إسلام ويب

تفسير سورة النمل [54 - 59]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قص الله عز وجل في كتابه الكريم قصص الأنبياء مع أقوامهم، ودعوتهم لهم، وكيف أنهم أوذوا وطوردوا صلوات الله وسلامه عليهم، فلم يهنوا ولم يتراجعوا، بل صبروا وثبتوا حتى أتاهم نصر الله. ولقد أكثر الله عز وجل من هذه القصص ليتدبرها المؤمن، ويستلهم منها الأسوة والقدوة والنموذج الذي يحتذي به في الدعوة، وقد حث الله عز وجل على ذكر القصص لما لها من قوة في شحذ الهمم، وتوجيه الإرادة، وهنا يقص الله عز وجل قصة لوط عليه السلام، وكيف دعا قومه، وصبر على أذاهم، وكيف آذوه حتى نصره الله عز وجل عليهم، وأهلك قومه.

    1.   

    قصة لوط عليه السلام مع قومه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة النمل: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [النمل:54-58].

    هذه هي القصة الرابعة في هذه السورة الكريمة سورة النمل، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها باختصار قصة لوط على نبينا الصلاة والسلام مع قومه إشارة، فقال تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، فلوط أرسله الله عز وجل إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى: أنه أتى قومه ودعاهم إلى عبادة الله، وذكرهم به، وذكرهم أنهم يقعون في الفاحشة التي لم يسبقوا بها قبل ذلك قط، ولم تكن تعرف هذه الفاحشة قبل هؤلاء الملاعين، لعنة الله عليهم، فقال لهم هنا: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، وذكر الله عز وجل في سورة الشعراء أنه جاءهم يدعوهم إلى الله سبحانه، وأن يعبدوا الله ويتقوه سبحانه، وقال لقومه عن هذه الفاحشة إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف:81]، أي: يأتون الرجال ويتركون النساء، فذكر أنهم قوم يجهلون، وأنهم قوم يفتنون، وأنهم يفعلون ذلك وهم يبصرون، فقال تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ [النمل:54]، الهمزة للاستفهام والإنكار على هؤلاء، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [النمل:54]، الفعلة القبيحة والشنيعة والعظيمة أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، وكان لوط عليه الصلاة والسلام، وهو ابن أخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد هاجر من العراق إلى الشام، فسكن إبراهيم في الشام، وتوجه لوط إلى قرية من قراها وهي سدوم في فلسطين؛ ليدعو الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، فوجدهم يأتون الفاحشة مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى، فقال لهم: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، يعني: طريق الحق، أي: وأنتم تعرفون الحق من الباطل، وتعرفون أن هذا ليس محل النسل وليس محل الولد، وإنما تفعلون ذلك مكابرين مجاهرين بمعصيتكم لربكم، وأنتم تعلمون ذلك يقيناً؛ لأن الإنسان الذي يعلم قد يعلم مشاهدة، وقد يعلم غيباً، وهو لما قال لهم: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، يعني: تعلمون يقيناً كما أنكم ترون بأعينكم، فتعرفون أن هذا حرام، وتعرفون أن هذه فعلة شنيعة قبيحة لا يحل لكم أن تأتوها، قال: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل:54]، أنها فاحشة، وأنها من أعظم ذنوبكم.

    1.   

    جرائم قوم لوط عليه السلام

    قال تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ [النمل:55]، الهمزة للاستنكار والاستفهام، يقول: أتفعلون ذلك الفعل القبيح الشنيع، فتأتون الرجال دون النساء؟! وقوله: أَئِنَّكُمْ [النمل:55]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر وأبو عمرو : (آئِنكم) بالمد فيها، وقرأها ورش وابن كثير ورويس عن يعقوب أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ [النمل:55]، بهمز ثم تسهيل بعدها.

    وقرأها هشام بالوجهين، (آئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)، وأَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ [النمل:55]، وهذه الأخيرة قراءة الجمهور. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً [النمل:55]، أي: تضعون شهوتكم في رجال مثلكم دون النساء اللاتي خلقهن الله عز وجل من أجلكم، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]، فهو قد دعاهم إلى الله عز وجل وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تكن هذه المعصية هي معصيتهم الوحيدة، ولكنها كانت أشنعها، فذكرهم بها، ومنعهم منها، ونهاهم عنها.

    ولم يكونوا يكتفون بفعل هذه الفاحشة مع أهل بلدهم، ولكن كانوا ينتظرون الغرباء أن يأتوا، فيستولون عليهم ويفعلون معهم هذه الفاحشة، لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، فقال لهم: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]. أي: أهل جهل، كما يقال عن إنسان: فلان جاهل، يعني: أخلاقه سيئة، أي: فحشت أخلاقه، وكذلك هؤلاء، فعندما قال لهم: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]، فإن الجهالة بمعنى: الفحش، وبمعنى: الوقوع في السيئات من الأعمال، وإلا فهم يعرفون أنها حرام؛ ولذلك ذكر الله عز وجل أن من صفات عباد الرحمن: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، فالمؤمنون عباد الرحمن إذا مروا بجاهل ابتعدوا عنه، فإذا خاطبهم الجاهلون بلسان الأذى ردوا عليهم: سلاماً، أي: مسالمة ومتاركة بيننا وبينكم، فما لكم عندنا من شيء، فيتركونهم ولا يجيبونهم بمثل فحشهم وجهلهم وصخبهم واعتدائهم، وإنما يقولون: سَلامًا.

    إذاً: فهنا الجهل الذي هم فيه ليس هو عدم المعرفة، فهم يعرفون أنها حرام، ولكنها عدم معرفة من نوع آخر، وهو عدم معرفة الله سبحانه وتعالى، وعدم تقدير الله حق قدره كما قال الله سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، أي: أنهم عرفوا الله ولكن لم يعبدوه سبحانه حق العبادة، ولم يخافوا منه سبحانه وتعالى الخوف الحقيقي الذي يبعدهم عن معصيته سبحانه، وهذا من الجهل، وذلك مثل بني إسرائيل عندما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، فـتَجْهَلُونَ هنا ليس معناها: لم تعرفوا ربكم؛ فهم عرفوا ربهم، وهم يدعونه. ولكن وصل الأمر بهم إلى أنهم لم يقدروا الله حق قدره، فأرادوا شيئاً مجسداً أمامهم حتى يعبدوه من دون الله سبحانه.

    إذاً: فقوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]، من جنس هذه الجهالة، أي: أنهم لم يقدروا الله حق قدره سبحانه وتعالى، ففعلوا هذه الفاحشة، وجهلوا ما وراء ذلك من عقوبة، أو تناسوا هذه العقوبة، فكأنهم كالجاهلين بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55].

    تآمر قوم لوط على نبيهم لوط عليه السلام

    ثم قال تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ [النمل:56]، أي: ما كان جواب هؤلاء الكفار الواقعين في هذه الفاحشة العظيمة إلا أن قالوا، وكأن هذا الذي قالوه هو جواب واحد فقط، وهو الجواب الذي ظل على لسانهم قالوا: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، أي: أخرجوهم واطردوهم من البلد، فهذا هو الجواب الوحيد الذي ردوا به على لوط، وعلى من دعاهم إلى توحيد الله سبحانه، وإلى البعد عن هذه الفاحشة، وهو أن يطردوه خارج قريتهم، قال: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، وكأنهم يظنون أنهم بطردهم للوط عليه الصلاة والسلام سيخلو لهم الجو، وسيبقى لهم الأمر يفعلون ما يشاءون ولا يعاقبون، وهنا تأتي العقوبة من حيث لا يحتسبون، ومن حيث يظنون أنهم في مأمن.

    انقلاب الموازين عند قوم لوط وأشباههم

    قالوا: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ [النمل:56]، وإن هنا: تعليلية، فكأن المعنى: بسبب أنهم ينهونكم عن المنكر، إِنَّهُمْ [النمل:56]، أي: لأنهم أناس يتطهرون، فإذاً: الجريمة التي فعلها لوط بزعمهم هي: أنه يتطهر عن هذه الفاحشة، وهنا كنظر الكثير من أهل الكفر والكثير من العصاة إلى الموحدين وإلى أهل الطاعة على أنهم على خطأ، فينظرون إلى الإنسان المتدين على أنه متزمت، ويقولون عن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه ويتبع الكتاب والسنة: أصولي، مع أنها كلمة جيدة طيبة وليست سباً له؛ لأن كلمة أصول تعني: أنه يرجع إلى أصله من الكتاب ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء بغبائهم وجهلهم يزعمون أن هذا الإنسان هو صاحب الأشياء القديمة من الزمان، ويتناسون ويتغافلون أن هذه الأشياء القديمة ما هي إلا الكتاب والسنة، كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ينفروا الناس عن هؤلاء ويقولون: هذا إنسان أصولي، وهذا إنسان رجعي، ويريد أن يرجعكم إلى القرون الوسطى. والكتاب والسنة ليسا من القرون الوسطى، وإنما كان في القرون الوسطى محاكم التفتيش، التي كانت في أوروبا، والتي كانت تحاسب الناس على ما في ضمائرهم، ولو لم تبدو هذه الأشياء، فالعصاة يقلدون هؤلاء؛ لأنهم استوردوا منهم ذلك، فيقولون عن المسلمين المتمسكين بدينهم: إنهم يريدون أن يرجعوا إلى قرون الظلام، وقد أنزل الله إلينا نوراً من عنده سبحانه وتعالى.

    مجيء الملائكة إلى لوط عليه السلام

    التشبه بالكفار عادة الكفار في كل زمان، فقوم لوط قالوا عن لوط ومن معه: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، ولم يكن مع لوط إلا ابنتاه، أما امرأته فكانت كافرة، وكانت تدل هؤلاء القوم على أضياف لوط عليه السلام، قال تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ [النمل:56]، يعني: بسبب إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، أي: يتطهرون عما نحن فيه، وصاحب المعصية لا يحب أن ينظر إليه صاحب الطاعة في وقت معصيته، وإنما يريد إبعاده، كهؤلاء يريدون أن يطردوا لوطاً، مع أن وجود لوط في قريتهم كان رحمة من رب العالمين سبحانه بهم، فلم ينزل عليهم العذاب ولوط موجود بينهم، فأرادوا طرده، وفعل الله سبحانه وتعالى لهم ما أرادوا من إخراجه، فليسوا هم من أخرجه، وإنما أخرجه ربه سبحانه وتعالى؛ حتى يكون أصحاب هذه القرية كلهم عصاة، فتنزل العقوبة على الجميع من السماء.

    ففتنهم الله عز وجل فتنة عجيبة، وذلك بأن أرسل ملائكة في صورة شباب حسان الوجوه؛ ليفتن بهم هؤلاء القوم، وكانوا ثلاثة فمروا على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما علم أنهم ملائكة جادلهم قائلاً: أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن؟ قالوا: لا، فما زال ينزل معهم إلى أن قال: أتهلكون قرية فيها مؤمن واحد؟ قالوا: ل،. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [العنكبوت:32]، فلما أتوا إلى لوط نظر إليهم وقال: هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود:77]، أي: ماذا سأعمل لهم وأنا وحدي، وليس معي جيش يدافع عني، وليس معي إلا بنتان؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فكأنه نسي ذلك، أو كأنه يقصد جيشاً من البشر المؤمنين؛ ليجاهد بهم هؤلاء القوم.

    مدافعة لوط لقومه دفاعاً عن أضيافه

    ثم إن لوطاً لما آوى عنده الملائكة رآهم شباباً ولم يعرف أنهم ملائكة، فخرجت امرأته إلى القوم وخانت، فذهبت إليهم وقالت: إن شباناً حساناً مع لوط في البيت، فجاءه قومه يهرعون ويتدافعون ويركضون نحو بيت لوط عليه الصلاة والسلام، فلما وصلوا إلى بيته أرادوا دفع الباب حتى يدخلوا عليه، وقالوا: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70]، أي: أولسنا نهيناك أن تنزل عندك أحداً من غير أن تقول لنا؟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70]، قال: هَؤُلاءِ بَنَاتِي [هود:78] يعني: بنات القوم؛ لأن كل نبي أب لقومه، فقال: هَؤُلاءِ بَنَاتِي ، يعني: النساء اللاتي عندكم. هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78]، أي: مما تقعون فيه من هذه الفاحشة المنكرة.

    فلما أبوا إلا الدخول عليه قال من غضبه ومن ضعفه في هذه الحالة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، فلما ضاق به الأمر أظهر له الملائكة أنفسهم بأنهم رسل الله، فلا داعي للخوف من هؤلاء، فقالوا: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81]، أي: هم يطرقون عليك الباب من أجل أن يدخلوا، دعهم يدخلون، فلما فتح الباب ألقوا في وجوههم شيئاً، فعميت أبصارهم، فرجعوا متقهقرين وهم يتوعدون لوطاً. ولو كان عندهم عقل، أو شيء من البصر لعلموا أن هذا مؤيد من ربه، ولآمنوا وانتهوا، ولكن أبوا إلا أن يتوعدوا لوطاً بأنهم سيرجعون له مرة ثانية، فلما خرجوا خاف لوط عليه الصلاة والسلام، فطلبت منه الملائكة أن يخرج، فكأنه تعجل الانتقام من هؤلاء، فقالوا: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81]، أي: نحن الآن بالليل، وفي الصبح سيأتي عذابهم، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81]. وأمروه بالخروج هو وأهله، إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود:81]، والمعنى: أنها لا تخرج معك، أو ستخرج معك، ثم سترجع للعذاب مع قومها.

    عذاب قوم لوط عليه السلام

    فلما خرج لوط عليه الصلاة والسلام ومن معه قال الله سبحانه وتعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [النمل:57]، والله سبحانه إذا قدر شيئاً فلا بد أن يكون هذا الشيء كما قدر، والتقدير عند الإنسان أو عند الناس بمعنى: القياس الدقيق للشيء، فعندما يريد أن يفصل قماشاً فإنه يقيسه بالسنتيمتر، ويرسم على المقاس، ويقص عليه، فإذاً: التقدير هنا: من قدر، أي: قاس وأتى على الوجه الذي قدره، والله سبحانه وتعالى قدر الشيء وقضى أن يكون هكذا، فإنه يقع ما شاءه وأراده سبحانه وتعالى، فقال سبحانه عن امرأة لوط: قَدَّرْنَاهَا [النمل:57]، أي: جعلنا قدرها أن تكون مع الغابرين، أي: مع الباقين في عذاب رب العالمين.

    وقدَّرناها هذه قراءة الجمهور، وقرأها شعبة عن عاصم : قَدَرْنَاها من الغابرين، فخرج لوط ومعه ابنتاه وامرأته، وخدرت الملائكة لوطاً: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود:81]، أي: أنها هي التي ستلتفت، فالتفتت فرأت العذاب ينزل من السماء، فصرخت على قومها، فأتاها عذابها من عند ربها، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83]، أي: حجارة من نار نزلت على هؤلاء فأهلكهم الله سبحانه، مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود:82] إلى قال: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]، يعني: لا أحد سينجو من عذاب الله سبحانه، فإن هؤلاء ظلموا فجاءهم العذاب، ومن يظلم بعد ذلك فليس عذاب الله سبحانه بعيداً منه، قال: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا [الأعراف:84]، أي: نزلت عليهم حجارة من نار جهنم كالمطر من السماء، وكان كل إنسان تأتيه حجارته فيهلكه الله سبحانه، كما قال تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173]، أي: بئس مطر المنذرين، فكان المطر بئيساً سيئاً على هؤلاء الذين أنذروا فلم يعتبروا، وذكروا فلم يتذكروا، فأهلكهم الله، ثم عقب ذلك بقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل:59]، أي: احمد ربك سبحانه على أن أهلك الظالمين، ومكن للمؤمنين.

    نسأل الله عز وجل أن يهلك الظالمين، وأن يمكن للمؤمنين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.