إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [47 - 63]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله عز وجل قصص الأنبياء والرسل في القرآن العظيم للعظة والاعتبار، والتفكر في آيات الله وسننه في المكذبين لرسله، وحتى يتعظ المؤمن فيصبر في سبيل الله كما صبر الأنبياء والمرسلون، ومن هؤلاء الأنبياء موسى وهارون وإبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [الأنبياء:47-64].

    يخبرنا الله تبارك وتعالى في هذه الآيات عن وضع الموازين بالقسط ليوم القيامة، وكل إنسان له ميزان يوزن عليه عمله يوم القيامة، ولذلك جمعها هنا، وذكر أنها الموازين القسط، أي: الموازين العادلة، وقال: إن وضع الميزان القسط يكون في يوم القيامة.

    يعني: إن الموازين العادلة تكون يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، والنكرة هنا تفيد العموم، أي: إنه لا تظلم نفس من أعمالها ولو شيئاً يسيراً، حتى وإن كان هذا الشيء مثقال حبة من خردل، والخردلة أصغر الحبوب على الإطلاق.

    قال تعالى: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47]، أي: جئنا بها يوم القيامة، حسنة كانت أو سئية.

    وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] أي: نحسب عليكم ما تفعلونه، ونحاسبكم به يوم القيامة.

    وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قعد بين يدي النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: يا رسول الله، إن لي مماليك يكذبونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ أي: إن هذا الرجل عنده مماليك فيهم الشرور، فهم يكذبون ويخونون ويعصون سيدهم، وهو يرد ذلك بأن يشتمهم ويضربهم، فهو يسأل عن أمره معهم يوم القيامة، فالرجل خائف من الحساب؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم)، يعني: يوم القيامة. قال: (فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل).

    إذاً: فالإنسان الذي يملك مملوكاً ليس مصرحاً له أن يعمل فيه ما يريد، وسيحاسب يوم القيامة على ما عمل فيه، وعلى قدر ما صنع في هذا المملوك الذي يملكه.

    وكذلك الحيوان الذي يملكه الإنسان إذا ضربه بقسوة وشدة، فيوم القيامة يأخذ الله عز وجل هذا الإنسان، ويحاسبه على ما صنعه بالحيوان، بل إن الحيوانات يقتص الله عز وجل لبعضها من بعض، فيقتص للجلحاء من ذات القرن يوم القيامة.

    فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للرجل، تنحى الرجل فجعل يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما تقرءون كتاب الله؟ أما قرأت هذه الآية: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء:47]، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار)، فتخلص منهم بهذه الصورة، وحررهم لله عز وجل، وكان من الممكن أن يبيعهم ويأخذ ثمنهم، ولكن الرجل خاف من الموقف العظيم بين يدي الله عز وجل، ولم يعلم هل الشتم والضرب أكثر أم الذي فعلوه أكثر؟ فحررهم وتخلص من أمرهم.

    فعلى الإنسان الذي ينظر في غده، ويخشى من حساب يوم القيامة، فيحاسب نفسه على كل عمل عمله، فيوم القيامة توضع الموازين بالقسط، فلا رشوة ولا مجاملة لأحد، ولكن إن كان العمل صالحاً نجا، وإن كان سيئاً هلك، فعلى الإنسان أن ينظر في أعماله، فإنه سيحاسب عليها يوم القيامة.

    وكم من إنسان يضحك ويلعب ويلهو، وينسى الموقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، وأنه سيسأل عن مثقال الذرة.

    قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    فقد ينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً؛ لأن هذه الكلمة تغضب الله تبارك وتعالى.

    وقد ينسى الإنسان فيمزح بكلمة ويظن أنها سهلة، وهي عند الله عظيمة، وهذه السيدة عائشة تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك من صفية أنها كذا، تشير بأنها قصيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) يعني: أنها كلمة في غاية المهانة والقذارة، لو مزجت بماء البحر -الذي هو الطهور ماؤه الحل ميتته- لمزجته أي: لخلطت ماء البحر وأفسدته، ولو أن الإنسان اطلع على الغيب لرأى هول ما يقوله ويقع فيه من آثام وشرور، فليحاسب الإنسان نفسه على ما يقول، وعلى ما يظن، وعلى ما ينوي، وعلى ما يفعل.

    قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47] أي: حفظناها يوم القيامة. وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] أي: وكفى بنا حاسبين على الإنسان يوم القيامة.

    وعندما يعترض المنافق على ربه سبحانه ويأبى ألا يشهد عليه أحد إلا من نفسه، ينطق الله عز وجل جل أعضاءه فتنطق أعضاؤه بما كان يصنع في الدنيا، فتنطق اليدان والرجلان، وتنطق جميع حواسه فإذا به يدعو على نفسه وعلى أعضائه يقول: سحقاً لكن فعنكن كنت أناضل، أي: كنت أدافع عنكن، فسحقاً لكن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان...)

    يقول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48].

    ذكر هنا موسى، وقد ذكر ربه كثيراً، وبينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنبياء كثيرون، ولكن منهم من قص الله عز وجل علينا قصته، كالمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومنهم من لم يقصه الله عز وجل لنا.

    فبين موسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم أنبياء كثيرون من بني إسرائيل، وقد كانت طبيعة بني إسرائيل أنهم لا ينقادون لأحد إلا أن يكون نبياً من عند الله عز وجل يوجههم ويهديهم، فهم مثل الخراف الضالة يحتاجون إلى الراعي دائماً، ولذلك لما جاء المسيح عليه الصلاة والسلام قال: (إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة).

    وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم رسولاً لكل الأمم، للإنس والجن صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فموسى تكرر ذكره باعتباره صاحب شريعة، والقرآن شريعة عظيمة، بل أعظم شرائع رب العالمين، وأعظم كتب رب العالمين، وهو المهيمن على ما قبله، والشاهد على ما قبله، والناسخ لكل ما قبله.

    وقد أوتي موسى الكتاب، وأوتي التوراة، فكانت أعظم الكتب في حينه، ثم بعد ذلك ظل من بعده من أنبياء بني إسرائيل يحكمون به، حتى بعث المسيح عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنسخ الله عز وجل بالإنجيل بعض ما في التوراة فأحل أشياء كانت حرمت عليهم، وجاء بأشياء من عند الله سبحانه وتعالى، وجاء بالإنجيل كتاب مواعظ يعظ الخلق به.

    فالكتاب الذي يشبه القرآن ككتاب تشريع هو التوراة، فقد كانت التوراة كتاب تشريع، ولذلك كثيراً ما يذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قدوة للنبي صلى الله عليه وسلم أي: أنه كان صاحب شريعة مثلما أنت صاحب شريعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فضل على الرسل، وجعل القرآن مهيمناً على كل الكتب السابقة.

    وموسى ذكر في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة؛ لأنه من أولي العزم من الرسل، ولصبره على بني إسرائيل يدعوهم إلى الله عز وجل، فقد صبر عليهم كثيراً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتدي به، وإذا أوذي يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] فذكر هنا موسى وهارون، والتوراة إنما نزلت على موسى، وهارون أمر بأن يحكم بها، وكان نبياً مع موسى.

    والفرق بين النبي والرسول: أن النبي يوحى إليه من عند الله عز وجل، ومكلم بالوحي من الله تبارك وتعالى، ومأمور بالتوحيد وتبليغه للناس، وأن ينصح الخلق، ولكن ليست معه رسالة خاصة يدعو الناس إليها.

    فكان موسى صاحب رسالة وهي: التوراة، وأما هارون فكان يحكم بالتوراة التي نزلت على موسى، فإذاً: هو ليس صاحب رسالة، ولكنه نبي من عند الله، ويوحى إليه من الله تبارك وتعالى، ومعين لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ [الأنبياء:48] والفرقان: التوراة، وسميت فرقاناً لأن الله عز وجل فرق بها بين الحق والباطل.

    فقد كانت التوراة كتاب تشريع من عند رب العالمين، وتبين لهم الحلال من الحرام، والخطأ من الصواب، وما يفعل وما يترك. وذكر في الآية: (الفرقان) أي: نصرناه بالتوراة على فرعون وجنوده. قالوا: لأن الله عز وجل ذكر بعد ذلك: وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] فيكون المعنى: آتيناه النصر، وآتيناه الكتاب من عند رب العالمين.

    فعلى هذا القول: يكون الفرقان هو نفسه الضياء، وهو نفسه الذكر من عند رب العالمين. يعني: التوراة هي فارقة بين الحق والباطل، وهي ضياء من عند رب العالمين، وهي ذكر من عنده سبحانه.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48]، وذكراً أي: تذكرة للمتقين.

    وقد وصف التوراة هنا بأنها ضياء، والضياء فيه نور ولكن فيه إحراق، وفيه شدة، فقد وضعت عليهم الآصار بتعنتهم، والقرآن وصفه الله عز وجل بأنه نور من عنده سبحانه وتعالى، والقرآن وضع عنا هذه الآصار، وما جعل علينا في الدين من حرج، ولكن في شرع بني إسرائيل كان عليهم الآصار وعليهم الأغلال، حتى إن الرجل إذا بال وسقطت قطرة من بوله على ثيابه لم يؤمر بغسله فقط، وإنما كان يؤمر بقرض جسمه الذي أصابه البول بالمقراض. فلما جاء أحد بني إسرائيل ونهاهم عن ذلك عذب، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في نار جهنم وهو يعذب في النار؛ لأنه نهى بني إسرائيل عن شرع ربنا تبارك وتعالى، فكان عليهم الآصار والأغلال، التي وضعها ربنا سبحانه وتعالى عليهم.

    قال سبحانه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] فما كان على الأمم السابقة من آصار وقيود وأغلال هذا كله مرفوع عنا، وليس في شريعتنا ذلك، فشريعتنا نور من رب العالمين، قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    قال تعالى: وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] يعني: الذي إن يتذكر بأحكام رب العالمين هو التقي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون)

    قال تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:49].

    فهؤلاء هم الذين تنفعهم الذكرى، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] فإذاً: الذكرى لا تنفع أي أحد، وإنما الإنسان المؤمن.

    وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى:9-11].

    فلا يتذكر بمواعظ الله عز وجل إلا الإنسان التقي الذي يخاف من الله، ولا يجتنب التذكرة، ويجتنب الموعظة ولا ينتفع بها إلا الإنسان الشقي، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:12].

    فهنا يخبرنا سبحانه عن هؤلاء المتقين الذين ينتفعون بالتذكرة، وهم الذين يخشون ربهم بالغيب، ويذكرون الله عز وجل ويخافون منه تبارك وتعالى.

    ويذكرون بالساعة فيشفقون منها، فيذكرون الله عز وجل في غيبتهم عن الناس فلا ينتهكون محارم الله تبارك وتعالى، وكذلك إذا غابوا عن أعين الناس، فلم يرهم أحد استحيوا أن يقعوا في المعاصي، وخافوا أن ينتهكوا حدود الله وحرماته سبحانه وتعالى.

    إذاً: فهم في حال حضورهم مع الناس أو غيبتهم عنهم لا يعصون الله سبحانه، ويخافونه سبحانه، والله غيب لم يروه، ولكن عرفوه من آياته وصفاته سبحانه وتعالى، فخافوا منه، فهم يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون، وهم من يوم القيامة خائفون وجلون، وإذا ذكروا بالساعة يبكون ويدعون ربهم سبحانه أن ينجيهم من هول الموقف يوم القيامة.

    قال تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ [الأنبياء:50] أي: وهذا القرآن العظيم مثل التوراة، فكما كانت التوراة فرقاناً بين الحق والباطل، كذلك هذا القرآن فرقان من رب العالمين، يفرق به بين الحق والباطل، وهو الذكر المبارك، قال تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ [الأنبياء:50] أي: ما جاء من عندك، ولا تكلمت أنت به من عند نفسك، ولكنه نزل من عند رب العالمين من السماء، فهذا ذكر مبارك، أي: فيه الخير، وفيه البركة، وفيه الثبوت، فهو ثابت لا يزول أبداً.

    قال تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ [الأنبياء:50]، أي: يا معشر العرب، ويا معشر من جاءكم هذا القرآن أفأنتم له منكرون؟ أفتنكرون هذا القرآن العظيم وقد تحداكم ربنا سبحانه بما فيه فلم تقدروا على سورة من مثله، وهو معجز لكم، لا تقدرون على الإتيان بمثله؟

    ثم شرع يذكر لنا من قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51].

    وقد ذكر قبل ذلك موسى وهارون ولقد ذكر لنا في هذه السورة الكريمة ستة عشر نبياً بأسمائهم، وذكر فيها السيدة مريم أيضاً، والراجح أنها ليست نبية، وإن كان ربنا أوحى إليها وألهمها، ولكنها ليست نبية، وإنما هي صديقة عليها السلام.

    وقد ذكر الله عز وجل في سورة الأنعام سبعة عشر نبياً قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [الأنعام:83-84] وذكر سبعة عشر نبياً بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وفي هذه السورة ذكر سيدنا إبراهيم ثالث بني، بعد أن ذكر قبله موسى وهارون، وإبراهيم بمعنى: الأب الرحيم بلغتهم، وكان يلقب بأبي الضيفان؛ لأنه كان إذا جاءه ضيف أكرمه كرماً عظيماً نافعاً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ [الأنبياء:51] والرشد: الصلاح وحسن الخلق. فإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله عز وجل رشده من قبل موسى وهارون، وإن كان الله عز وجل قد ذكر موسى وهارون قبله في هذه السورة، ولكن إبراهيم من قبلهم، وهو وأبوهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فآتاه الله عز وجل الرشد، فقيل: بمعنى النبوة، وقيل: بمعنى الصلاح، أي: أصلحناه قبل أن يكون نبياً عليه الصلاة والسلام.

    فكان يجادل ويناظر الناس بعبادتهم لغير الله سبحانه ثم أكرمناه بالنبوة.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51] أي: كنا عالمين أنه أهل لذلك، وأنه مستحق لهذا الصلاح الذي جعلناه فيه، وصالح للنبوة عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ...)

    قال تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ [مريم:42] أي: اذكر حين قال لأبيه ذلك. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] وقد كان أبوه يصنع التماثيل لقومه.

    وقد كان إبراهيم عليه السلام في محن عظيمةً، وقد ابتلي بكل من حوله عليه الصلاة والسلام، فقد ابتلى في نفسه وفي أبيه وفي ابنه وفي زوجه وفي القوم الذين هم معه، ثم هاجر إلى قوم آخرين ليبتلى فيهم بلاءً عظيماً، وكل هذا البلاء في ذات الله سبحانه وتعالى، ولذلك رفعه ربنا درجةً عظيمة جداً صلوات الله وسلامه عليه، فقربه وجعله خليلاً له. والخليل: الحبيب القريب، فهو أقرب الأحبة. فجعله الله عز وجل له خليلاً، واتخذ محمداً خليلاً، وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

    قال سبحانه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ [الأنبياء:52] واسم أبيه آزر، كما قال تعالى في سورة الأنعام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:74-75].

    وقد كان أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقومه في العراق، وبعد ذلك هاجر إلى الشام، وكان أهل العراق عباد أوثان، يعبدون التماثيل من دون الله عز وجل، وكان أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله، فناظرهم إبراهيم على ذلك.

    وكان إبراهيم في كل موطن يصبر صبراً عظيماً، فقد صبر مع أبيه فناظره وجادله ودعاه إلى ربه سبحانه، وفي النهاية قال له أبوه: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:46-47]، فناظر أباه باللطف، قال تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:42-45].

    ففي كل دعوة يدعوه بقوله: يا أبت، تحنناً وتقرباً لأبيه وتلطفاً معه، لعل أباه يستجيب، فما كان من الأب إلا أن نهره؛ لأنه صانع التماثيل لقومه، فلما يئس منه إبراهيم: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم:47] وتركه، وقال: لن أتركك من دعوتي، وسأدعو ربي سبحانه تبارك وتعالى لعله يستجيب لي، إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:47]، أي: مكرماً لي، فلعله يستجيب لي.

    ودعا قومه إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، قال سبحانه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] والتمثال: اسم موضوع لما مثل، وهو الذي يصنعه الإنسان على هيئة الشيء ومثاله، فيقال: مثلت الشيء بمعنى: أني مثلته بشيء آخر، وجعلته مثله، فكانوا يصنعون التماثيل، ويعبدونها من دون الله سبحانه، وكانت هذه التماثيل على هيئة أشخاص.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ...)

    قال تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] أي: ملازمون لعبادتها، ومستديمون ومقيمون عليها قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:53] وهكذا الإنسان الذي ليس عنده حجة يقول: إن أباه كان يفعل هذا الشيء.

    فهم قالوا: وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:53] أي: فنحن نعمل مثل آبائنا، وكأنهم كانوا يظنون أن آباءهم أفضل منهم، فكانوا يعملون ما يعمله آباؤهم من غير تفكير.

    قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:54]، أي: لا أنتم ولا آباؤكم على هدى، وكلكم في ضلال مبين، وفي خسران وجرم عظيم.

    قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [الأنبياء:55]، أي: هل هذا جد أم أنك تمزح معنا وتعلب؟

    قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء:56] ربكم الحقيقي المستحق للعبادة هو الذي خلق السماوات والأرض.

    (الَّذِي فَطَرَهُنَّ): أي: أوجدهن على غير مثال سابق، وابتدأ خلقهن ولم يكنَّ قبل ذلك. وفطر الشيء أي: ابتدع خلقه، والله عز وجل خلق السماوات والأرض من العدم، وبدأ خلقهن تبارك وتعالى.

    وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء:56]، أي: أنا أشهد بقدرة الله سبحانه، وأنه رب السماوات والأرض، وأنه يستحق أن يعبد وحده.

    وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء:57]، يعني أنه لم يكتف بالإنكار بلسانه، وإنما أنكر أيضاً بيده، ويقسم وَتَاللَّهِ [الأنبياء:57]، وتاء القسم تختص بالله عز وجل وحده، ولا يوجد قسم بالتاء يكون لغير الله تبارك وتعالى، فهي مختصة به وحده لا شريك له، وأما الواو فتدخل على الاسم الظاهر، والباء يقسم بها في الظاهر والمضمر.

    قال الله سبحانه هنا على لسان إبراهيم: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ [الأنبياء:57] يعني: لأمكرن ولأصنعن بهم شيئاً حتى أريكم أن هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يعبدوا.

    فقال: بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء:57]، أي: عندما تذهبون إلى العيد، فهناك سأتوجه إلى الأصنام وأكيد بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجعلهم جذاذاً ...)

    قال تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:58].

    قال المفسرون: كان لهم عيد في كل سنة يخرجون فيه خارج المدينة للعب والمرح، ويرجعون بعد ذلك إلى أصنامهم، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام انتظر ذلك، فقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء:57] أي: بعد أن تخرجوا للعيد سأتجه إلى الأصنام لأحطمها، وكأنهم أرادوا من إبراهيم أن يخرج معهم إلى عيدهم؛ لعله يهتدي بحسب ظنهم وزعمهم، فلما شدوا عليه أن يخرج معهم قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] أي: أنا مريض لا أقدر على أن أخرج معكم، فذهبوا وتركوه فتوجه إلى أصنامهم، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا [الأنبياء:58]، أي: كسرهم قطعاً، وهذه قراء الجمهور، وقراءة الكسائي : (فجعلهم جِذَاذاً)، بمعنى: كسراً وحطاماً.

    إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ [الأنبياء:58] وقد كانت الأصنام مرتبة، فالصنم الأكبر أولاً وبعده الأصغر فالأصغر فالأصغر، وكان القوم لما أرادوا أن يخرجوا أتوا بأطعمتهم إلى هذه الأصنام، من أجل أن تبارك لهم فيها بزعمهم، وتركوا طعامهم عند الأصنام حتى يرجعوا ليأكلوه بعد أن تحل فيه البركة بزعمهم.

    وذكر الطبري وابن أبي حاتم عن السدي قال: رجع إبراهيم عليه السلام إلى آلهتهم فإذا هي في بهو عظيم، أي: فناء عظيم أو في صالة عظيمة، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جانب بعض، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الأصنام يظنون أنها ستبارك لهم فيه، وقالوا: إذا رجعنا وجدنا الآلهة بركت في طعامنا فأكلنا.

    فلما نظر إليهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات:91] يكلم الأصنام ويسخر منها، أي: هم قد وضعوا لكم الأكل من أجل تأكلوا. مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ [الصافات:92]، أي: لماذا لا تتكلمون ولا تردون، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات:93] فكسر رءوسهم بيمينه، وترك الكبير، وعلق فيه الفأس. قال تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:58] أي: يتعظون ويقولون: إن هذا الكبير هو الذي كسر الصغار من أجل أن يبقى هو وحده الإله.

    فلما رجعوا من العيد ورأوا الأصنام قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:59] أي: من الذي عمل هذا بآلهتنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:59].

    قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60] وكأن إبراهيم قال لهم: إني سقيم وسأرجع، وكأنه جهر وقال: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء:57] وظن أنهم لم يسمعوه، وقد سمعه بعض ضعفائهم، أو بعض من كانوا حوله، فشهدوا عليه قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60] أي: شاباً يقال له إبراهيم قالوا: كان عمره ستاً وعشرين سنة في هذا الوقت.

    قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:61]، يعني: كأن الملك -وهو النمرود- يريد أن يحقق العدالة، فقال: هاتوه وأتوا بالشهود أمام الناس لعل الناس يشهدون عليه، من أجل ألا نظلمه ولا نعاقبه من غير شهادة، فيشهدون بأنهم رأوه وهو يكسر الأصنام. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ [الأنبياء:61] أي: أمام الناس يرونه، لعلهم يشهدون عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ...)

    قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:62] وهذا سؤال تحقق هنا: قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:62] ؟

    فكان الجواب: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء:63] أي: انظروا إلى الفأس أين هو؟ فالصنم الكبير هو الذي عمل هذا العمل. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63].

    وكأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعلق شيئاً على شيء، وهذا من معاريض الكلام، ومن التورية في الكلام، وهو أن يأتي بكلمة لها معنيان: معنى قريب، ومعنىً بعيد؛ فكأن إبراهيم يقصد في الكلام: إن نطق هؤلاء فهذا هو الفاعل ولكن هؤلاء لا ينطقون، فليس هذا هو الفاعل. فكأنه يقول لهم: من الذي يفعل هذا؟ وهؤلاء لا ينطقون، فهل هذا هو الذي يصنع ذلك؟ فإن نطق فهو الفاعل. هذا قول من الأقوال التي ذكروها في هذه الآية.

    وقال الكسائي : إنه يوقف هنا: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ [الأنبياء:63]، ثم يستأنف: كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63]، فكأنه يقول: بل فعله من فعله، وكبيرهم هذا. وهذا من باب التعريض في الكلام، فهم سيفهمون بأنه فعله كبيرهم هذا، وأنه لا يقصد شيئاً آخر غير ذلك. وهو يقصد: فعل ذلك من فعل، وسكت ثم قال: كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63]، أي: اسألوا هؤلاء التماثيل، واسألوا هذا الكبير إن كانوا ينطقون بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63].

    وجاء في الأثر عن عمر رضي الله عنه: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. يعني إن الإنسان إذا اضطر إلى شيء كما اضطر إبراهيم فله أن يعرض بدلاً من أن يكذب، ففرق بين الكذب، وهو أن يتكلم عن الشيء الخطأ وهو يقصد ما يقول، وبين التورية، وهي أن يتكلم بالشيء ويقصد لازمه، فيتكلم بشيء له معنيان ولا يقصد معناه الصريح وإنما يقصد المعنى الآخر البعيد الذي لا يستحضره السامع، فيظن المعنى الخاطئ.

    قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:62] وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا كذباً، قال صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] وقوله: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63] وواحدة في شأن سارة).

    وفي رواية قال: (لم يكذب إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء قط إلا في ثلاث، قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] وقوله لـسارة: أختي، وقوله: ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]) إذاً: فإبراهيم كذب ثلاث مرات. والراجح أن هذه الثلاث المرات من التعريض في الكلام ولم يقصد الكذب المحض.

    والكذب ثلاث مرات في حياته كلها شيء قليل جداً، وهن في ذات الله عز وجل، وقد قال الحديث: إنهن كن في ذات الله سبحانه، ولم يكذب لنفسه، ولما كان هذا النبي عليه الصلاة والسلام مرتبته عند الله مرتبة عظيمة جداً،

    فإنه لما كذب ثلاث مرات كأنه نزل عن هذه المرتبة قليلاً، فتقدم عليه نبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لم يكذب أبداً صلوات الله وسلامه عليه.

    وعندما يؤتى إلى إبراهيم يوم القيامة، ويقال له: اشفع لنا أنت خليل الرحمن، يقول: (أنا خليل ومن ورائي خليل، ويذكر كذباته الثلاث). ويخاف من ذلك يوم القيامة.

    وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعرض على شيء لا من كذب ولا غيره، ولا ينطق إلا بحق، سواء في جده أو في هزله صلى الله عليه وسلم، حتى في ضحكه مع الناس، فكان لا ينطق إلا بالحق، صلى الله عليه وسلم.

    فلذلك يوم القيامة يتقدم ويقول: (أنا لها، أنا لها) صلوات الله وسلامه عليه.

    ومقام النبوة مقام عظيم جداً، فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم صلى الله عليه وسلم النبي إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]) يعني: أنه مريض، فكأنه يقول: قلبي سقيم ومريض مما أراكم عليه من الشرك، فعدت كذبة. (وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]) وتأويل هذا: بل فعله كبيرهم إن كان يفعل ذلك فهو الذي فعل، ولكن كأنه لا يفعل، فليس هو، أو بل فعله من فعله وكبيرهم هذا، يعرض في ذلك.

    وعلى كل سميت هذه الكذبة الثانية.

    (وواحدة في شأن سارة)، ولم يجعل هذه في ذات الله، وإن كانت حقيقتها أنها أيضاً في الله عز وجل، لأنه له فيها نصيباً؛ فإنه لما جاء مع سارة إلى مصر وكان يحكمها جبار من الجبابرة قيل له: إنه دخل رجل اسمه إبراهيم ومعه امرأة هي من أجمل الخلق ومن أجمل نساء الناس، وكانت سارة من أجمل النساء؛ فسأله الجبار: من هذه؟ فلو قال امرأتي لقتله، فلذلك عرض إبراهيم في الكلام وقال: أختي، وقال لها: (إني قلت له: إنك أختي، فلا تكذبيني، أو فلا تكذبينني)، من أجل أن يحمي نفسه من القتل لعله يبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى، وقد عدت هذه كذبة، وإن كان مضطراً إليها.

    ومن الممكن أن يقال: هذه أيضاً في الله عز وجل، وإنها بلاء ابتلي بها في الله، ولكن إبراهيم لعظيم منزلته عدت عليه هذه الثلاث كذبات.

    وقد يصنع الأنبياء والمرسلون أشياء قد تكون إحساناً من غيرهم، ولكنهم قد يلامون على هذا الشيء، فجعلت هذه ثلاث كذبات لإبراهيم من هذا الباب.

    وقيل: بل وأخرى رابعة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهي قوله: هذا ربي، لما ناظر أهل عبادة الكواكب، فإنه فلما جن عليه الليل ورأى كوكباً قال: هذا ربي، وإن كان إبراهيم يقصد إن هذا ربي في زعمكم، أي: أنكم تزعمون أن هذا ربي. وقد كتبت عليه هذه من ضمن الكذبات، وإن كان قالها وقت المناظرة لهؤلاء.

    يقول العلماء: الكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه.

    وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يقل هذا من باب الكذب، وإنما قاله من باب التعريض، أي: أنه يذكر الكلمة التي تحتمل أكثر من معنى، ويقصد معنى بعيداً والسامع يظن المعنى القريب.

    والغرض: أنه قال لهم: فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [الأنبياء:64].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985440831

    عدد مرات الحفظ

    715043909