إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [104 - 112]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كتب الله أن العاقبة للمتقين، وأنه يورث الأرض عباده الصالحين، وقد امتن على البشرية بأن أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأوحى إليه لينذر الناس ويدعوهم إلى دين الله، فإن أجابوا أفلحوا، وإن أعرضوا فالحكم لله وهو المستعان على ما يصفون.

    1.   

    عقوبة أهل النار

    الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [الأنبياء:104-112].

    هذه هي الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة، سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يخبرنا فيها ربنا تبارك وتعالى عما يكون يوم القيامة من عقوبة لأهل النار، ومن ثواب لأهل الجنة.

    فأما المشركون الذين عبدوا غير الله فقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه: جعلهم حطباً لجهنم، فقال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] أي: وقود لها، كما قال تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24]، والمقصود بالناس هنا الكفرة المشركون، والحجارة أي: التي كانوا يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:98-100]. فهؤلاء هم أهل النار الذين يخلدون في نار جهنم، والعياذ بالله.

    لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ [هود:106] أي: أصوات كنهيق الحمير، وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100]، أي: لا يسمعون كلاماً يطمئنهم أو يريحهم، أو كلاماً فيه رحمة، فلا يسمعون إلا صوت العذاب، ولا يسمعون إلا لهيب النار، وصوت حركتها وحسيسها.

    1.   

    ثواب أهل الجنة

    وأما المؤمنون الذين من الله عز وجل عليهم، وسبقت لهم من ربهم سبحانه وتعالى الحسنى، فقد قال تعالى عنهم: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101]، أي: وعدهم الله عز وجل بالجنة، وخلقهم حين خلقهم وهو يعلم أنهم لهذه الجنة صائرون، فقد قال تعالى مخبراً عن جزائهم: أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]، أي: عن النار مبعدون.

    لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:102] أي: صوتها، وحس الحركة: لهيبها.

    وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء:102-103]، أي: لا يحزنهم يوم القيامة، ولا يحزنهم تفرق الناس، فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق شقي وفريق سعيد، فلا يحزنون يوم القيامة فقد طمأنهم الله سبحانه.

    وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]، فيستبشرون بكلام الملائكة لهم، ويستبشرون بهذا اليوم، حيث إنهم صائرون إلى الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ...)

    يوم القيامة قال سبحانه وتعالى مخبراً عنه: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].

    فقوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ [الأنبياء:104]، مثل قوله تعالى: وَالسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، سبحانه وتعالى.

    فتخيل هذه السماوات التي خلقها الله تبارك وتعالى ولم نر منها إلا الشيء اليسير من هذه النجوم والكواكب، والأجرام المواجهة للأرض، فكم يكون حجمها؟! إن حجمها عظيم لا يتخيل، وجميعها يطويها الله تبارك وتعالى، فيطوي السماوات كلها بيمينه.

    وقوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104]، فالسجل هو جلدة الكتاب وما بداخلها، فهو الكتاب نفسه، فكأنه يقول: الصفحات نطويها، ويغلق الكتاب على ما فيه.

    فيطويها كلها ويقفلها على بعضها، ويضم بعضها إلى بعض سبحانه وتعالى، قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقرأ أبو جعفر : يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب .

    وأما قراءة: لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104]، فهي قراءة حفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي وخلف ، وأما باقي القراء فقرءوا: للكتاب.

    والمعنى: أنك كما تطوي الكتاب وتغلقه، فيضم بعضها إلى بعض، وهذا الكلام الذي يقوله علماء الفلك اليوم، فهم يقولون: إن الكون كله كان شيئاً واحداً، ثم انفجر انفجاراً عظيماً، فلا يزال يتباعد، ويوسع الله عز وجل السماوات والأجرام، ويبعد بعضها عن بعض إلى درجة معينة، هذا هو كلام علماء الفلك، ولا يهمنا كلامهم بشيء، إلا أنه قد قاله الله عز وجل من قبل.

    فقد أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرضين، وأنه سيجمعهم مرة ثانية، هؤلاء علماء الفلك الكفار يقولون: إن السماوات والأرض سيرجعن وينضم بعضهن إلى بعض، وقد أخبر سبحانه وتعالى بهذه الحقيقة وأنه سيوسع هذا الكون كما قال سبحانه: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، فهو يوسع الكون لدرجة معينة حسب كلام علماء الفلك، وسيصل إلى أن سرعة الاتساع تقل وتقل، حتى يصبح الكون هو القوة الطاردة المركزية التي تبتعد لبعيد، وتصبح قوة الشد بين الكواكب مع بعضها متساوية، ثم لابد في النهاية من أن تزيد واحدة على الأخرى، وهنا يبتدئ الاقتراب حتى تنكمش كلها في الأرض، وهنا تطوى السماوات والأرضون، وكل شيء يطوى مرة أخرى.

    لا يهمنا نحن المسلمين ما وصلوا إليه، ولكن الذي يهمنا أن هذا الكلام قد قاله الله عز وجل قبل أن يعرفوا شيئاً من ذلك، فقد أخبر الله عز وجل أنه يعيد الخلق مرة ثانية، كما قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، لقد طوى الجميع، وبدل السموات والأرضين بما يشاء سبحانه وتعالى، وهذه كقوله تعالى في هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ [الأنبياء:104]، أي: بدأنا الخلق الأول، وسنعيده مرة ثانية، فنعيد السموات، ونعيد الأرض غير هذه الأرض، فتكون الجنات، ويكون ما لا نراه الآن، فيظهره الله عز وجل بعد ذلك، كما قال: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104].

    وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، وأول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم تلا هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104])والحديث رواه مسلم ، ولفظه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة، فقال: يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً) يعني: مثلما خلق الإنسان، وخرج إلى الدنيا حافياً عارياً غير مختون، كذلك يحشر يوم القيامة على هذه الصورة.

    قال: (وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ...)

    قال الله عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    يخبر تعالى هنا أنه وعد وكتب عنده في الكتب السماوية: أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، ولابد من أن يكون هذا الشيء.

    وقد اختلف المفسرون هنا في المراد بهذه الأرض، فبعضهم ذكر أنها هذه الأرض التي في الدنيا، يعني: أن الله عز وجل يفتح لدينه، فإذا بالناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وتفتح الأرض لدين الإسلام، ولا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر وأهله.

    ولذلك قال هنا: وَعْدًا عَلَيْنَا [الأنبياء:104]، إذاً: هنا الأرض مثلما كانت مكة للمؤمنين مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان وعداً من الله عز وجل أن يجعل المستضعفين هم الذين يمكنون في الأرض، فكذلك جعل لهذه الأمة التمكين يوماً من الأيام.

    فإذا اقتربت الساعة، ونزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لم يبق على الأرض دين إلا الإسلام، فالمسيح عليه السلام لا يقبل الجزية من نصراني أو يهودي، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يكون إلا دين الله عز وجل الذي هو دين الإسلام فقط، وهو الذي يحكم به المسيح صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم بعد ذلك يرسل الله عز وجل ريحاً، فتقبض أرواح المؤمنين جميعاً، ولا يبقى إلا شرار الخلق، فيرجعون إلى الكفر مرة ثانية، ولا يعرفون لهم إلهاً حتى يفنيهم الله، وعليهم تقوم الساعة.

    فالمقصود أن الله عز وجل وعد المؤمنين بأنه سيورثهم هذه الأرض بالفتوحات والنصر منه تبارك وتعالى كما يشاء.

    والمعنى الآخر: أن المقصود بالأرض في الآية الجنة، يعني: أن الله عز وجل كتب أنه يورث هذه الجنة لعباده الصالحين، قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105] والزبور هنا معناه: المزبور، وهو المكتوب، فالزبور هنا بمعنى: الكتاب، وهو الصحيفة أو الصحف التي نزلت على داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وقيل: إن الزبور كل الكتب السماوية، والزبر: الكتب.

    وفي هذه الآية قراءتان: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ [الأنبياء:105]، هذه قراءة الجمهور.

    وقرأ حمزة وخلف : ولقد كتبنا في الزبور .

    الزبور إما جمع زبر بمعنى: صحيفة أو مكتوب، أو جمع زبر بمعنى: كتاب، أو جمع زبور بمعنى: كتاب.

    فعلى ذلك قالوا في قوله تعالى: فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105]، الذكر: أم الكتاب الذي هو عند الله عز وجل، وهو: أصل الكتاب في اللوح المحفوظ الذي عند الله، فنسخ من هذا اللوح المحفوظ إلى الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء والمرسلين، وهي التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والقرآن العظيم، وزبور داود، فكتب الله عز وجل في اللوح المحفوظ، ونسخ من اللوح المحفوظ في هذه الكتب السماوية: أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    وقيل: بل معنى الزبور: زبور داود ، وإن القرآن كتب من قبلها، قالوا: فالذكر المقصود به هنا القرآن، ولذلك قالوا: إن المقصود بقوله تعالى هنا: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105]، أي: من بعدما كتبنا ذلك في القرآن والزبور وأنزلنا هذه الكتب: أن الأرض بوعد من الله عز وجل يورثها عباده الصالحين، فقال: أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]

    وعِبَادِيَ [الأنبياء:105] فيها قراءتان:

    قراءة الجمهور: (عباديَ الصالحون)، بالفتح.

    وقراءة حمزة : (عباديْ الصالحون)، بالسكون.

    فإذا وقف عليها فـيعقوب يقف: عِبَادِيَ الصَّالِحُونَه بهاء السكت.

    تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً...)

    قال تعالى: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: بَلاغٌ [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.

    فقوله تعالى: إِنَّ فِي هَذَا [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.

    بيان إرسال الرسول رحمة للعالمين

    قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله عز وجل أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله عز وجل جميعاً.

    ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك.

    ولما آذوه أشد الأذى صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة. أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين.

    وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال صلى الله عليه وسلم: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله عز وجل للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96].

    وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله عز وجل الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله عز وجل بالرزق العظيم لعباده الصالحين.

    وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين).

    وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي.

    وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب).

    وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي صلى الله عليه وسلم صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث.

    (خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين.

    فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟- قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله عز وجل له.

    قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره صلى الله عليه وسلم في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة.

    (ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي صلى الله عليه وسلم وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة.

    قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا. فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا.

    فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين.

    (قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب).

    فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله عز وجل أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك.

    ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـمسلم : (فخلوا به صلى الله عليه وسلم)، فكأنهما ضايقا النبي صلى الله عليه وسلم عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما).

    والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته صلى الله عليه وسلم، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما.

    قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً).

    يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالإمكان أن يسكت بدلاً من أن يلعن، ولكنه هنا كأنه خير بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن تؤذي هؤلاء وتعاقبهم، أو نحن نعاقبهم، فكأنه إن تركهم فإن الله سيعاقبهم عقاباً شديداً بنار جهنم، أو يعاقبهم بهذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم.

    فمن رحمته صلى الله عليه وسلم أن اختار الأهون، وهو أنه يشتمهما ويسبهما على ما شارط ربه عليه إن كانا لا يستحقان السب أو اللعن، فيكون كأنه يدعو لهما صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخرهما لعقوبة رب العالمين، فهذه رحمته.

    ومن الأحاديث الكثيرة التي جاءت مخبرة أنه رحمة من رب العالمين:

    ما رواه أبو داود عن عمرو بن أبي قرة وذكر: أن حذيفة رضي الله عنه كان بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق أناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان رضي الله عنه فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول.

    فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك إلى سلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان.

    ومعنى الرواية: أن حذيفة وهو في المدائن يكلم الناس ويقول لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرة لعن أبا فلان، ومرة قال لفلان كذا، ويذكر أشياء وقعت، فكانوا يذهبون إلى سلمان ويخبرونه بقول حذيفة ، فـسلمان يقول: حذيفة أعلم، لا يقول: صدق، ولا يقول: كذب، فكأن حذيفة غضب لهذا الشيء.

    فذهب يعاتب سلمان ، وسلمان رضي الله تبارك وتعالى عنه فقيه، وعالم عظيم، وقد مدحه النبي صلوات الله وسلامه عليه، بقوله: (سلمان منا أهل البيت)، فقد أوتي علماً من عند رب العالمين.

    فلما ذهب حذيفة إلى سلمان يعاتبه: لماذا لا تقول لهم إني صادق فيما أقول؟ فقال سلمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، والمعنى: أنه إذا غضب لعله يلعن أناساً، ولكن هذه اللعنة مشروطة بشرط بينه وبين رب العالمين، فأنت لا تدري هل هذا مستحق للعن أو ليس مستحقاً له.

    يقول سلمان رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لأناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالاً حب رجال، ورجالاً بغض رجال!

    أي: أنت عندما تحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر أبا فلان أو لعنه فأنت ستجعل الناس يكرهون هذا الإنسان ويكرهون ابنه، فاترك هذا الأمر، ولا تحدث بهذا الشيء.

    ثم قال رضي الله تبارك وتعالى عنه: ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: (أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة).

    ثم قال سلمان رضي الله عنه: والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر.

    أي: ليس كل شيء تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه سب فلاناً أو لعن فلاناً تبلغه للناس، فيكرهون الناس على حسب هذا، فلا تبلغ هذه الأشياء، وإذا بلغتها فلا تذكر اسم هذا الإنسان، حتى لا يكره الناس بعضهم بعضاً.

    وصدق رضي الله تبارك وتعالى عنه، وما كذب حذيفة رضي الله عنه، فقد كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين، ولكن أراد سلمان أن لا تتفكك الأمة بهذا الكلام، ولذلك نهاه رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له: سنبعث لـعمر ونكتب له رضي الله عنه، فالغرض بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً...)

    قال تعالى: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: بَلاغٌ [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.

    فقوله تعالى: إِنَّ فِي هَذَا [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

    قال تعالى: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: بَلاغٌ [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.

    فقوله تعالى: إِنَّ فِي هَذَا [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.

    وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للكفار

    قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله عز وجل أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله عز وجل جميعاً.

    ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك.

    ولما آذوه أشد الأذى صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة. أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين.

    وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال صلى الله عليه وسلم: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله عز وجل للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96].

    وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله عز وجل الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله عز وجل بالرزق العظيم لعباده الصالحين.

    وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه.

    معرفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين

    فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين).

    وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي.

    وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب).

    وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي صلى الله عليه وسلم صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث.

    (خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين.

    فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟- قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله عز وجل له.

    قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره صلى الله عليه وسلم في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة.

    (ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي صلى الله عليه وسلم وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة.

    قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا. فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا.

    فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين.

    (قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب).

    فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله عز وجل أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    شتم النبي ودعاؤه على إنسان ينقلب رحمة وتطهيراً

    وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك.

    ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـمسلم : (فخلوا به صلى الله عليه وسلم)، فكأنهما ضايقا النبي صلى الله عليه وسلم عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما).

    والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته صلى الله عليه وسلم، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما.

    قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً).

    يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالإمكان أن يسكت بدلاً من أن يلعن، ولكنه هنا كأنه خير بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن تؤذي هؤلاء وتعاقبهم، أو نحن نعاقبهم، فكأنه إن تركهم فإن الله سيعاقبهم عقاباً شديداً بنار جهنم، أو يعاقبهم بهذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم.

    فمن رحمته صلى الله عليه وسلم أن اختار الأهون، وهو أنه يشتمهما ويسبهما على ما شارط ربه عليه إن كانا لا يستحقان السب أو اللعن، فيكون كأنه يدعو لهما صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخرهما لعقوبة رب العالمين، فهذه رحمته.

    سب النبي ولعنه وقت الغضب يكون صلاة يوم القيامة

    ومن الأحاديث الكثيرة التي جاءت مخبرة أنه رحمة من رب العالمين:

    ما رواه أبو داود عن عمرو بن أبي قرة وذكر: أن حذيفة رضي الله عنه كان بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق أناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان رضي الله عنه فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول.

    فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك إلى سلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان.

    ومعنى الرواية: أن حذيفة وهو في المدائن يكلم الناس ويقول لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرة لعن أبا فلان، ومرة قال لفلان كذا، ويذكر أشياء وقعت، فكانوا يذهبون إلى سلمان ويخبرونه بقول حذيفة ، فـسلمان يقول: حذيفة أعلم، لا يقول: صدق، ولا يقول: كذب، فكأن حذيفة غضب لهذا الشيء.

    فذهب يعاتب سلمان ، وسلمان رضي الله تبارك وتعالى عنه فقيه، وعالم عظيم، وقد مدحه النبي صلوات الله وسلامه عليه، بقوله: (سلمان منا أهل البيت)، فقد أوتي علماً من عند رب العالمين.

    فلما ذهب حذيفة إلى سلمان يعاتبه: لماذا لا تقول لهم إني صادق فيما أقول؟ فقال سلمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، والمعنى: أنه إذا غضب لعله يلعن أناساً، ولكن هذه اللعنة مشروطة بشرط بينه وبين رب العالمين، فأنت لا تدري هل هذا مستحق للعن أو ليس مستحقاً له.

    يقول سلمان رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لأناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالاً حب رجال، ورجالاً بغض رجال!

    أي: أنت عندما تحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر أبا فلان أو لعنه فأنت ستجعل الناس يكرهون هذا الإنسان ويكرهون ابنه، فاترك هذا الأمر، ولا تحدث بهذا الشيء.

    ثم قال رضي الله تبارك وتعالى عنه: ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: (أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة).

    ثم قال سلمان رضي الله عنه: والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر.

    أي: ليس كل شيء تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه سب فلاناً أو لعن فلاناً تبلغه للناس، فيكرهون الناس على حسب هذا، فلا تبلغ هذه الأشياء، وإذا بلغتها فلا تذكر اسم هذا الإنسان، حتى لا يكره الناس بعضهم بعضاً.

    وصدق رضي الله تبارك وتعالى عنه، وما كذب حذيفة رضي الله عنه، فقد كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين، ولكن أراد سلمان أن لا تتفكك الأمة بهذا الكلام، ولذلك نهاه رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له: سنبعث لـعمر ونكتب له رضي الله عنه، فالغرض بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي إلهكم إله واحد ...)

    قال الله سبحانه: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنبياء:108].

    أي: فهذا الوحي الذي جئتكم هو: أن تعبدوا الإله الواحد سبحانه الذي كنتم تتعجبون منه، وتقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5] فقال: أنا جئتكم بذلك لأن تعبدوا إلهاً واحداً لا شريك له.

    فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الأنبياء:108]، أي: هل تسلمون لرب العالمين أنفسكم ووجوهكم وقلوبكم وأعمالكم، فتكون خالصة له سبحانه، فإذا أسلموا فهو خير لهم، وأما: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء:109] يعني: أعلمتكم على سواء.

    وكلمة: (على سواء) هنا معناها: أن ما أجهر به مثل ما أخفيه، فهما سواء، بمعنى: لا أقول لكم شيئاً وأخفي عنكم غيره، فلا أغدر ولا أخلف ولا أكذب، وإنما الذي أقوله بلساني هو في قلبي، فقد آذنتكم وأعلمتكم علماً نستوي نحن وأنتم فيه، ونستوي في العلم أن مرجعنا إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه لا مودة بيننا وبينكم.

    قال تعالى: وَإِنْ أَدْرِي [الأنبياء:109]، (إن) بمعنى ما، أي: ما أدري.

    أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [الأنبياء:109]، أي: يوم القيامة الذي أنتم تستعجلون به، لا أدري هل هو قريب أم بعيد؟

    وقوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [الأنبياء:110].

    أي: إن الله تبارك وتعالى يعلم الجهر وما تنطقون به، ويعلم ما تكتمون.

    ثم قال تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأنبياء:111].

    وَإِنْ أَدْرِي [الأنبياء:109]: لعله عائد على الإمهال، أي: إن الله أمهلكم ولا أدري أقريب أم بعيد هذا الإمهال! فلعل ذلك يكون اختباراً لكم وفتنة وامتحاناً ومتاعاً تمتعون به في هذه الدنيا، حتى يأتيكم الأجل.

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء:112].

    أي: قال النبي صلى الله عليه وسلم داعياً ربه، كما قال المرسلون قبل ذلك، فإنهم سألوا ربهم سبحانه وتعالى فقالوا: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89].

    كذلك قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: قل ذلك، ولذلك قرأ الجمهور: قل رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ.

    وقرأ حفص وحده عن عاصم من القراء: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء:112].

    والقراءتان في الآية لهما معنيان، فكأنه قال له ربه: قل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ [الأنبياء:112].

    وقرأ الجمهور: ربِّ .

    وقرأ أبو جعفر : ربُّ احكم بالحق ، يعني: يا رب! احكم بالحق.

    وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [الأنبياء:112] يعني: يا رب! افتح بيننا وبينهم، وأظهر حكمك في هؤلاء، وربنا تبارك وتعالى هو الرحمن، ومن رحمة رب العالمين أن أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وأمهل هؤلاء لعلهم يؤمنون، ولم يعاجلهم بالعقوبة، وقد آمن كثير من هؤلاء الذين كانوا من أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [الأنبياء:112]، أي: نستعين برب العالمين على ما تقولون من أقوال شركية، وعلى ما تفترون على الله من الكذب، وعلى ما تتهمون به النبي صلى الله عليه وسلم، من قولكم: كاهن وساحر ومجنون وكذاب وغير ذلك، فهو المستعان سبحانه وتعالى على ما تقولون، وما تصفون.

    نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً نافعاً، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.