إسلام ويب

تفسير سورة النمل [1 - 14]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحروف المقطعة في القرآن تشير إلى تحدي الله عباده بأن يأتوا بكلام مثل كلامه سبحانه، وقد ذكر سبحانه في مطلع سورة النمل هذا المعنى، ثم ذكر قصة الرسل مع أنبيائهم، وكيف كانت عاقبة المفسدين المكذبين للرسل المعرضين عن دعوتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النمل: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ * إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:1-14].

    هذه السورة السابعة والعشرون من كتاب الله رب العالمين المسماه بسورة النمل، وهي من السور المكية كسابقاتها، وآياتها ثلاث وتسعون آية، ونزلت بعد سورة الشعراء، وسميت بذلك لأن الله عز وجل ذكر فيها النمل، فكل سورة تسمى بما هو موجود بداخلها، مثل سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الشعراء، فالله عز وجل يذكر في ثنايا السورة ما يدل على ذلك.

    ففي سورة النمل قال الله تعالى: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، والنمل خلق من خلق الله سبحانه وتعالى يسبح ربه، وقد جعل الله فيها أفهاماً تفهم وتعي بها، وتدبر لنفسها بأمر ربها سبحانه أمر قوتها وأمر مساكنها وحماية نفسها كما سيأتي في هذه السورة.

    الخصائص المكية لسورة النمل

    تتميز هذه السورة المكية بخصائص السور المكية، وذكرنا قبل ذلك أن من خصائص السور المكية: الاهتمام بأمر التربية، وأمر العقيدة، وأمر التوحيد، وإقرار هذا الأمر.

    فتجد هذه السور المكية تعنى بأمر العقيدة، والإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، وذكر صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، وكذلك ذكر قصص الأنبياء، وما ابتلاهم الله عز وجل به، ثم نصر الله عز وجل لهؤلاء الأنبياء.

    وفي هذه السورة العظيمة يبين الله سبحانه وتعالى لنا كيف أنه قد يعطي لبعض عباده الرسالة، وقد يعطي البعض الآخر الرسالة والملك، كما أعطى داود وأعطى سليمان، وسنرى في هذه السورة شأن الاثنين.

    وفي هذه السورة: ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام بشيء من التفصيل، وقد تقدمت هذه القصة مراراً، فقد كان موسى عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة قبل نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أكد الله عز وجل ذكر أمره في هذا القرآن العظيم مرات ومرات؛ حتى يأتسي النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به.

    ولذلك كان هو النبي الوحيد الذي نصح النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج أن يرجع إلى ربه، وقال: إني بليت بني إسرائيل قبلك، وإن أمتك ضعيفة لا تطيق، فهو صاحب تجربة عليه الصلاة والسلام، فأشار للنبي صلى الله عليه وسلم بمحصلة هذه التجربة، فكانت النتيجة أن وضعت الصلوات من خمسين صلاة في اليوم والليلة إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.

    وقد ابتدأ ربنا سبحانه سورة النمل بالحرفين المقطعين: الطاء والسين، وقد قلنا: إن هذه السورة ثلاث وتسعون آية على العد الكوفي، وأربع وتسعون آية على العد البصري، وخمس وتسعون آية على العد الحجازي، فالبعض عد هذه الآية في مكان وقف النبي صلى الله عليه وسلم، والبعض أدخل وقفين على أن هذا وقف جائز وبعده رأس الآية.

    إذاً: فالبعض عدهما فاصلة ورأس آية، والبعض لم يعدهما كذلك، فاختلف الترقيم.

    قال الله تعالى: طس [النمل:1]، حرفان مقطعان في أول هذه السورة، وقد تميزت السور الثلاث من سور الطواسين أو الطواسيم بهذه الحروف: الطاء والسين، وزادت الميم في سورتي الشعراء والقصص.

    فالسور: الشعراء، والنمل، والقصص تسمى بسور: الطواسيم أو الطواسين، هذا جمع على غير قياس، وأيضاً يقال: هي ذوات الطاسن، يعني: في أولها طاء وسين، والقراءة فيها: طس [النمل:1]، قراءة الجمهور، وأما قراءة أبي جعفر فبالقطع لبيان أنها حروف وليست كلمة.

    ولذلك كل الحروف التي في فواتح السور يقرؤها أبو جعفر يزيد بن القعقاع مفرقة، أي: يقطعها، فيقطع في قوله تعالى: طس [النمل:1]، حتى يبين أن هذا حرف، وهذا حرف، مثل قوله تعالى: طه [طه:1] فهو يبين أن ليست كلمة، ولكن هذا حرف وهذا حرف، أي: حرفان.

    وهنا بدأ الله عز وجل بهذين الحرفين، وقراءة الجمهور: مد الطاء حركتين، ومد السين مداً طويلاً، والطاء في قراءة شعبة عن عاصم ، وقراءة حمزة ، والكسائي ، وخلف ممالة، يعني: أن غيرهم يقرأ الطاء مفتوحة، أما شعبة عن عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف فيميلونها، إذاً: القراءة إما بالفتح، وإما بالإمالة فيها، وأما السين فالكل يقرؤها ممدودة مداً طويلاً.

    قال الله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1]، وستجد دائماً في القرآن أ، الله عندما يبدأ السورة بحروف مقطعة فلا بد أن يشير إلى القرآن بعدها، كقوله تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2]، وقوله تعالى: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، وقوله تعالى: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء:1-2]، وقوله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1]، وقوله تعالى: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص:1-2].

    فالله سبحانه وتعالى عندما يذكر الحروف المقطعة فإنه يذكر بعدها مباشرة الإشارة إلى هذا القرآن، وكأنه يقول لنا: إن هذا القرآن من هذه الحروف نفسها، أي: من الحروف التي تتكلمون بها، وتصنعون منها خطبكم ونثركم وشعركم، ويتحداكم الله عز وجل أن تأتوا بمثل هذا القرآن لو استطعتم إلى ذلك سبيلاً.

    فالمقصود بها هنا: التحدي، والكثرة، أي: هاتوا مثل هذا القرآن الذي جاءكم من مثل هذه الحروف، والذي يعد حروف هذه السورة يجد أن أكثر الحروف التي تكررت في هذه السورة حرف الطاء وحرف السين، وكذلك كل سورة يبدؤها الله عز وجل بأحرف مقطعة، فإن المتأمل إذا عد الحروف التي في السورة يجد أكثر حروف السورة تكراراً هي هذه الحروف المقطعة في أوائل السور.

    إذاً: فالله يبين أن هذا القرآن من لغتكم العربية، ومن حروفكم التي تتكلمون بها، فاتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، أو فأتوا بسورة من أقصر السور مثل هذا الذي جئناكم به ولن تستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، فقوله تعالى: طس [النمل:1]، حرفان في أولها، والبعض يسمي هذه السورة: بطس، فهذان الحرفان دلالة على تسميتها، مثل أن تقول: صلينا يوم الجمعة بألم السجدة، يعني: السورة التي فيها ألم وفيها السجدة، فقيل: هذه الحروف دلالة على تسمية السورة، وقيل: إن هذه الحروف من الأقسام التي يقسم الله عز وجل بها، وقيل: بل هي حروف من أسماء الله سبحانه وتعالى افتتح بها هذه السور والله أعلم.

    قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1]، واسم الإشارة القريب للمؤنث: هذه، وإذا كان للبعيد في المكان أو في الرتبة قال: تلك، ففيها إشارة للبعد في الرتبة، يعني: أنه عالٍ وعظيم، فالله يشير إلى القرآن العظيم، فلم يقل: هذه آيات القرآن، أو كان هذا القرآن قريباً منا، ولكن لما يشير بقوله: (تِلْكَ)، فإن الإشارة للبعيد معناها التعظيم؛ يعني: هذه الآيات العظيمة هي آيات كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1]، وقد تكرر هذا الجزء في سورة الحجر، لكن بخلاف بسيط، ففي سورة الحجر قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1]، وهنا قال: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1].

    إذاً: فهذه الآيات التي تتلى علينا هي آيات الذكر الحكيم، وآيات القرآن الكريم، قال تعالى: وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1]، أي: من عند رب العالمين سبحانه، وكأنه يقول: القرآن هو الكتاب المبين، ومبين بمعنى: واضح لا خفاء فيه، ولا إشكال فيه، بل يفهمه كل من يقرؤه، ويعي ما يقصده ربنا سبحانه وتعالى في هذا القرآن، وقراءة الجمهور: الْقُرْآنِ [النمل:1]، وقراءة ابن كثير المكي : (الْقُرْانِ ) فيحذف الهمزة ويقرؤها ألفاً، وهي قراءة حمزة إذا وقف عليها: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْانِ [النمل:1]، فإذا وصل قال: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( هدى وبشرى للمؤمنين )

    قال الله تعالى: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل:2]، أي: هذا القرآن هدى، وهذا القرآن بشارة للمؤمنين، وإن كان يحوي النذارة أيضاً، ولكن بين الله عز وجل هنا شيئاً من خصائص هذا القرآن، قال تعالى: هُدًى [النمل:2]، منصوبة على أنها حال، وآيات القرآن هداية يهدي بها الله عز وجل من يشاء من خلقه، وبشارة لمن شاء الله عز وجل أن يهديه.

    وكذلك يجوز أن تكون مرفوعة، فيكون التقدير: هو هدى، وهو بشرى، أو: هي هدى، وهي بشرى للمؤمنين، فقوله تعالى: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل:2]، أي: يبشر الله عز وجل المؤمنين، والبشرى: الإعلام بالخبر السار، والبشارة قد تكون إعلاماً بخبر سار وهذا الغالب، وقد يكون إعلاماً بخبر غير سار وهذا قليل، بخلاف النذارة، فقولك: تنذر، يعني: تهدد بخبر فيه العقوبة من ورائه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون )

    القرآن فيه الهداية وفيه النور، وفيه البشارة للمؤمنين، والمؤمنون هم الذين آمنوا وصدقوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأيقنوا بالآخرة، قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3]، وأما صفات المؤمنين في سورة البقرة فقد ذكر الله أن من أهم صفاتهم: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، يعني: يصدقون بما أخبر الله عز وجل به وهو لم ير هذا الشيء، ولم ير الله، ولم ير الجنة، ولم ير النار، ولكنه استيقن من ذلك وأيقن وصدق، فهم: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، فتلك آيات القرآن وكتاب مبين فيها الهداية وفيها البشارة للمؤمنين، قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [النمل:3]، إذاً: فهم مؤمنون، وهم يقيمون الصلاة، والفرق بين من يصلون وبين من يقيمون الصلاة: أن الذي يقيم الصلاة يعدلها ويحسنها، ويؤديها بخشوع وركوع وسجود وخضوع وتواضع لله رب العالمين وإكثار من ذكر الله، فهو يقيم صلاته، قال تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [النمل:3]، أي: يؤدون الزكاة كما أمر الله سبحانه وتعالى، ودائماً الزكاة تأتي بهذه اللفظة: (آتوا الزكاة)، فالإيتاء: إعطاء لا خصم فيه، ولذلك اتفق الفقهاء على عدم جواز الخصم في الزكاة، كأن يكون للرجل دينٌ على آخر فيعفو عنه ويخصم هذا الدين من الزكاة، أي: يعتبر ما خصمه زكاة، وهذا لا يجوز، وقد يصلح ذلك في الصدقة، أي: تتصدق على الإنسان بأنك تتنازل عن المال الذي تريده منه، أما الزكاة فلا يجوز ذلك؛ لأن الزكاة يقصد بها حصول الانتفاع للذي أعطيته، فيأخذها ويأكل بها، ويشرب بها، ويلبس بها.

    إذاً: تعطي شيئاً ينتفع هذا الإنسان به، أما كونك تخصم من الذي عليك فهو لم ينتفع بشيء؛ لأن هذا الدين الذي على الإنسان إما أن يكون موجوداً وجب عليه أن يرده، وإما أن يكون معدوماً مفقوداً يسقط عنه في يوم من الأيام، فإذا كانت المحصلة أنه سيسقط فأنت لم تؤتِ زكاة في يوم من الأيام، إذاً: فالزكاة: إيتاؤها دون مقاصة أو خصم، قال الله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3]، انظر التوكيد هنا، وكان من الممكن أن يقول: وهم بالآخرة يوقنون، ولكن أكد أن من أهم صفات المؤمن أن يكون مصدقاً بالغيب، ومستيقناً بأمر هذا الغيب، وبأمر الآخرة غاية اليقين، فقوله تعالى: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3]، أي: مستيقنون بأنهم راجعون إلى الله رب العالمين سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون )

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4]، فالمؤمنون بالآخرة: هم الذين يعملون الصالحات، فيقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3]، والكفرة كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [النمل:4]، هذا حالهم، وسبب عدم كونهم كهؤلاء المؤمنين يؤمنون بالآخرة، ويصدقون، ويوقنون قوله تعالى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4]، وهذا من مكر الله عز وجل، ومن استدراجه لهؤلاء الكفار، قال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    والإنسان الذي يريد الله عز وجل به الخير دائماً يذكره بالله سبحانه، ويبتليه بشيء حتى يرجع إلى الله سبحانه، والإنسان الذي يكون في غفلة وبعد عن رب العالمين، ولا يريد الله به الخير يجعله في عمى، بل في عمه، قال تعالى: فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4]، والعمى والعمه متقاربان، ولكن العمى عمى البصر، وقد يكون عمى القلب، والعمه لا يكون إلا في قلب الإنسان، يعني: في بصيرة الإنسان، فقوله تعالى: فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4] يعني: في غاية العمى والضلالة، فهم بعيدون عن ربهم سبحانه، بعيدون عن طاعة الله رب العالمين سبحانه، فقوله تعالى: فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4]، أي: يتحيرون ويتشككون، لا يعرفون طريقاً يهتدون إليه، قال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] وقال الله سبحانه في سورة الكهف: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103-104] فهو إنسان ضال مستمر في ضلاله حتى يقع وهو يظن أنه على الطريق الصحيح.

    فهؤلاء زين لهم ربهم أعمالهم، قال تعالى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل:4]. وقد خلق الله عز وجل الأشياء فإذا بهؤلاء ينظرون إلى ما أمامهم فتزينت الدنيا لهم فأحبوها، وتكالبوا عليها، ونسوا ربهم سبحانه وتعالى، والإنسان الذي يريد الله عز وجل به الخير يذكره ولا يفتنه مهما تزينت له الدنيا، فيجعل الله له بصيرة ينتبه بها، فيرجع إلى الله يوماً من الأيام، والإنسان البعيد عن ربه إذا تزينت له الدنيا ظن أن الدنيا هي الآخرة، قال تعالى حاكياً عن الكفار: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية:24]، أي: أن الدنيا هي الحياة الأبدية، قال تعالى: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، أي: مرور الأعوام والدهور تهلكنا كما أهلكت الذين من قبلنا، فنحن نأخذ من الدنيا ما نقدر عليه، فتتزين لهم الدنيا فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4]، أي: يتحيرون، ويترددون، ويتشككون، ويتكالبون على الدنيا، وينسون ربهم سبحانه وتعالى.

    فقوله تعالى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل:4]، أي: أعمالهم القبيحة وكفرهم، ويظنون أنهم على الطريقة الصحيحة، فتتزين لهم الدنيا ويتزين لهم هذا العمل، فيفرحون بما هم فيه، فإذا ما عقلوا يوماً من الأيام وهداهم الله تبينت لهم الأشياء على حقيقتها، وعرفوا أنهم كانوا في ضلال، فقد كان أهل الجاهلية يعبدون غير الله، ويظنون أنهم على الصواب، ويتعجبون من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فقد زين لهم الشيطان هذا العمل الذي يعملونه.

    فالله سبحانه خلق الدنيا على جمال معين، وخلق فيها الفتن، وخلق الشيطان والشهوات، وهذه المخلوقات تفتن من فيها إلا أن يعصم الله عز وجل من يشاء من خلقه.

    فقوله تعالى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل:4]، أي: خلقنا في قلوبهم ما يفرحون بهذه الأشياء التي يرونها أمامهم، فخلقنا الشيطان والكفار يفتنون هؤلاء؛ فتزينت لهم الدنيا، وخلقنا لهم أموالاً ففتنوا بهذه الأموال، فجمعوها وفرحوا بها فنسوا ربهم سبحانه وتعالى، وظنوا أنهم على الصواب.

    كذلك تزينت لهم هذه الدنيا فتكالبوا عليها، وقيل: رأوا أعمالهم السيئة حسنة ككفرهم بالله، واستحسنوا هذا الشيء كظلمهم لغيرهم، وقيل: إنهم قالوا أيضاً: زين الله لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها، يعني: بين لهم أن هذه الأعمال حسنة، ومع ذلك لم يعملوا بهذه الأعمال الحسنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون )

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ [النمل:5]، يعني: جهنم والعياذ بالله، وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ [النمل:5]، وهم في الآخرة أخسر الخلق، فهناك إنسان خاسر، وإنسان أخسر، فالخاسر قد يدخل النار فترة ثم ينجيه الله بعد ذلك ويدخله الجنة، فهذا خاسر، ولكن قد يعذبه الله عز وجل ثم يخرجه من النار، وهذا من عصاة الموحدين، أما الأخسرون فلا نجاة لهم أبداً، ولن يخرجوا من النار، وهؤلاء هم الكفار نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم )

    قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل:6] أي: وإنك يا محمد صلوات الله وسلامه عليه تلقى هذا القرآن من الله، فقد آتاك الله عز وجل به عن طريق ملك كريم، فقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) يعني: ينزل عليك هذا القرآن فتتلقاه وتتعلمه وتأخذه، (مِنْ لَدُنْ)، أي: من عند، (حَكِيمٍ عَلِيمٍ.

    فقد جاءك القرآن من عند الله سبحانه، ووصف نفسه بهذين الوصفين وبهذين الاسمين: الحكيم العليم، والقرآن لم ينزل مرة واحدة، فهو قد جاء من عند الحكيم سبحانه، والله أعلم بالذي يصلح لك يا محمد! وما يصلح لهؤلاء، ولو جاء القرآن مرة واحدة ما أطاقوا ذلك، فلحكمة الله سبحانه جعله منجماً ومفرقاً على ثلاث وعشرين سنة، مع أنه

    نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نجم فنزل عليك في أيام وشهور وأعوام على حسب ما تجد من أحداث، وما ينزل الله سبحانه بخصوصها، فالله العليم الذي يعلم ما يصلح لك وما يصلح لهؤلاء، ويعلم من يصدقك ومن يكذبك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً ...)

    وقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل:6]، ختامٌ جميلٌ للمقدمة، وتمهيد لما يسوقه بعد ذلك فيدخل في قصة من القصص، يقول تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ [النمل:7]، وإذ: منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، أي: اذكر وقت قول موسى ذلك لأهله، فقد قتل موسى القبطي وفر إلى الشام خوفاً من فرعون، وهنالك دبر الله عز وجل له أمره، وأغناه من فقره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمره فخرج من الشام وجاء إلى طور سينين، أي: جاء إلى مصر ثانية.

    قال تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ [النمل:7]، أي: زوجته عليه الصلاة والسلام، إذاً: فموسى كان خارجاً من بلاد الشام فجاء إلى مصر، ولما وصل إلى جبل الطور وهو في المكان المبارك قال لأهله: إِنِّي آنَسْتُ [النمل:7]، وآنس بمعنى: أبصر وأحس بشيء أمامه، وقوله تعالى: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا [النمل:7]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع ، وأبي جعفر ، وابن كثير ، وأبي عمرو إِنِّي آنَسْتُ نَارًا [النمل:7].

    وقوله: سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [النمل:7]، يعني: جزم بذلك ثقة في الله سبحانه وتعالى، فإن موسى تاه في الطريق عليه الصلاة والسلام، وهو قادم من الشام إلى مصر، ولما وصل إلى طور سينين تاه، وكانت ليلة باردة شديدة البرد، مظلمة شديدة الظلام.

    فاحتار أين يذهب، وكان لم ينبأ بعد ولم يرسل عليه الصلاة والسلام، فأراه الله عز وجل ناراً من بعيد، فنظر وقال لأهله: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) يعني: يطمئنهم (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ)، أي: سأذهب متوجهاً إليها وآتيكم منها بخبر يدلني على الطريق، أو إذا لم يكن هناك خبر فعلى الأقل: (آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ)، يعني: شعلة من النار، وقراءة الكوفيين عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ، ويعقوب: بِشِهَابٍ قَبَسٍ [النمل:7]، على التنوين في الاثنين، والشهاب: الخشبة التي في آخرها شعلة من النار، والشهاب القبس: المقتبس من هذه النار، فهي جزء من النار مقتبس، وباقي القراء يقرءونها: (بشهاب قبسٍ) على الإضافة، فقوله تعالى: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، يعني: بشعلة من النار مقتبسة من هذه النار التي أراها، ثم قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، الاصطلاء بمعنى: الاستدفاء أي: تستدفئون من شدة البرد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ...)

    فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8].

    أي: لما وصل موسى إلى هذه النار التي ظنها وجد شجرة أمامه خضراء غاية في النضارة، ومع ذلك مشتعلة نارها، فلا ماء الشجرة يطفئ النار، ولا النار تحرق الشجرة، فوقف متعجباً عليه الصلاة والسلام، وهو في غاية العجب ناداه الله عز وجل: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8]، فالله عز وجل نادى موسى بصوت من داخل النار.

    فالله تبارك وتعالى يتكلم بما شاء، ويسمع من شاء من خلقه سبحانه، فقد سمع موسى ربه من النار، فمنها تأتي البركة، قال تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [النمل:8]، أي: من الملائكة، وأنت أيضاً تأتيك البركة من عند رب العالمين، والفعل بارك يتعدى بنفسه، ويتعدى بحرف الجر، وهذا من كلام العرب، يقول: باركك الله، وبارك الله فيك، وبارك الله عليك، وبارك الله لك، فهي تتعدى بذاتها وتقول: باركك الله، يعني: جعل فيك البركة.

    فقوله تعالى: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ [النمل:8]، يعني: جاءت البركة من داخل هذه النار أو النور الذي تراه، والبركة لما حولها، ولذلك فإن طور سيناء معناه: الجبل المبارك، وكذلك طور سينين، طور بمعنى: الجبل، وسيناء وسينين بمعنى: المبارك.

    فهو الوادي المبارك، أو الجبل المبارك، أو الأرض المباركة التي بارك الله عز وجل فيها، قال تعالى: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8]، تنزيه لرب العالمين سبحانه حتى لا يظن أحدٌ أن الله يحل بذاته في مكان مثلاً، أو أن الله هو هذا النور الذي أمامه أو هذه النار التي أمامه، فسبح ربك يا موسى! فليس كمثله شيء سبحانه وتعالى.

    فالله عز وجل أسمعك الصوت من ههنا، والله فوق سمواته بائن من خلقه، قال تعالى: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8]، تقدس الله تبارك وتعالى وجل وعز وعلا أن يشبهه شيء سبحانه؛ لذلك عقب هنا بالتسبيح لله سبحانه والتقديس، فالله لا يشبهه شيء سبحانه.

    قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8]، أي: الرب الخالق، الرب المربي، الرب المدبر للكون وللعالم كله، بل للعالمين كلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( يا موسى إنه أنا الله ... إني لا يخاف لدي المرسلون )

    قال الله تعالى: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل:9].

    هنا ذكر الله في سورة القصص: إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص:30]، وفي طه: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12]، وفي هذه السورة قال: يَا مُوسَى إِنَّهُ [النمل:9]، والضمير ضمير الشأن يعني: إن الأمر أنا الله رب العالمين، والشأن أنني أخاطبك، وقال الله سبحانه في سورة طه: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه:12]، حتى تنال من بركة هذا الوادي المقدس، وحتى تؤدي حق الاحترام في هذا المكان، فاخلع نعليك، وفي هذه السورة قال: يَا مُوسَى إِنَّهُ [النمل:9]، وكأنه يقول: يَا مُوسَى [النمل:9]، إن الأمر: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل:9]، سبحانه وتعالى، أي: أنا العزيز، أنا الغالب، أنا الذي إذا أردت شيئاً فلا بد أن يكون، فالله عز وجل أمره في قوله: كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117]، فهو الحكيم، أي: له الحكمة العظيمة البالغة سبحانه وتعالى.

    وَأَلْقِ عَصَاكَ [النمل:10]، فحتى يخبره بأنه نبي رسول فلا بد أن يريه آيةً من قدرة الله رب العالمين، فكانت أول آية: هي النار في هذه الشجرة.

    والآية الثانية: وَأَلْقِ عَصَاكَ [النمل:10]، وفي سورة القصص قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص:31]، فخاف موسى عليه الصلاة والسلام في هذا المكان، فهو لوحده في زعمه أو في ظنه، قال سبحانه في سورة النمل: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ [النمل:10]، وفي سورة طه قال: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20]، وفي سورة الأعراف قال: فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف:107] فخاف موسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى في سورة النمل: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ [النمل:10]، والجان والجنان يعني: الحيات، أي: تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا [النمل:10]، حية من الحيات، قال تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا [النمل:10]، أي: خاف موسى وأخذ يجري خوفاً من الحية. وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10] أي: لم ينظر وراءه من شدة الخوف والرعب.

    ومقصود رب العالمين سبحانه وتعالى الامتحان بالتخويف، فإذا رأى في هذا المكان الموحش مثل هذه النار في هذه الشجرة، ورأى في هذا المكان ظلمة ثم حية، فجرى فاراً من الخوف الشديد، فإن الله سبحانه يعلمه الثبات ويمرنه على ذلك، فيرجع موسى إلى شجاعته ورباطة جأشه، حتى يعرف كيف يواجه فرعون بعد ذلك.

    فكأن المقصود من الله عز وجل التخويف لنبيه عليه الصلاة والسلام حتى يعتاد الشجاعة بعد ذلك، فإن موسى عليه الصلاة والسلام: وَلَّى مُدْبِرًا [النمل:10]، أي: هرب، وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10]، يعني: لم ير وراءه ولم يرجع، فناداه ربه سبحانه: يَا مُوسَى لا تَخَفْ [النمل:10]، وفي سورة القصص قال: يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ [القصص:31]، وقال هنا في سورة النمل: إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل:10]، وفي سورة القصص قال: إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31]، أي: ارجع يا موسى! إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31]، وهذه بداية تفهيم لموسى أنه سيكون رسولاً، والرسل لا يخافون عند الله سبحانه، قال تعالى: إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل:10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء ... إني غفور رحيم)

    ثم يشير الله سبحانه إلى أنه لا يخاف إلا من عمل عملاً سيئاً، قال تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [النمل:11]، واستثنى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ [النمل:11]، وقد يقع النبي من الأنبياء عليه الصلاة والسلام قبل البعثة وقبل الرسالة في خطأ من الأخطاء، وموسى عليه الصلاة والسلام خرج من مصر وقد وكز قبطياً فقتله، ثم قال تائباً إلى ربه: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص:16].

    فموسى قتل قبطياً، وهنا ذكر الله عز وجل أنه من المرسلين، فلو أنهم أخطئوا قبل الرسالة وتابوا فالله يتوب عليهم، فقوله تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ [النمل:11]، أي: فمن ظلم كما فعلت أنت، وقتل نفساً بغير جرم، وبغير إذن من الله سبحانه، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا [النمل:11]، وتاب إلى الله من بعد هذه الإساءة، قال سبحانه: فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [النمل:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ...)

    ثم أعطاه آية أخرى، قال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل:12]، فهذه آيات: النور أو النار في هذه الشجرة، ثم العصا التي انقلبت ثعباناً أو حية، ثم اليد، قال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [النمل:12] وقال في سورة القصص: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [القصص:32].

    وجيب الإنسان: المكان الذي يدخل منه رأسه في القميص، أي: ضع يدك داخل جيب القميص وأخرجها مرة أخرى، تَخْرُجْ بَيْضَاءَ [النمل:12]، في هذه الظلمة مثل نور الشمس، مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل:12] أي: لها شعاع لا يؤذي هذه اليد ولا يحرقها، وليس فيها أذى، فليس فيها برص ولا بهق ولا مرض من الأمراض، ولكن نور من الله عز وجل في يده، قال تعالى: فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النمل:12]، ذكر هنا قومه، وفي سورة القصص قال: وملأه، الملأ من القوم: هم الأشراف والعلية من القوم، والقوم: كل الناس الذين حول الملك، فقال هنا: فِي تِسْعِ آيَاتٍ [النمل:12]، يعني: سنؤتيك هذه الآيات من ضمن آيات أخرى سنؤتيكها بعد ذلك.

    فالله سبحانه وتعالى أعطاه اليد، وأعطاه العصا، فهاتان آيتان، قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130]، وقال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، فهذه تسع آيات من رب العالمين سبحانه.

    فكأنه قال: هذه آيات من ضمن تسع آيات سنؤتيكها: إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل:12]، أي: خارجين عن طاعة رب العالمين سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ...)

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً [النمل:13]، وانظر إلى الاختصار لهذه القصة، فهو يذكرها في مكان آخر فيطيل فيها إطالة محببة جميلة، فنفهم منها ما يريد الله سبحانه، وهنا يختصر اختصاراً كإشارات ورموز معينة.

    فقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً [النمل:13]، أي: بينة عظيمة مشاهدة أمام الأعين من شدة وضوحها، والإنسان هو الذي يبصر ويصدق، ولكن من شدة وضوح الآيات كأنها هي نفسها ترى هؤلاء القوم.

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً [النمل:13]، أي: بينة واضحة، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [النمل:13].

    وعرفنا أن السحرة: هم الذين آمنوا بالآيات، وأن فرعون أصر على ما هو فيه، وجحد فرعون أي: كذب وعاند مع معرفته بالحق، قال تعالى: وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، أي: فهم في أنفسهم مصدقون أن موسى صادق عليه الصلاة والسلام، ولكن ملك فرعون يمنعه من أن يترك الدنيا، وذلك قول الله سبحانه: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل:4]، فالملك وما هو فيه يمنعه من أن يؤمن مع موسى؛ لأنه يعتقد أنه إذا آمن فسيضيع عليه ملكه، قال تعالى: وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، أي: ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، والعلو: هو التعالي والتجبر والاستكبار، قال تعالى: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14]، أي: فانظر ماذا فعلنا بفرعون، وكيف أغرقناه، وأهلكناه، ودمرناه ومن معه، وكأنه يقول لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وكذلك تكون عاقبة كل إنسان مفسد كعاقبة هؤلاء المفسدين.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.