إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [78 - 80]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله سبحانه وتعالى قصة داود وسليمان إذ حكما في قضية الغنم التي أكلت العنب، وبين سبحانه أن سليمان كان حكمه أرفق بسبب ما حباه سبحانه من الفهم، وقد أخبر سبحانه أنه آتى داود وسليمان علماً وحكماً كانا من خلاله يقضيان بين الناس، إلا أنه أعطى سليمان في مسائل الحكم ما لم يعط داود، كما أنه سبحانه جعل الجبال والطير تسبح مع داود، وعلمه صنعة الدروع التي تقي الناس بأسهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء:78-80].

    يذكر الله عز وجل لنا في هذه الآيات ذكراً عن داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهذه السورة مذكور فيها ستة عشر نبياً.

    الثامن والتاسع على ترتيب السورة هما داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ [الأنبياء:78]، وهما منصوبان بفعل محذوف مقدر، تقديره: واذكر سليمان وداود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين كانا يحكمان في الحرث، قيل: كان كرماً -أي عنباً- عناقيده مدلاة.

    إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78]، وهم رعاة الغنم، فقد دخلت غنمهم في الليل في هذا المكان وتناولت الزرع فنفشته أي: رعت فيه، فأكلت عناقيد العنب بالليل، فمعنى: نفشت أي: رعت في الليل، وأصل النفش هو الرعي للإبل أو للغنم بالليل.

    قال سبحانه: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء:78] يعني: ناظرين للحاكم وللمحكوم، فالذي حكم داود وسليمان، والمحكوم عليهم هم الخصوم.

    وداود هو الأب، وسليمان ابنه عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وداود ملك ونبي وسليمان ملك ونبي عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن في هذه القصة إشارة إلى أن داود كان كبيراً، وسليمان كان صغيراً، والله سبحانه وتعالى علم الاثنين فجعل هذا نبياً وهذا نبياً، وأعطى لكل منهما حكماً وفهماً، وفي هذه القصة أمر واضح، وهو أن سليمان فهم ما لم يفهمه داود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وقوله: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، أي: الاثنين على علم وعلى حكم من الله عز وجل، ولكن فهمنا سليمان هذه المسألة وغيرها من المسائل، وجعلناه يفهم ويستوعب ما لم يفهمه داود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان ...)

    اجتهاد الأنبياء في الحكم

    قال سبحانه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] والتفهيم فضل من الله يعطيه الإنسان فيشعر أن الخطأ في كذا والصواب في كذا.

    فهما نبيان اجتهدا، والنبي إذا اجتهد يكون مأجوراً في اجتهاده، وهل يمكن أن يجتهد النبي ويخطئ؟

    نقول: يمكن أن يجتهد ويخطئ، لكنه إذا أخطأ لا يقر على الخطأ، وهذا هو الفرق بين الحاكم وبين النبي.

    والوحي مستحيل أن يقع الخطأ ولا يصححه، والنبي لا يقع في الكبائر، والراجح أنهم مبتعدون عن الصغائر لا يقعون فيها، ولكن قد يكل الله عز وجل حكم مسألة لاجتهاد نبي من الأنبياء، ويترك له أن يحكم فيها، فقد يخطئ وقد يصيب، لكن الفرق بينه وبين غيره أنه إذا أخطأ لا يقر على خطئه، بل ينزل عليه الوحي يصوب له ما أخطأ فيه.

    فمن هذا الباب كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بين أصحابه، ويقول: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع)، فهو صلى الله عليه وسلم يقضي في المسألة بالبينة وبالشهود، وهذا هو المطلوب منه شرعاً، ولكن إذا أخطأ الشهود أو كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يعلمه ذلك، ولم ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل قضاء قضاه بين اثنين لحكمة من رب العالمين سبحانه، وهي أنه لو كان كل قضاء يقضيه بين الناس ينزل عليه فيه الوحي، فكيف سيصنع الخليفة الذي سيأتي من بعده إذا أراد أن يقضي بين الناس؟ لاشك أنه سيخاف أن يخطئ في الحكم وسيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً وكان الوحي ينزل عليه، فحتى لا يقع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بنحو مما يسمع، فيسمع من الشهود طالما أنهم ثقات، والخطأ في النهاية هم الذين سيتحملونه.

    فالأنبياء يقضون بين الخلق، وقد ينزل الوحي فيبين من هو صاحب الحق، مثل الرجل الذي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاختصم مع رجل آخر، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم فأقسم، وقال: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء، فنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أن هذا حلف كاذباً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعط الرجل ماله وقد غفر الله لك بتوحيدك) أي: أن هذا الإنسان حين قال في حلفه: والله الذي لا إله إلا هو استحضر عظمة الله عز وجل وتوحيده فكان هذا الحكم خاصاً بهذا الرجل فقط، أو كان قبل أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم الحكم الجديد وهو أن اليمين الغموس صاحبها في النار.

    فهذه قضية من القضايا التي حلف فيها رجل كاذباً أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي يخبره أنه كاذب.

    لكن هل في كل قضية من قضاياه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي؟ لا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذ أو فليذر).

    وحتى لا يساء الظن في داود يقول الله: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، أي: أن الاثنين على علم عظيم لا تعلمه أنت، فلا تنكر عليهما شيئاً مما صنعوا.

    فقد آتينا سليمان فهماً أعظم في هذه المسألة، ففهم ما لم يفهمه داود عليه الصلاة والسلام، فكان حكمه أرفع من حكم داود.

    حكم داود وسليمان في الغنم التي نفشت في الزرع

    والقصة أن الخصوم جاءوا إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أحدهم يشكو أنه صاحب زرع والبعض الآخر كانوا أصحاب أغنام وقد تركوا الغنم ترعى بالليل فاقتحمت البستان فأكلت العنب الموجود فيه.

    فكان حكم داود عليه الصلاة والسلام أن الغنم لصاحب البستان.

    فلما خرج الخصوم على سليمان عليه الصلاة والسلام سألهم عن الحكم، فقالوا: كذا، فقال: لعل الحكم غير هذا، فانصرفوا معي، فانصرفوا معه فذهب إلى أبيه فقال: يا نبي الله -هذا خطاب الابن لأبيه- إنك حكمت بكذا وكذا -ما قال له إن هذا الحكم خطأ- ولكن قال: وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع، قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه.

    إن حكم سليمان عليه الصلاة والسلام كان أرفق، وحكم داود لم يكن خطأً، ولكن التسديد من الله عز وجل كان لسليمان، فحين وجد داود أن الزرع الذي أكلته الغنم قيمته تساوي قيمة الغنم، حكم بأن الغنم لصاحب البستان فيكون حكمه صحيحاً، وحكم سليمان عليه الصلاة والسلام كان أرفق من حيث إن أصحاب الغنم ليس عندهم من المال غيرها، فحتى لا يكونوا بغير مال حكم بأخذ الغنم منهم فترة معينة، ينتفع بها أصحاب الزرع، حتى إذا زرع أصحابها البستان ونما الكرم أخذ أصحاب الغنم أغنامهم وأصحاب البستان بستانهم، فكان حكمه أرفق من حكم داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال داود: (وفقت يا بني، لا يقطع الله فهمك) أو كما ذكر.

    وهذا مروي عن ابن مسعود وعن مجاهد وعن غيرهم، فيكون الحكم شرعياً، حكم به نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام، ولما كان الحكم الآخر أرفق نقض الحكم الأول، فحكم به داود عليه السلام.

    حكم داود وسليمان بين المرأتين اللتين أكل الذئب ولد إحداهما

    وهل هذه القصة هي الوحيدة؟

    لا، فقد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه حصل مثل هذا، قضية يحكم فيها داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام بحكم مما اجتهد فيه، ويحكم سليمان بحكمه الصائب في ذلك.

    من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك أنت). كل واحدة منهما لا تعرف هل أخذ الذئب ولدها أم ولد صاحبتها لكن الخوف من الزوج حمل كل واحدة على أخذ الذي نجا من الذئب لتعود به إلى زوجها، فتحاكمتا إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى.

    ولا يجوز أن تسيء الظن بداود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وتظن أنه قضى به للكبرى لأجل كبرها، بل إنه اجتهد واستفرغ وسعه في الاجتهاد في القضية حتى وصل في النهاية إلى أن هذا الولد ابن للكبرى.

    المرأة الكبرى أخذت الولد وانطلقت به فمرت على سليمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فخرجتا على سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى).

    إذاً: الله سبحانه آتى سليمان فهماً لم يؤته لداود في مسائل الحكم.

    حكم داود سليمان في المرأة التي شهد عليها بالزنا زوراً

    ويوجد قضية ثالثة من هذه القضايا ذكرها الحافظ ابن كثير نقلاً عن ابن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس : (أن امرأة حسناء كانت في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت، فاغتاظوا منها لأنها لم توافقهم على الزنا والعياذ بالله، فشهدوا عليها عند داود أن كلبها يزني بها، فلما شهد الأربعة وهم من كبار القوم، وظن أنهم صادقون أخذ بكلام الأربعة وأقام عليها الحد فرجمها، فماتت المرأة مظلومة، قال: ثم لما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان. فقد كان صغيراً وقت حدوث هذه القضية، فقعد مع أطفال صغار معه، واستحضر هذه القضية وعملها لعبة يلعبها أمام داود.

    فانتصب سليمان حاكماً، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت كلبها من نفسها، فقال سليمان: فرقوا بينهم، أي: فرقوا بين الشهود الموجودين: فسألهم: ما كان لون الكلب؟ فسأل الأول: فقال: كان لونه كذا. وسأل الثاني: ما كان لون كلبها؟ قال كذا، ثم الثالث ثم الربع، فاختلف الأربعة، فكل واحد ذكر لوناً، فتنبه داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام لذلك وأتى بالأربعة الشهود وفرق بينهم، وسألهم عن لون الكلب فكل واحد ذكر لوناً، فأمر بقتلهم جميعاً، لأنهم تسببوا في قتل المرأة.

    وقد استفاد من هذه الآية بعض الحكام حكماً احتج به على الكفار، فإن الوليد هدم كنسية دمشق فكتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيباً فقد أخطأت، يعني: يريد منه أن يقع في أبيه فلو قال له: أبي كان مخطئاً سيشنع عليه، وإن قال: أنا المخطئ، سيقول له: كان أحق بالملك رجلاً آخر غيرك.

    فأجابه الوليد وأرسل إليه بهذه الآية: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79]، قال: كان داود وسليمان على نبينا وعليهما الصلاة والسلام قد حكما في هذه القضية، فالله سبحانه وتعالى قال: َكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، أي: هذا حكم بحكم وبعلم، وذاك حكم بحكم وبعلم، ولكن الله عز وجل زاد الآخر فهماً على الأول فاحتج بهذه الآيات على ملك الروم.

    فالنبي له أن يجتهد ولكن لا يقر على خطأ، فإذا أخطأ نزل الوحي يبين الخطأ، لكن غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليسوا كذلك، فالإنسان لا يجوز له أن يجتهد إلا وهو أهل للاجتهاد، ففي الحديث عن بريدة رضي الله عنه وهو عند أبي داود وهو صحيح قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به)، أي: أنه عرف الحق من علمه ومن اجتهاده فقضى بهذا الحق الذي عرفه، فهو في الجنة.

    الثاني: قال: (ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار)، أي: هو عارف وعالم بالحق ولكنه قضى بغير الحق، فهو في النار.

    الثالث: قال: (ورجل قضى للناس على جهل)، ولم يذكر أصاب أم أخطأ، فكأن الذي يقضي بجهل سواء أصاب أم أخطأ هو في النار، لأنه ليس من حقه الاجتهاد، وليس من حقه القضاء، وليس من حقه أن يفتي في الأحكام وهو لا يعرف هذه الأحكام.

    والحق واحد، يعرفه الإنسان ويقضي به، فإن فعل ذلك استحق أن يكون من أهل الجنة.

    أقول العلماء في تعدد الحق في المسألة الاجتهادية

    اختلف العلماء في مسائل الاجتهاد، هل الحق في المسألة واحد، أو ممكن أن يتعدد فنقول كل مجتهد مصيب؟

    والراجح أن الحق واحد، إذ لا يعقل أن يجتهد اثنان في مسألة فيقول واحد هي حلال والثاني يقول هي حرام ويكون الحق مع الاثنين، فتكون حلالاً وحراماً في الوقت نفسه، لا يكون هذا الشيء.

    ولكن المجتهد الذي يصيب يؤجر أجرين: أجراً على اجتهاده وأجراً على إصابته، والمجتهد الذي يخطئ يؤجر أجراً واحداً على أنه اجتهد في هذا الأمر حتى وإن أخطأ. و

    لذلك في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران) يعني: دخلت القضية إلى الحاكم فحكم فيها باجتهاده وكأن في الحديث تقديماً وتأخيراً.

    ومعنى (اجتهد) استفرغ الوسع وبذل الجهد في ذلك فوصل إلى شيء معين وقناعة معينة فحكم بهذا الشيء، فيكون له أجران إذا أصاب، (وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).

    أما العلماء الذين قالوا: كل مجتهد مصيب، فقد احتجوا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيح قال: فإنه لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب جاءه جبريل فقال: وضعت السلاح، فوالله ما وضعنا سلاحنا، ثم أمره أن يتوجه إلى بني قريظة، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس وقال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فاجتهد الصحابة في ذلك، فالبعض قالوا إنه أراد الاستعجال، فنصلي ونسرع، والفريق الثاني قالوا: قصد أن الصلاة ستكون هنالك، فلم يصلوا العصر حتى وصلوا بني قريظة، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعرف الأمر فلم يلم أحداً من الفريقين ولم يخطئ واحداً من الاثنين صلوات الله وسلامه عليه.

    قالوا: لو كان أحد الفريقين مخطئاً لبين له صلى الله عليه وسلم.

    وقال الفريق الآخر: لعله إنما سكت صلى الله عليه وسلم عن تعيين المخطئين؛ لأنهم غير آثمين، والوقت الآن ليس وقت تعنيف أو تأنيب، فطالما أنه اجتهد فأصاب له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر، فيكون أحد الفريقين مخطئاً، ولكن الجميع مأجور، لذلك استغنى النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكره: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ولم يعنف واحداً من الفريقين.

    والأرجح: أن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ -طالما أنه من أهل الاجتهاد- فله أجر وإن كان مخطئاً، وإذا كان يجتهد ويصيب فله أجران: أجر على الإصابة وأجر على الاجتهاد.

    وهذه القضية التي قضى فيها سليمان وداود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام لو حصلت في شريعتنا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار).

    جبار أي: هدر، والعجماء: البهيمة.

    وفي الحديث: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهله).

    ففرق بين الليل وبين النهار، والكلام على الحقول والبساتين المفتوحة؛ لأن صاحب الماشية لو ظل يحرسها بالليل والنهار لن يستطيع أن يتفرغ لبقية أعماله أبداً، ولكن صاحب الماشية يذهب في النهار إلى حقله وماشيته معه، وجاره في حقله وماشيته معه، فلو فرضنا أن ماشية الآخر جاءت إلى حقلك فإنك ستردها بالنهار، لكن في الليل إذا اعتدت ماشية الغير على مزرعتك فإن صاحبها يغرم.

    أما بالنهار فيلزم صاحب كل مزرعة أن يحرس مزرعته حتى لا تدخل فيها ماشية الآخر، إلا إن تعمد صاحب الماشية بأن قادها ودخل بها البستان فإنه يضمن ليلاً أو نهاراً، لكن إذا كان بالليل لزمه أن يضعها في الحظيرة ويقفل عليها بحيث لا تهجم على مزرعة غيره، وإذا فرط في الليل أو لم يفرط فإن عليه الضمان.

    قال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:79] فالله سبحانه وتعالى أعطى سليمان الفهم، وأعطى داود الحكم والعلم، وأعطاه أيضاً الصوت الجميل الذي تسمعه الجبال فتردد معه التسبيح، وأيضاً الطير فقد كان داود عليه الصلاة والسلام يمر بالجبال مسبحاً فتداوله بالتسبيح، وأي إنسان يرفع صوته فإن صدى الجبال يردد معه، فهل سيكون مثل داود؟

    لا؛ لأن الجبال تسبح حقيقة معه عليه الصلاة والسلام، فهو يسبح وجمال صوته وعظمة الخشوع الذي هو فيه تجعل الجبال تخشع وتردد معه تسبيح الله سبحانه وتعالى.

    مع أن الجبال صامتة جامدة، ولكن وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، فكل شيء يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نسمع ولا نفقه تسبيحهم.

    وإنما كانت الجبال تردد مع داود بأمر الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ:10]، ومعنى (أوبي معه) أي: رجعي معه هذا التسبيح.

    والطير كلمت سليمان وسبحت مع داود، فأعطى الله سبحانه كلاً منهما من فضله ومن هبته سبحانه وتعالى.

    وقال هنا: يسبحن أي: يصلين معه، كذلك يسبحن بصوت يسمعه داود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس ...)

    قال: سبحانه: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [الأنبياء:80].

    واللبوس عند العرب بمعنى عدة الحرب، وقد اختصه الله عز وجل بصنع الدروع: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11]، فهو سبحانه وتعالى عليم وبصير بهم، فقال له: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11]، فقد كانت الدروع صفائح من حديد يلبسها الإنسان، لكنه جعلها حلقاً، ليسهل لبسها على الإنسان.

    قال: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:11]، والسابغ هو الساتر للبدن كله، وجعله يصنعها من حلقات كأنها سلسلة، يضع الحلقة على الحلقة، ويضع المسمار بينهما، قال: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11] أي: اجعل المسمار على قدر الحلقة، لتبقى الحركة في الدرع نفسه، وهو عبارة عن حلقات متصلة، بين كل حلقة وحلقة مسمار يصل الحلق بعضها ببعض، فإذا لبسها الإنسان في الحرب استطاع أن يتحرك وأن يصبر على الكر والفر وأن يدافع عن نفسه.

    لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء:80]، الضمير راجع إلى هذه اللبوس، فتعلم الناس منه صناعة الدروع.

    قال: لِتُحْصِنَكُمْ [الأنبياء:80]، وهذه قراءة ابن عامر وأبي جعفر وحفص عن عاصم .

    القراءة الثانية قراءة شعبة عن عاصم وهي قراءة رويس عن يعقوب : (لِنحصنكم من بأسكم) بنون الجماعة التي تدل على التعظيم، وهي تعود إلى الله سبحانه وتعالى، أي: حتى نحفظكم ونحرزكم من بأسكم، ومن حربكم ومن قتالكم.

    وباقي القراء يقرءون: لِيُحْصِنَكُمْ أي: ليحصنكم بها من بأسكم فتتقون بها السيوف والرماح ونحو ذلك، فتعلمتم بعد هذه الدروع وطورتم فيها، فهل شكرتم الله سبحانه وتعالى الذي أنعم عليكم بذلك؟

    قال: فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء:80] ولم يكن داود وحده من الأنبياء صاحب صنعة، بل كثير من الأنبياء كانت لهم حرف، وقد أخبر الله عز وجل عن أنبيائه أنه يرزقهم سبحانه، ولا يجعل رزقهم على أحد أبداً؛ فلا أحد يتكفل لهم بطعام ولا شراب إلا هو سبحانه، ولذلك جعل رزق النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، فرزقه صلى الله عليه وسلم بالجهاد في سبيل الله، فله خمس المغنم صلوات الله وسلامه عليه، أما الفيء فأمره إليه صلوات الله وسلامه عليه يقسمه كيف يشاء.

    فداود عليه الصلاة والسلام كان يصنع الدروع، وأيضاً كان يصنع الخوص ويبيعه وهو ملك، ولا يأخذ من أكل المملكة شيئاً عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً كان آدم عليه الصلاة والسلام يعمل بيده ويحرث ويزرع الأرض ويأكل من كسب يده عليه الصلاة والسلام.

    ونوح كان نجاراً عليه الصلاة والسلام، ولقمان الحكيم كان خياطاً، وطالوت كان دباغاً، ثم جعله الله عز وجل رئيساً على بني إسرائيل وقائداً لهم.