هذا الخالق العظيم الذي فعل لكم ذلك؟! أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النمل:61]، كما قال سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، أي: ما عرفوا أنه الرب الخالق، ولم يستيقنوا، وفرق بين من يعرف ومن يستيقن في قلبه فيعمل من أجل ذلك، فمعرفتهم تلك معرفة كالجاهلية؛ لذلك وصفهم أنهم جاهلون، وأنهم لا يعلمون.

    وسترى أن كل إنسان يدعي أنه يعرف الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه المعرفة هل تفيدك أو لا تفيدك؟ كإنسان يقول: أنا أعرف هذا المكان؛ لأنه قد سمع عن هذا المكان، ولكن لعله لو ذهب إليه لضاع فيه، وكأنه لم يعرف شيئاً.

    وكذا الإنسان الذي يقول: إن الله خلقني وأنا أعرفه، فيقال له: أنت حين عرفته ما الذي صنعته؟ هل عبدته أم عبدت غيره؟ هل خفت منه سبحانه؟ هل جهزت نفسك ليوم تلقاه فيه سبحانه؟ فيسألك ويحاسبك، فستجد أن الجواب: لا فهذه المعرفة لا تنفعه مطلقاً؛ فكأنه لم يعرف شيئاً، إذ لو عرف الله لقدره حق قدره، قال سبحانه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:75]، يعني: بل أكثر هؤلاء الناس لا يعلمون شيئاً عن قدرته سبحانه، فالمعرفة التي تنفع صاحبها هي المعرفة التي ينبني عليها العمل، كمن يعرف الله فيصلي له سبحانه، ويخاف منه سبحانه فيتقرب إليه، ويطيع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر وفيما نهى، فهنا يقال: إنه عرف الله وقدر الله حق قدره.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يقدرون الله حق قدره.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.