إسلام ويب

تفسير سورة النمل [45 - 49]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أرسل الله من نبي إلا وأمره بإرشاد قومه إلى عبادة الله وحده ونبذ ما سواه، وما قام نبي من أنبيائه جل وعلا بهذه المهمة إلا وكان الناس معه على طائفتين: طائفة آمنت وصدقت وناصرت نبيها، فنالت من ربها الخير والرضوان، وطائفة عتت وتجبرت، وكفرت وحاربت، فجوزيت بالنيران جزاء وفاقاً، وما كان ربك بظلام للعبيد.

    1.   

    فوائد تكرار القصة في أكثر من موضع

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النمل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [النمل:45-49].

    هذه قصة يذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النمل بعد أن ذكر قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في أول هذه السورة، ثم قصة سليمان مع ملكة اليمن بلقيس ، ثم ذكر قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وهذه القصة تكررت في القرآن في مواطن مع غيرها من القصص، وإن كانت هنا أفردت بالذكر عن غيرها مما يذكر معها عادة، كقصة لو مع قومه مثلاً، وقصة عاد مع نبيهم هود عليه السلام، فذكر هنا قصة ثمود فقط، ثم ذكر بعدها قصة قوم لوط.

    وقصة ثمود تكررت إما مطولة كما يذكر الله عز وجل في سورتي الأعراف وهود وغيرهما، أو أنها كهذه السورة وسط، وفيها شيء لم يذكر في غيرها من السور، أو يختصرها كما يشير إليها في سورة القمر مثلاً أو في سورة الحاقة. فهنا في هذه السورة يذكر جزءاً زائداً على ما في غيرها من قصص القرآن وهو قوله سبحانه: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل:48]، حيث يريد أن يرينا سبحانه وتعالى عاقبة المفسدين، وكيف أن الإنسان المفسد يحيق به مكره، كما قال تعالى: ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، والإنسان الذي يتعزز ويتقوى بنفسه ورهطه، وبمكره وكيده وقوته، يأتيه الله عز وجل من حيث لا يحتسب، فإذا ظن أنه قد أمن أتاه مكر الله وعذابه سبحانه، وحيث يظن أنه قوي أتاه من قوة الله ما لا طاقة له بها، فعلى الإنسان أن يحترز من أن يستضعف إنساناً مؤمناً، أو يفعل بقوته ومكره شيئاً يغضب الله سبحانه، أو أن يكله إلى نفسه سبحانه وتعالى.

    وقوم ثمود كانوا بين الحجاز والشام، في منطقة تسمى حجر ثمود، يمر بهم الذاهبون إلى بلاد الشام حال كونهم خارجين من الحجاز، ولقد أرسل الله إليهم نبيهم صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حيث قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45]، فدعاهم إلى الله سبحانه، وتقدم في سورة الشعراء كيف أنه قال لهم: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء:146-152].

    فكان الجواب من هؤلاء الكفار لنبيهم أن قالوا له: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:153]، يعني: فإما إنك بشر مثلنا، لك صدر ورئة مثلنا، أو أنك رجل مسحور لا تدري ما تقول، فالله عز وجل ذكر هناك شيئاً، وذكر هنا شيئاً آخر، والقصة واحدة، ولكن أسلوب القرآن البديع أنه إذا كرر القصة في مواطن أتى بشيء جديد في كل موضع من المواضع؛ لأجل أن يشدك إلى سماع هذه القصة التي يسوقها ربنا سبحانه.

    1.   

    دعوة نبي الله صالح لقومه وشفقته عليهم

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا [النمل:45]، النون نون العظمة هنا، والرسول ما جاء إلا من عند الله الواحد سبحانه، لكنه عبر بنون الجمع؛ ليدل على عظمة رب العالمين سبحانه، وفيه إشارة إلى أن الرسول ليس وحده، بل معه قوة رب العالمين سبحانه، يؤيده بملائكة وجند من عنده، والناس استضعفوه عليه الصلاة والسلام، وظنوا أنه ضعيف فأرادوا أن يكيدوا له، فانظروا كيف صنع بهم ربنا.

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النمل:45]، أي: يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، و(أن) هنا: تفسيرية للفعل أرسلناه، وكأن المعنى: أرسلناه بأن اعْبُدُوا اللَّهَ [النمل:45].

    و(أن) أكثر من قراءة، حيث يقرؤها أبو عمرو ويعقوب وحمزة وعاصم بالكسر، وباقي القراء يقرءونها بالضم (أنُ اعبدوا الله).

    فالنتيجة: إذا هم فريقان يختصمون، فريق المؤمنين وهم الأقل حيث كانوا أربعة آلاف، أما الكفار فكانوا كثيرين جداً، ولذلك قال الله تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف:75]، فإذاً الناس فريقان: فريق المستكبرين وهم الكفار، وفريق المستضعفين وهم من الكفار ومن المؤمنين، فالذين آمنوا هم الضعفاء وليسوا الأقوياء، فهؤلاء القلة المؤمنة قال لهم الكفار: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ [الأعراف:75]، قال هؤلاء المؤمنون: إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف:75-76]، يعني: أنتم آمنتم بهذا الرسول وآمنتم بربه، أما نحن فنكفر بما قلتموه.

    وهنا يقول الله سبحانه: فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45]، أي: فريق المؤمنين وهم الأقل، وفريق الكفار الذين يجادلون بالباطل، والذين يملكون أسباب القوة في الظاهر، وقوله: يَخْتَصِمُونَ [النمل:45]، أي: يتجادلون، فالكفار يقولون: أنتم تؤمنون بهذا؟ والمؤمنون يقولون: آمنا به إنه الحق من ربنا.

    قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ [النمل:46]، والقائل هنا: هو النبي صالح عليه الصلاة والسلام، وفي قوله: يَا قَوْمِ شيء من تليين القلوب، يعني: أنا منكم وأدعوكم للخير، قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ [النمل:46]، ولم: للاستفهام، وليست موضع وقف، لكن إذا وقف عليها جمهور القراء يقولون: لم، وإذا وقف عليها البزي ، وابن كثير ويعقوب قالوا: لمه، استفهامية بهاء، وقوله: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ [النمل:46]، كأنه يقول لهم: لم تستعجلون عذاب ربكم قبل رحمته سبحانه؟ بل آمنوا بالله سبحانه وتعالى تدرككم رحمة الله سبحانه وتعالى.

    فقال: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ [النمل:46]، أي: بجلب عذاب رب العالمين أي: بكفركم، دون أن تتفكروا في هذا الدين العظيم الذي جئتكم به، قال: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ [النمل:46]، أي: باستعجال ما يسوؤكم قبل أن تأتيكم رحمة رب العالمين، ولم تذنبون وتكفرون ثم تنتظرون منه الرحمة؟ وقوله تعالى: لَوْلا [النمل:46]، بمعنى: هلا، وهي للتحضيض والحث، والمعنى: هلا استغفرتم الله بدلاً من ذلك؟

    1.   

    أحوال الكفار مع أنبيائهم

    قال تعالى: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، أي: لعل الله يرحمكم ويغفر لكم هذا الذي أنتم فيه، فكان الجواب منهم كعادة الكفار حيث قالوا: تطيرنا بك وبمن معك، بمعنى: تشاءمنا منك، وأنت شؤم علينا، وهذه عادة الكفار؛ إذ التشاؤم ليس من طبيعة المسلم.

    وأصل التطير: التطيير، حيث كان الشخص منهم إذا أراد أن يعمل عملاً أخذ طائراً فأطلقه في الهواء، فإن طار شمالاً تشاءم منه، وإن طار يميناً تفاءل، واعتقد أن هذا يوم يمن وبركة، فحرم ربنا علينا ذلك، وما يصنع طير الطائر بأمر قضاه الله وقدره سبحانه؟ وما أدرى الطائر أن هذا الأمر خير أو شر؟

    ومن الناس من يتشاءم بأمور أخرى، فبعضهم إذا سمع نهيق الحمار تشاءم، والبعض يتشاءم بصوت البوم، وآخرون بنقيق الضفادع، مع أن هذه الأشياء لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً عن أن تملك لغيرها، ولا تعلم غيباً عن نفسها فضلاً عن أن تعلم لغيرها غيباً، فلا يحل لإنسان مؤمن أن يتشاءم من ذلك إذا سمعه.

    وكثير من الناس عندهم عادة سيئة، فالشخص منهم إذا سمع صوت عصفور بالليل على بيته أو غراب يصيح تشاءم، والبعض منهم يقول: هذا خير؛ من أجل أن يمنع التشاؤم عن نفسه، فهذا غير جائز؛ إذ لا يملك هذا خيراً ولا شراً، وما يصيح هذا إلا لأمر من أمر الله عز وجل، أما أنه يملك خيراً أو شراً فلا يملك ذلك، إلا ما جاء في نهيق الحمار بالليل، أو نباح الكلاب (إنها ترى ما لا ترون)، حيث أنها ترى شيطاناً، أما أنها تملك لكم شيئاً في القدر، وأن من وراء ذلك خيراً أو شراً فلا.

    فهؤلاء القوم قَالُوا اطَّيَّرْنَا [النمل:47]، بمعنى: تشاءمنا، فهم مع جهلهم وغبائهم يستدلون على بطلان دينه عليه الصلاة والسلام بزعمهم باتباع الضعفاء له، إذ لو كان دينه حقاً لاتبعه الأقوياء، قال تعالى: قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل:47]، أي: إذا كنتم تقولون بالشؤم في الدنيا فشؤمكم الحقيقي نار جهنم عند رب العالمين سبحانه وتعالى. فقد قال لهم: طَائِرُكُمْ [النمل:47]، أي: ينتظركم عند الله.

    وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:47]، أي: قد أهلككم الله سبحانه وأصابتكم فتنة فلا تفهمون، وفتنة الإنسان قد تكون في دينه، وقد تكون في اعتقاده صواب رأيه، فهم يفتنون حيث مالوا عن الحق إلى الباطل في آرائهم، وطمست قلوبهم فهم لا يعقلون ولا يفهمون، قال لهم: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:47]، وسوف يأتيكم الامتحان من رب العالمين سبحانه فيعذبكم بذنوبكم.

    1.   

    ذكر قصة رهط قوم ثمود مع نبيهم

    قال تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل:48]، وهذه هي الزيادة المذكورة في هذه السورة الكريمة، حيث كان في هذه البلدة تسعة رهط، والرهط يطلق على ما دون العشرة من الرجال، فكانوا تسعة من كبار القوم وأشرافهم، وقيل: بل أدنى، وكبار القوم أناس متعززون بآبائهم، والدين عندهم هو المال، فكانوا مفسدين كعادة أبناء أكابر القوم، فكان هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يصلحون، بل لم يكن عندهم شيء من الصلاح، بل فيهم تهور واندفاع، والناس يتبعونهم على ذلك.

    قال تعالى: قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النمل:49]، يعني: كأنهم يحلفون وقد عرفوا الله سبحانه وتعالى، وعرفوا أنه الرب سبحانه وتعالى، فحلفوا به وأشركوا به سبحانه، وأهل الجاهلية كانوا يحلفون باللات محرفة عن الله، ويحلفون بالعزى محرفة عن العزيز، فعرفوا أنه سبحانه هو الذي يخلق، ولكن عبدوا معه غيره، فهؤلاء كذلك، عرفوا الله سبحانه، ولكنهم أشركوا به وعبدوا غيره سبحانه وتعالى، فلما حلفوا بالله تقاسموا فيما بينهم على صنع عمل ما، ثم ينكرون أنه من صنيعهم، قال تعالى: تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ [النمل:49]، وهذه قراءة الجمهور.

    أما قراءة حمزة والكسائي وخلف فهي: (لتبيتنه وأهله ثم لتقولن لوليه ما شهدنا) والتبييت: القتل بالليل.

    والمعنى: أنهم اتفقوا على قتل نبي الله صالح وأهل بيته بالليل؛ حتى لا يفشو سرهم، والذي جعلهم يقولون هذا الشيء هو أن نبيهم عليه الصلاة والسلام توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا بعد إخراج الناقة من الجبل، وكانوا قد طلبوا منه هذه المعجزة تعنتاً، ووعدوه بالإيمان به إن حصلت هذه المعجزة، فلما حصلت المعجزة كاد القوم أن يؤمنوا، إلا أن كبراءهم كانوا يمرون عليهم ويقولون: تتركون دينكم وتتبعون هذا الرجل!فما آمن معه إلا قليل من ضعفاء القوم، أما بقيتهم فظلوا على كفرهم، إذ منعهم طغيانهم ومنعهم هؤلاء المفسدون، فلما جاءت هذه الناقة قال لهم نبيهم: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]، يعني: البئر الذي عندكم تشرب منه يوماً وتعطيكم لبناً يكفيكم، واليوم الثاني تشربون أنتم، فظلوا على ذلك خائفين أن يعملوا بالناقة شيئاً ينزل عليهم العذاب من السماء، فلما طال عليهم الزمن إذا بهم يرجعون عن ذلك الخوف، ثم يتشاور بعضهم على قتل الناقة، فقام أشقى القوم واسمه قدار بن سالف ، وذهب إلى الناقة فرماها بسهمه فقتلها، وأراد قتل ابنها فلم يقدر على ذلك، ففرحوا بهذا الشيء فكأنهم اشتركوا جميعاً في قتلها، وقد قال لهم نبيهم: وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:156]، فعقروا الناقة فإذا به يقول: انتظروا العذاب بعد ثلاثة أيام، فاجتمع هؤلاء النفر التسعة وقالوا: سيأتينا العذاب بعد ثلاثة أيام، فلم لا نقتله قبل هذا الوقت فنكون قد أخذنا بنصيبنا منه؟ فتقاسموا على أن يصنعوا ذلك، وذهبوا إليه في بيته ليقتلوه، فكان ما أخبر الله عز وجل عنهم في الآيات التي تليها.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.