إسلام ويب

تفسير سورة النمل [59 - 60]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنعم الله عز وجل على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، تحار فيها العقول والألباب، ومن نعمه سبحانه وتعالى أن سخر لهم هذا الكون بما فيه من خلق السماوات والأرض وما فيهن من آيات بينات تدل على خالقها سبحانه، ومع ذلك فقد أبى المشركون إلا عبادة غيره سبحانه وتعالى، وهذه الآيات فيها مناقشة مفحمة وملجمة لهم، بما فيها من دلائل حياتية تقنع من له أدنى مسكة من عقل.

    1.   

    نعم الله على عباده

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة النمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:59-64].

    في هذه الآيات العظيمة الكريمة الجليلة من هذه السورة سورة النمل يذكر الله سبحانه وتعالى آيات من آيات قدرته سبحانه وتعالى، ويبين لنا عظيم ما فعله بعباده سبحانه، فهو القدير، وهو العليم، وهو الرءوف الرحيم سبحانه، فيرينا هذا الذي يصنعه من هذه الأفعال العظيمة، والتي تدل على كرمه وقدرته، وإكرامه لعباده، فهل الذي يصنع ذلك هو الله الذي يستحق العبادة، أم هو إله غيره يصنع ذلك فيستحق أن يعبد مع الله سبحانه وتعالى؟!

    والجواب عن كل سؤال من هذه الأسئلة: أن الذي يصنع ذلك هو الله وحده لا شريك له، وليس أحد غيره يقدر على ذلك.

    فإذاً: لا يستحق أن يعبد إلا الإله الخالق وحده لا شريك له.

    المناسبة بين قوله تعالى ( قل الحمد لله ... ) والآيات السابقة

    قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:59]، وهنا مناسبة عظيمة جميلة بين هذه الآية وبين ما قبلها، فقد ذكر لنا سبحانه وتعالى أربع قصص في هذه السورة، فذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنجى الله موسى، وكيف أهلك فرعون.

    ثم ذكر قصة ثانية، وهي قصة سليمان عليه الصلاة والسلام، وكيف أن الهدهد دله على أن هناك ملكة تعبد الشمس من دون الله سبحانه، وقد ولاها القوم، وقلدوها في عبادة غير الله سبحانه وتعالى.

    ومع أن سليمان النبي عليه الصلاة والسلام قد جعله الله ملكاً، فإنه مع ملكه العظيم لم يطلع على شيء، وهو قريب منهم، فقد كان في الشام وهي في اليمن، ومع ذلك لم يعرف شيئاً مع كثرة جنوده من الإنس والجن والطير، ومع ما عنده من تسخير للرياح وغيرها، إلا أنه لم يطلع على ذلك، ولم يعرف أن هؤلاء الأقوام يسجدون للشمس من دون الله.

    فلما عرف ذلك بعد أن عرفه الهدهد إذا به يرسل إليهم من يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ويهددهم بما أعطاه الله عز وجل من قوة، فإما أن يأتوا إليه مسلمين، وإما أن يخرجهم من أرضهم أذلة وهم صاغرون، وإذا بالله سبحانه وتعالى ينصر سليمان عليه الصلاة والسلام، وتستجيب الملكة وتؤمن بالله في النهاية؛ فأخرجهم الله سبحانه من ظلمات ظلمهم، ومن ظلمات شركهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

    ثم ذكر لنا قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، وكيف أنهم عتوا وتكبروا وتجبروا وأفسدوا في الأرض، فدعاهم نبيهم إلى عبادة الله وحده، فأبوا إلا التكذيب والإعراض؛ فأهلكهم الله سبحانه بما شاء من صيحة وريح أرسلها عليهم، فأهلكهم جميعهم وجعلهم خامدين، فكانت آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى.

    ثم ذكر لنا قصة أخيرة وهي قصة لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع قومه أهل سدوم الذين أشركوا بالله سبحانه، ووقعوا في الفاحشة، وهي إتيان الذكران من العالمين بدلاً من أن يتزوجوا النساء، فدعاهم نبيهم إلى توحيد الله سبحانه، وإلى ترك ما هم فيه والتوبة إلى الله، فأبوا إلا أن يطردوه ويخرجوه، فأخرجه الله سبحانه تبارك وتعالى من بين أظهرهم، وأهلكهم سبحانه بعذاب من نار جهنم، فأرسل عليهم حجارة من سجيل كالمطر؛ فأخذهم سبحانه وجعلهم آية.

    ففي هذه القصص الأربع التي ساقها الله سبحانه يبين لنا كيف أنه ينجي المؤمنين، وكيف ينصرهم سبحانه، وكيف يهلك الظالمين، فلا يسعك وأنت تسمع ذلك إلا أن تقول: الحمد لله.

    فقد ذكر الأنبياء والمرسلين وبين أنهم دعوا إلى الله سبحانه، وأنهم أهينوا، وأنهم أوذوا في الله سبحانه وتعالى، فإذا بالله ينصرهم، فلا يسعك إلا أن تقول: الحمد لله رب العالمين! فأمرك الله عز وجل بها: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:59]، فقال هذا لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقولها ولا شك، فمن باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة)؛ ولأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر لمن تبع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمر عباده أن يحمدوا الله إذا قرءوا كتابه العظيم، حيث أنه أرشدهم إلى أن يطلعوا على ذلك، وهداهم إلى هذا الدين العظيم، وجعلهم مسلمين، وجعلهم يتعظون بمصير هؤلاء فلا يقلدونهم، ولا يكونون من الظالمين أمثالهم، وبأنه جعلهم يتأسون بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في صبرهم، وفي حكمتهم، وفي دعوتهم أقوامهم إلى الله سبحانه وتعالى، فيقولون: الحمد لله، ويصلون ويسلمون على أنبياء الله ورسله، بأمر الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى ...)

    قوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:59]، أي: احمدوا الله سبحانه، وصلوا وسلموا على أنبيائه ورسله الذين اصطفاهم واختارهم واجتباهم ورفعهم فوق غيرهم، وجعلهم يدعون إليه وحده لا شريك له.

    فهي آية عظيمة، وختام جميل لهذه القصص التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

    ولما ذكر لنا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد دعوا أقوامهم إلى التوحيد، فإنه يدلنا على أنه يستحق العبادة؛ لأنه وحده لا شريك له وكل إنسان مؤمن يعرف ذلك، ولكن الكافر يحتاج إلى أن يبين له حتى يرجع إلى عقله، ويعود إلى صوابه، ويبين له بما قاله الله سبحانه وتعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59]، فهذا الكافر الذي يشرك بالله يعترف بأنه الخالق ثم يعبد غيره سبحانه وتعالى، أو ينكر ألوهية الله سبحانه وتعالى، فيقول له سبحانه: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59]، أي: هل الله سبحانه خير أم هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى؟! فهناك خير وهناك شر، فإذا تبصر الإنسان علم أن الخير كله عند الله، فالله خير، وما يشركون به من دون الله لا ينفعون أنفسهم فضلاً عن غيرهم، ولا يملكون أن يدفعوا ضراً عن أنفسهم ولا عن غيرهم، فهم شر لأنفسهم ولغيرهم فكيف يعبدونهم من دون الله؟! وكل إنسان له عقل سليم يقول: الله سبحانه خير، وهؤلاء كلهم شر، لا ينفعون ولا ينتفعون.

    وقوله تعالى: أَاللَّهُ خَيْرٌ ، عند جميع القراء يجوز أن تمد مداً طويلاً: آلله خير، ويجوز أن تسهل الهمزة الثانية فتقول: أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، ولا يجوز فيها أن تقرأ بهمزة ثانية عند أي أحد من القراء، فلا يجوز أن تقول: أألله خير.

    وقوله تعالى: أَمَّا يُشْرِكُونَ ، هذه قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم ، وقرأ السبعة الباقون: ( أما تشركون )، بالخطاب.

    حسن الافتتاح في الخطب والمواعظ

    وقد علمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حسن الافتتاح، أي: أن تفتتح كلامك بحمد الله سبحانه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه بحمد الله سبحانه، سواء كانت خطبة للعيد أو للجمعة أو غيرها، حتى في خطبة النكاح كان يبدأ بحمد الله سبحانه وتعالى.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: فيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، بذكر الله سبحانه، والصلاة والسلام على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.

    يقول هنا: وفيه الاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، يعني: أن الإنسان عندما يريد الكلام في موضوع ويدخل فيه من غير ذكر الله سبحانه وتعالى، فإن هذا يكون قبيحاً، فما ذكر الله في شيء إلا وكان فيه البركة، وما ذكر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فصلي وسلم عليهم إلا كان فيه الخير والبركة.

    وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مجلس لا يذكر فيه الله ولا يصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان على أصحابه ترة يوم القيامة) .

    وذكر: (ما من قوم يجلسون مجلساً فلا يذكرون الله ولا يصلون على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلا قاموا عن مثل جيفة حمار) .

    فمن الأدب: أنه إذا بدأ الإنسان في مجلسه أو درسه أو حديثه أو خطبته فليبدأ بذكر الله سبحانه، وبالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وفيه الاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، والإصغاء إلى من يتكلم، وإنزال ذلك في قلوبهم المنزلة التي يبتغيها المستمع إذا حدثهم، فبدأ بذكر الله سبحانه.

    قال: ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله، وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون - يعني: الكُتَّاب - فجروا عليه في أوائل كتبهم.

    فهذا هو الأدب: أن يبدأ الإنسان -سواء كتب كتاباً أو كتب صحيفة- بذكر الله عز وجل في الخطبة وغيرها، فليبدأ بذكر الله كما قال هنا: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:59] .

    عظمة الله وقربه من عباده

    قال تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59] قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم : أما يشركون، على الغيب.

    وقرأ باقي القراء على الخطاب: أَمَّا تُشْرِكُونَ ، فكأنه يوجه الخطاب للمشركين أن يتفكروا: آلله صاحب النعم العظيمة أحق بالعبادة أم هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر والتي تعبدونها؟ وهل إله مع الله يفعل ذلك؟!

    وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله! إلام تدعو؟ فهذا رجل كان كعادة الأعراب فيه جفاء، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان لابساً ثوباً يجره، فقال: (إلام تدعو؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت عليك) .

    فبين له من الذي يدعو إليه، أي: أدعو إلى الله صاحب النعم العظيمة الذي أنعم عليك، والذي تدعوه متوسلاً إليه سبحانه حين تقع أو تنزل بك مصيبة من المصائب.

    وقوله: (إن مسك ضر فدعوته كشف عنك)، وهو سبحانه يفعل ذلك بالمسلمين والكافرين، فالذي يصاب بالضر من مسلم أو كافر ويجأر إلى الله قائلاً: يا رب! فإن الله عز وجل يعطيه ويفرج عنه بفضله وكرمه سبحانه.

    قال: (والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته فرد عليك)، أي: إذا ضاع منك جملك، أو ضاعت منك ماشيتك في صحراء فدعوت ربك رد عليك ذلك، فهذا الإله العظيم هو الذي أدعو إليه.

    قال: (والذي إن أصابتك سنة)، والمعنى: إن أصابتك سنة شديدة فيها قحط ومجاعة وشدة، فيعبر عن شدة الزمان والوقت بالسنة.

    قال: (دعوته أنبت عليك)، أي: إن كان هناك جدب ولا يوجد مطر فدعوت الله أنزل عليك المطر، فأنبت لك فأكلت، فهذا الإله هو الذي أدعو إليه، فسلم الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (قلت: أوصني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبن أحداً، ولا تزهدن في المعروف ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك).

    فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم بألا يشتم أو يسب أحداً، ولا يزهد في معروف، مهما كان هذا المعروف قليلاً؛ لأنه ينفعه يوم القيامة، وأقل المعروف: أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، يعني: تلقى أخاك وأنت غير مكشر.

    قال: (ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي(. يعني: أن من أقل المعروف: أنه إذا طلب أحد منك قليل ماءٍ فأفرغ له.

    قال: (ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، واتزر إلى نصف الساق)؛ وذلك لما رأى أنه يجد إزار على الأرض، فقال له: ارفع إزارك إلى نصف الساق، يعني: ما بين الركبة والكعب وليس كل الناس يفعل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإن أبيت فإلى الكعبين)، أي: إن لم تحب ذلك ولم ترده فأنزله إلى العظم الذي في آخر الساق، ولا تزد على ذلك.

    ثم قال: (وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة)، أي: إن الإنسان المعجب بنفسه هو الذي يفعل ذلك، حتى وإن قال: إنه لا يفعله خيلاء، يقول: فعلك ذلك دليل على أنك من أهل الخيلاء.

    ثم قال: (وإن الله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة).

    1.   

    تذكير الله لعباده بخلق السماوات والأرض وما فيهما من نعم

    يقول الله سبحانه وتعالى هنا: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا [النمل:60]، يذكر الله سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بما في السماوات من نجوم وأقمار ومجرات، فهي آيات عظيمة.

    وأنزل من السماء ماء شربتم منه وادخرتموه، حتى وإن لم تدخروه فإن الله قد جعل له أماكن في الأرض يخزن فيها، فتنتفعون به وتشربونه.

    ثم أنبت لكم به الحدائق العظيمة، فقال: فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [النمل:60]، والحديقة: البستان الذي يحدق به الحائط، يعني: البستان المسور؛ ولهذا يسمى بالحديقة، وأما إذا كان من غير سور ولا حائط فيسمى: بستاناً، أو يسمى: حائطاً إذا كان عليه حائط، وقد وصف الحديقة هنا بأنها: ذات بهجة، أي: تبهجك وتسرك إذا نظرت إليها، والبهجة: المنظر الحسن الذي يريح الناظر، فيتمتع ويتفكه بما فيها، فيفرح بها ويسر، ومن الذي صنع لكم ذلك وأنتم: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60]؟! فإن الإنسان لا يقدر أن يأخذ نواة ويضعها في الأرض وينبتها، بل إنه ينتظر فضل الله سبحانه أن ينزل الماء من السماء، وأن يأمرها أن تنبت بفضل الله وبرحمته، فكم من نواة يلقيها الإنسان ولا تنبت شيئاً! وكم من نواه يلقيها الإنسان لا يلقي لها بالاً وينبتها الله عز وجل بغير إرادة من أحد! فإن الله على كل شيء قدير، فمن الذي صنع ذلك؟ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60]؟!

    والجواب: إنه لا إله غير الله يستحق أن يعبد مع الله سبحانه، فالله هو الذي صنع ذلك، وهو الذي يستحق العبادة، ولكن هؤلاء قوم يعدلون، فكأنهم جعلوا الله معادلاً، وجعلوا له شريكاً، فهم قوم يشركون بالله.

    نسأل الله عز وجل أن يحيينا على التوحيد، وأن يتوفانا عليه، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.