إسلام ويب

تفسير سورة النمل [36 - 44]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسله وجعل معهم من الدلائل والمعجزات ما يفوق ما أعطاه الله لملوك الأرض وأهلها الذين يرسل إليهم هؤلاء الأنبياء، وقد آتى الله سيدنا سليمان ملكاً ومعجزات جعلت ملكة سبأ تعلم أن ذلك ليس من شأن الملوك، بل من شأن الأنبياء المؤيدين بالوحي، وقليل أولئك الملوك الذين يتغلبون على أهوائهم ويتبعون رسالات الله تعالى، ويؤمنون برسله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان... فإن ربي غني كريم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الله عز وجل في سورة النمل: فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:36-44].

    الحكمة التي اتصفت بها الملكة بلقيس

    يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع ملكة سبأ وهي بلقيس ، لما أرادت أن تختبر سليمان وتعرف هل هو نبي من الأنبياء أم هو ملك من الملوك؟ وقد أرسل إليها خطاباً يأمرها بالإسلام، وأن تأتي إليه ولا تتكبر عليه.

    فلما قرأت الرسالة وكانت امرأة حكيمة استشارت من معها، فلم تكن متهورة مندفعة بحيث ترد عليه جواباً على رسالته، فأبدو أنهم أقوياء: قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:33].

    ولكنها ذكرت من حولها أن أمر القوة وأمر الحرب يحتمل أن ننتصر أو أن ننهزم، فإذا انهزمنا أمامه دخلت جنوده إلى أرضنا، ودخل هذا الملك إلى أرضنا فأفسد فيها وقالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل:34].

    ثم تروت ووجدت فكرة أخرى فقالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [النمل:35]، يعني: إلى هؤلاء القوم وليس لسليمان وحده،ولكن لأهل هذه البلد أو لكبارها بما فيهم ملكهم، قالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل:35].

    وعندما يرجع إلينا هؤلاء الذين نرسلهم إليه بهذه الهدية نعرف أمره، فإذا كان ملكاً قبل هذه الهدية فنتعامل معه على أنه ملك من الملوك وأنه طماع، فإما أن نرضيه بمال، وإما أن نغزوه ونحاربه، وأما إذا كان غير ذلك فهذا نبي من الأنبياء ولا يسعنا إلا أن نأتي إليه.

    موقف سيدنا سليمان من هدية بلقيس

    فلما ذهبت الهدية إلى سليمان رد عليهم رداً سريعاً ولم يستشر أحداً، بل قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:36].

    أي: أنتم الذين تفرحون بمثل هذه الهدايا، فأنتم تهدون إلى الإنسان لتفخروا عليه بهديتكم، ارجعوا بهذا الشيء فإننا لا نقبله منكم، ولنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون، فكأنه قال للرسول أو لكبير القوم الذي جاءه: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37]، فقوله:

    وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ [النمل:37]، فيه قسم من سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إذ قال: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ [النمل:37]، وهذا دليل على القسم؛ لوجود اللام في أول الفعل المضارع، والنون المثقلة في آخره، وكأنه يقول: والله لنخرجنهم منها أذلة، أو فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً [النمل:37].

    فإننا دعوناهم في الخطاب فلم يلبوا، أما الآن فسنخرجهم من هذه الأرض: أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37].

    فلما بلغ الأمر إليها إذا بها تتجهز للذهاب إليه، فلم ترد أن يأتي سليمان إليهم فيطردهم من أرضهم، فقالت: نحن نذهب إليه في البداية مستسلمين فيعاملنا معاملة كريمة.

    عظيم تسخير الله لسليمان

    فلما بلغ سليمان أنهم خارجون إليه، وعلم سليمان بذلك إما عن طريق الوحي وإما عن طريق جنوده من الجن وغيرهم أحب أن يريها آية من آيات قدرة الله سبحانه الذي أقدر سليمان عليها، فقال لمن معه: قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:38]، وإلا فماذا يعمل بعرشها؟ لكنه يريد أن يريها آية من الآيات، ولا مطمع له في عرشها.

    لكن هذا العرش هو الذي جعلها تتعالى وتستكبر على الخلق، وجعلها تعبد غير الله سبحانه، فينقل من اليمن إلى الشام وهي مسافة طويلة جداً في وقت يسير، وهي تخرج من بلدها تاركة عرشها هنالك فتأتي إلى الشام فتجد عرشها هناك، وهذا شيء عجيب جداً، فأراد سليمان أن يريها أنه رسول كريم مؤيد بالمعجزات.

    وهذا يدفعها إلى أن تؤمن بالله سبحانه، وكأن الهدف من إتيانه بعرشها أن يريها معجزة من المعجزات الحسية لعلها تسلم وتدخل في دين رب العالمين، فلما سأل من حوله لم يقل: يا أيها الناس؛ لأن الناس لا يقدرون على هذا الشيء، ولكن قال: يا أيها الملأ! فهم أعلى الناس الذي يدخلون عند سليمان، ويكون أكرمهم عليه أتقاهم لربه سبحانه وتعالى، فربنا فضل بعض الناس عنده كما قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وكذلك هو التفضيل عند أنبياء الله سبحانه وتعالى، فهم يفضلون ويقربون ويدنون منهم الأتقى من الخلق.

    فسأل هؤلاء الملأ الذين حوله وفيهم الإنس وفيهم الجن، فقال: يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا [النمل:38]، وهو يعلم من قدرة الله سبحانه أنه سيأتيه بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان.

    فكان الإتيان بالعرش مقدور لسليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله سخر الجان والشياطين والريح له، ولكن هو يريد شيئاً سريعاً قبل أن يأتوا.

    فهذه المرأة في الطريق وستأخذ ثلاثة أيام أو يومين، وهو يريد أن يأتي العرش الآن قبل أن تدخل هذه المرأة، فلما قال ذلك إذا بجنوده يجيبون: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ [النمل:39]، والعفريت: هو المارد القوي، فالمردة من الجان مسخرون لسليمان عليه الصلاة والسلام، فقال هذا: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل:39]، أي: قبل أن تكمل هذه الجلسة الذي أنت فيها، وهذه قدرة عظيمة جداً، فلا تقدر أي طائرة ولا أي صاروخ أن يأتي له بهذا قبل أن ينفض المجلس.

    فضل أهل العلم على أهل القوة

    ولكن سليمان علم أن لله قدرة أكبر من ذلك، فطلب الأسرع من ذلك: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40]، وكأن التفضيل هنا لأهل الكتاب، ولحملة دين رب العالمين سبحانه.

    وهذا أحد جنود سليمان عليه الصلاة والسلام، فقد تعلم الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام، وكأنه اختبار لقدرة هؤلاء الجنود الذين أعطاهم الله ما أعطاهم من قدرة، وهذا الذي عنده علم من الكتاب لو أراد الله سبحانه أن نعرفه لأخبرنا عنه سبحانه وتعالى، ولكن لم يرد ذلك فلم يخبرنا عنه، لكن المفسرون خاضوا في ذلك وذكروا أسماء فقالوا: هذا رجل اسمه آصف بن برخيا ، ولكن لا يعنينا كثيراً اسم هذا الرجل، فهو أحد المؤمنين الذين مع سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فما علم الله عز وجل آصف هو جزء مما علم سليمان عليه الصلاة والسلام، فهو رجل من عباد الله سبحانه فضله الله عز وجل، وأراد أن يرينا فضل أهل العلم على أهل القوة، فالعفريت من الجن هو من أهل القوة، وقد قال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك، فسيكون في مدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ولكن الذي عنده علم من الكتاب لن ينتقل من مكانه، ولكن سيدعو الله سبحانه وتعالى، والله على كل شيء قدير، فكأنه عرف كيف يدعو الله سبحانه وتعالى فيستجيب له ربه سبحانه وتعالى.

    وقد قالوا: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، واسم الله الأعظم ليس شيئاً مخفياً أو مستحيلاً أن يعرف، بل قد جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.

    الثقة بالله سبب لإجابة الدعاء

    واسم الله الأعظم ليس كل إنسان سيدعو به يصل إلى مراده الذي يطلبه، وإنما الأمر أمر قلبي، فالإنسان إذا وصل قلبه بالله سبحانه وتعالى، وكان على ثقة بالله سبحانه حصل على ما يريد.

    فكلكم تعرفون كيف تدعون الله سبحانه، وكيف تلحون على الله في الدعاء، ولكن من الذي سيكون كهذا الرجل الذي يدعو فيستجيب الله سبحانه وتعالى له؟ فنحن ندعو كثيراً: يا رب! أنزل علينا المطر، فأحياناً ينزل وأحياناً لا ينزل، أو يتأخر المطر.

    ولكن لما قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وسأل ربه سبحانه وتعالى أن ينزل المطر غيثاً مغيثاً عاجلاً، وذلك عندما جاء إلى النبي رجل وقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال، وهلكت العيال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا).

    وكان واقفاً يخطب على المنبر صلى الله عليه وسلم فقطع الخطبة وسأل الله سبحانه وتعالى، وكان لا يوجد في السماء سحاب، فإذا بسحابة تنشأ من وراء الجبل فتتوسط السماء فتمطر على الجميع أسبوعاً كاملاً بدعوة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد قام كفار قريش قبل هجرته فقالوا له: (لن نؤمن لك حتى تفلق لنا هذا القمر فلقتين ونراه، فقال: إذا فعلت آمنتم؟ قالوا: نعم، فقام صلى الله عليه وسلم وسأل ربه وأشار بيده إلى القمر فانفلق فلقتين، فلقة وراء الجبل، والأخرى أمام الجبل فلم يؤمنوا، بل قالوا: سحرتنا).

    وهذه آية من الآيات الحسية التي رأوها أمامهم، والتي يؤيد الله عز وجل أنبياءه بها حتى يؤمن بهم الخلق، فهنا سليمان عليه الصلاة والسلام أيده الله عز وجل بمعجزات وبآيات، ومن ذلك هذه المعجزة: أن رجلاً من أتباعه يدعو ربه أن يأتي بالعرش إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فيستجيب الله دعاءه.

    وهذا الرجل ليس عنده كل علم الكتاب، بل عنده علم من الكتاب، فقد عرف ربه سبحانه وتعالى، واستيقن به، وسأله فأعطاه.

    اسم الله الأعظم

    ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب؟ لقد جاءت ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيها الجواب، وقد علم الله رجلاً من خلقه المؤمنين أن يدعو بدعاء، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).

    وهذا الرجل دعا فقال: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحداً)، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).

    ورجل آخر أيضاً دعا ربه سبحانه، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!)، فقال رسول الله: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).

    وأيضاً يقول عليه الصلاة والسلام: (اسم الله الأعظم في هاتين السورتين، في سورة آل عمران، وفي سورة طه، وهو الحي القيوم، والرحمن الرحيم).

    وإذا سألت الله عز وجل أعطاك مع إخلاصك، مع معرفة الله أنك تستحق ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام!)، ومما ينبغي الدعاء به: اسم الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وتدعوا بيا ذا الجلال والإكرام، أو يا حي يا قيوم، أو يا رحمن يا رحيم، أو تدعو باسم الله الحنان المنان، بديع السماوات والأرض ذي الجلال والإكرام، فإذا سألته بهذا أعطاك واستجاب لك.

    وكلنا نسأل ربنا سبحانه، ولكن هل يحقق لكل منا ما يريده عاجلاً كما حقق لهذا الرجل؟ هذا يرجع إلى أمرين:

    الأمر الأول: راجع إلى الله سبحانه الذي قضاه، ومن قضائه أنه ينفذ ذلك الشيء ويعطي هذا الشيء لهذا الإنسان، وهذا مبني على علمه وحكمته وقدرته سبحانه.

    الأمر الآخر: راجع إلى قلب العبد، هل هو مخلص واثق في الله سبحانه وتعالى أم لا؟

    ما عند سليمان من الأعوان هو من فضل الله

    إن العفريت الذي قال: إنه سيأتي بالعرش قبل قيام سليمان من مجلسه قال: إنه قوي على هذا الشيء، وأنا أمين لست بخائن فآتيك بهذا الشيء ليس بغيره، وأما الآخر فقال: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ [النمل:40]، أي: علم بكتاب الله الذي أنزله على موسى عليه الصلاة والسلام، وبالصحف التي أوتيها داود قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40]، يعني: أغمض عينيك وافتحها وستجده أمامك.

    وهذه السرعة ليست في قدرة إنس ولا جن أن يفعلوا ذلك، وإنما هي قدرة الله سبحانه وتعالى، فهذا العبد سأل ربه فاستجاب له وأتى بهذا العرش إليه.

    وكان سليمان عليه الصلاة والسلام واثقاً من ذلك، فهذا عنده علم من الكتاب.

    قال تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [النمل:40]، أي: رأى العرش حالاً أمامه: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [النمل:40].

    أي: فليس بقوتك ولا بقوته، ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى أن علمنا الكتاب، وسخر لنا الإنس والجن والدواب، وسخر لنا هذا من فضله سبحانه، فهذا تفضل الله علي وما عطاءه ذلك لي إلا ابتلاءً وامتحاناً منه سبحانه، وما قال بفضلي وقدرتي لأنني ملك أو نبي، بل قال: هذا اختبار من الله عز وجل هل سأشكر أم سأكفر؟ ليعلم الناس أنه مهما أعطاكم الله من نعم فاشكروا الله سبحانه وتعالى، ومهما أعطاكم الله من نعم فاعلموا أن الذي يعطي قادر على أن يسلب ويأخذ.

    فإذا أعطاك الله فإنما يبتليك هل تشكر أم تكفر؟ فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، وهذه قراءة الجمهور، ومنهم من يمد ومنهم من يقصر، وقراءة نافع وأبي جعفر : لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل:40].

    وعاقبة الشكر منفعة، فإنما أشكر الله عز وجل لأنتفع أنا، فلن ينتفع الله عز وجل بشكري شيئاً، ولن يزداد بحمدي ولا بشكري ولا بعبادتي شيئاً، فأنا أحمد الله لنفسي لأنتفع أنا.

    وانتفاعي هو كما قال الله سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] أي: إن تشكر الله عز وجل يزدك من هذه النعمة ومن هذا الفضل، ولذلك سليمان عليه الصلاة والسلام يقول: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل:40]، ومن كفر وجحد نعمة الله ونسب الفضل لنفسه كما قال قارون : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، يقول الله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].

    وأصل الكَفر: الستر، وكفر الشيء بمعنى: ستره وغطاه، فالذي يكفر بالله كأنه يغطي النعم ويحجبها ويقول: ليست من عند الله، بل هي مني أنا، فأنا الذي أتيت بها، وأنا أستحق ذلك، وينسى ربه ويكفر، قال سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ [النمل:40]، قال سليمان: فَإِنَّ رَبِّي [النمل:40] أي: الله الذي أعبده والذي خلقني: غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].

    أي: غني عن العباد وعن عبادتهم، كريم سبحانه يعطي من شكر ومن كفر سبحانه وتعالى، ولذلك لما دعا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [البقرة:126]، وهذا من أدبه عليه الصلاة والسلام، فلم يقل: ارزق المؤمنين الذين يعبدونك، وارزق الكفار الذي يجحدونك ويسبونك، بل كان الأدب من إبراهيم أن قال: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ [البقرة:126]، ثم توقف عند مقام الأدب عليه الصلاة والسلام، فأجاب الله بكرمه سبحانه قال: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة:126]، فالمؤمن يتأدب في دعائه لربه سبحانه وتعالى، والله يفعل ما يشاء، قال سليمان: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40]، فهو سبحانه تبارك وتعالى يكرم خلقه بما يشاء، فيكرم بالإيمان فيهدي من يشاء من خلقه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها... وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)

    مراد نبي الله سليمان من تنكير عرش بلقيس

    عندما جاء العرش إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ [النمل:41]، أي: غيروا من هذا العرش لونه، وغيروا الذهب فانقلوه من مكان لمكان، والنكر: هو عكس المعروف، وهذا شيء نكر أي: منكر، فأمرهم أن يغيروه لكي يعرف هل هي ذكية فطنة حكيمة تفهم أم لا؟ فلعلها إذا فهمت ذلك عرفت قدرة الله سبحانه، فرجعت إلى ربها سبحانه.

    فإذا فهمت أن الله يؤيد المؤمنين بهذه المعجزة، وهي: إتيانهم بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان فستؤمن، وإذا كانت مكابرة فستنظر إلى العرش وهي تعلم أنه عرشها ثم تقول: ليس لي؛ لتنكر هذه الآية وهذه المعجزة، وإذا كان فيها خير فستصدق وستؤمن أنه نبي مؤيد بالمعجزات، وستدخل في دين رب العالمين سبحانه.

    فأراد أن ينظر إلى عقلها وإلى حكمة هذه المرأة وذكائها، فقال: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ [النمل:41] وكأنه يريد أن يقيس شيئاً على شيء، فإذا اهتدت لهذا العرش فسنأمل أن تهتدي إلى ربها، وأن تسلم، وأن تدخل في دين رب العالمين سبحانه، فاختبرها بشيء ليدله على شيء آخر وراء ذلك.

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْ [النمل:42]، عرض عليها هذا العرش وقال أحد الجنود: أَهَكَذَا عَرْشُكِ [النمل:42]، فنظرت إليه وقالت: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل:42]، أي: كأنه عرشي جاء إلى هذا المكان، وكانت عاقلة، فإنها لو قالت: هذا عرشي فمن المؤكد أنها لم تنتبه للتغير الظاهر فيه، ولو قالت: ليس هو لكانت لم تسمع عن عرش آخر كعرشها بهذه الفخامة والزخرف الذي فيه، فلما تغير ما عليه والمنظر منظر عرشها، توسطت في الجواب بذكاء وقالت: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل:42].

    سبق الأنبياء للعلم بالوحي

    قال تعالى: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ [النمل:42]، ويحتمل أنه من قول سليمان عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أنه من قولها هي، فالهاء في (قبلها) عائد على معجزة الإتيان بالعرش من هذا المكان إلى هذا المكان في لمح البصر وطرف العين، فكأن سليمان يقول: من قبل هذه المعجزة قد أوتينا العلم برب العالمين سبحانه وبقدرته العظيمة سبحانه، فقد آتانا الكتاب وعلمنا الصواب وأرشدنا، وسخر هذه الجنود تحت أيدينا.

    فالعلم بالله عز وجل سابق عندنا، وهذه المعجزة شيء من فضل الله سبحانه وتعالى، فمن قبل هذه المعجزة نحن نعلم ربنا سبحانه وتعالى، هذا إذا كان من قول سليمان.

    وأما إذا كان من قول المرأة، فكأنها لما رأت هذه المعجزة قالت: هذه آية فعلاً، ونحن قد أوتينا العلم من قبل ذلك بأنك نبي، فمن ساعة أن قرأنا رسالتك وأسلوبك في الكلام عرفنا أنك نبي قبل هذه الآية التي رأيناها أمامك.

    فعلى هذا قال لها: ما هو الذي يمنعك أن تسلمي من ساعتها، فقال سبحانه: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:43]، يعني: إن الذي صدها قبل ذلك عن أن تؤمن مع سليمان عليه الصلاة والسلام هواها، وما كانت فيه من ملك، وما كان عليه قومها من عبادة غير الله سبحانه، والإنسان عندما يجد في قومه شيئاً معيناً يخاف أن يخالفهم فيضيع منه ملكه، فلا يعمل ذلك الملوك إلا ما كان من النجاشي رضي الله عنه.

    إسلام النجاشي

    وهذا النجاشي هو أصحمة ملك الحبشة، وهو من الملوك الذي عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حق، فأسلم هو وقومه، وأظهر إسلامه للنصارى من قومه، وإن كرهوا ذلك منه، وأخبر أن جعفراً رضي الله عنه ومن معه قالوا في المسيح عليه الصلاة والسلام القول الحق، وقد أراد كفار قريش الوقيعة بين النجاشي وبين جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين من المؤمنين في الحبشة ففشلوا.

    فقالوا للنجاشي : إنه يقول قولاً سيئاً في المسيح عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليهم: ماذا تقولون في المسيح؟ فجاء جعفر بن أبي طالب ومن معه من المؤمنين إلى النجاشي وقال: نقول في المسيح عليه الصلاة والسلام -وكان هو وجمع معه من الرهبان والأحبار والكبار في مملكته، وقد اجتمعوا ليسمعوا ما يقول هؤلاء- فقالوا: المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو عبد الله ورسوله.

    فلما قال ذلك نخرت الرهبان، فقام النجاشي وقال: والله ما زاد المسيح على ما قلتم، وأخذ حصاة أو شعرة من الأرض وقال: ما زاد المسيح على ما قلتم، ثم قال: وإن استكبرتم وإن أنفتم يا مشركون! وإن أنفتم يا نصارى! فالمسيح كما قالوا، فلا أعبد إلا الله، ولا أحمد إلا الله الذي رد علي ملكي، وقد كان بعض النصارى خرجوا عليه بملك آخر فأخذ منه ملكه وتركه الناس، وكاد أن يضيع منه ملكه، ثم رده الله سبحانه وتعالى عليه.

    فقال: لا أحمد أحداً إلا الله، ولا أقول في المسيح أكثر مما قاله هؤلاء، ولو كنت أقدر أن أذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأغسل عن قدميه لفعلت ذلك، ولو كنت أقدر أن أسافر إليه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكن الأمر صعب ويكفيه ذلك رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقد آوى هذا الحبشي المسلمين، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم وكيله في أن تزويجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت مهاجرة عنده في الحبشة، فهو الذي دفع مهر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي زوج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    أما غيره من الملوك فلا يوجد فيهم أحد أتاه خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا ورده رداً جميلاً دون أن يسلم، وبعضهم مزق الرسالة التي جاءته من النبي صلى الله عليه وسلم.

    حوار هرقل لأبي سفيان

    من أذكى هؤلاء الملوك الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم هرقل عظيم الروم، فقد كان رجلاً ذكياً جداً، وكان منجماً ذا عقل عجيب جداً.

    فسأل من عنده عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان عنده أبو سفيان ، فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم حوالي عشرة أسئلة يعرف بها صدق ادعائه للنبوة من عدلها، فسأل أسئلة تدل على فطنته وعلى عقله، فقال: هل كذب هذا الرجل عليكم قبل ذلك؟

    قال: لا ما كذب قبل ذلك.

    قال: لو كان كذب قبل ذلك لقلنا يكذب، فكيف يدع الكذب على الناس ويكذب على الله سبحانه وتعالى؟

    ثم قال: هل كان من آبائه ملك؟

    قال: لا، ما كان في آبائه ملك، قال: لو كان من آبائه ملك لقلنا: يطلب ملك أبيه.

    ثم قال: هل قال هذه المقالة أحد من قبله؟

    قال: لا، لم يقلها أحد من قبله، قال: لو قالها أحد من قبله لقلنا: يستن بهذا الذي من قبله.

    وظل يسأله حتى قال: هو رسول رب العالمين، وهذا الرجل كاد أن يسلم، فقد جمع كبار القوم بداخل القصر، وأمر أن يغلقوا عليهم أبواب القصر لكي لا يخرج أو يهرب أحد، وقال لهم: إني أدلكم على أمر رشد فهل لكم في طاعتي؟ قالوا: فبماذا تأمر؟ قال: أطيعوا هذا الرجل، إنه رسول رب العالمين.

    فصاحوا ونخروا وجروا إلى الأبواب، وقد كان أقفل عليهم الأبواب فناداهم وقال: تعالوا تعالوا إنما كنت أمتحنكم فقط، ولما وصل الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ظن بملكه) يعني: عرف الحق، ولكن ظن بملكه عن أن يسلم، أي: أنه إذا أسلم ضاع عليه ملكه.

    وهذا مع عقله ولكنه طمع في الدنيا، فالإنسان قد يدفعه ملكه وماله ومنصبه إلى البعد عن الله سبحانه وتعالى؛ خوفاً من أن يضيع منه ذلك، فكأن بلقيس كانت كذلك، فعبدت الشمس من دون الله مع قومها، وكأنها عرفت الحق، لكن صدها الذي كانت تعبده من دون الله وقومها أيضاً، فخافت وظلت على ما هي فيه، فصدها هذا عن عبادة رب العالمين.

    قال تعالى: إِنَّهَا كَانَتْ [النمل:43]، وكأن (إنها) هنا تعليلية؛ أي: لأنها كانت من قوم كافرين.

    فقومها كانوا كافرين، فكان الصد لها أكبر، ولعلها إن تركت هؤلاء القوم يخرجونها ويأخذون منها ملكها، فقال لها سليمان عليه الصلاة والسلام، أو قيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ [النمل:44]، وهذا الصرح صنعه الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام بأمره، وكان يبدو وكأنه قصر على الماء فيه صحن واسع يدخل منه من يدخل على هذا المكان فوق الماء، والصرح الممرد يعني: المصنوع من شيء رقيق، بحيث يظهر ما بداخله، وكأنه قوارير.

    فهذا صرح ممرد من قوارير يعني: مصنوع من زجاج في غاية الصفاء، قال تعالى: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ [النمل:44]، ولما قيل لها ذلك نظرت وتحيرت أهل تدخل في الماء؟ فنظرت إلى الماء وكشفت عن ساقيها لتدخل، فمن شدة صفائه ظنت أنه يأمرها أن تغوص في الماء، فكشفت عن ساقيها، فقال لها: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ [النمل:44]، وسليمان عمل ذلك لترى آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى، فقد رأت كيف أتي بالعرش من مكان إلى مكان، وآية أخرى وهي أنه بنى صرحاً فوق الماء بحيث أنها ترى الماء تحته، فهي الآن أمام معجزة أكبر، فكشفت عن ساقيها ولم تصدق أن هذا شيء غير الماء.

    فلما قال لها ذلك قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [النمل:44]، أي: أعلنت أنها مؤمنة واعترفت بأنها ظلمت نفسها، فعرفت الحق ووحدت الله سبحانه، وعرفت الآن أنه الرب الذي لا إله إلا هو، وأنها ستعبده مع سليمان ومع قومه المؤمنين.

    وعندما قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [النمل:44]، فكأنها اعترفت بكفرها وبظلمها لنفسها بعبادة غير الله سبحانه، ثم قالت: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ [النمل:44]، أي: أسلمت لله مع سليمان، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فالطاعة إنما هي لرب العالمين سبحانه، وأعلنت أنها أسلمت للإله المعبود الذي يستحق العبادة، الخالق لكل شيء.

    وقد ذكر المفسرون عدة أسباب لكشفها ساقيها، وقد ذكر الله سبحانه أنها رأت لجة من الماء فكشفت عن ساقيها، فنحن نقف مع نص القرآن ولا نزيد على ذلك، فلسنا بحاجة لأكثر من ذلك من خرافات يذكرها البعض، أو إسرائيليات نحن في غنىً عنها.

    فالذي جاء في القرآن: أنه صرح ممرد في غاية النقاء والصفاء، فكأنها لم تر أمامها إلا الماء، فلما وضعت قدمها عرفت أنه زجاج وليس من ماء، وتلك قدرة ربانية وآية من الآيات، وليس السبب من كشفها لساقيها: أن يرى هل في ساقها شيء أم لا؟ فإن هذا نبي معصوم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعظمة ذلك الصرح تظهر في أنه خفي عليها ذلك، ولم يخف عليها العرش.

    فقيل لها: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ [النمل:44]، فدخلت الصرح واعترفت بأن الرب الخالق سبحانه هو الذي يستحق العبادة، وأما هل تزوجها سليمان أو زوجها لأحد جنوده، أو أرجعها إلى قومها؟ فالجواب: أن القرآن لم يهتم بهذا الشيء، وكونه لم يذكره فإنه دليل أنه لا أهمية له، فلا حاجة لنا إلى أن نتتبع ما ذكره المفسرون في ذلك، ولا نذكر إلا ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.