إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [37 - 47]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل في العديد من آياته في القرآن عن بعض مشاهد يوم القيامة، وما يكون فيها من أهوال فظيعة، لا يقدر الإنسان على تحملها؛ وذلك من أجل أن يستعد الإنسان لذلك اليوم، ويعمل له، ويأخذ أهبته لملاقاته بما يستطيع من أعمال صالحة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم السلام:

    خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:37-47].

    يخبرنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى هنا عن خلق الإنسان، وكيف أنه خلق ضعيفاً، وفيه التهور والعجلة والاندفاع والطيش. قال تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]، أي: في تركيبه وخلقه، ففيه تهور واندفاع وعجلة إلى الشيء.

    وعندما أمرنا الله سبحانه أن نكون حلماء، وأن يكون عندنا صبر، كان لابد أن يجعل في النفس ما يدافع ذلك فلو أن طبيعة الإنسان الحلم لما أمره الله عز وجل بالحلم، ولو أن طبيعة الإنسان لا توجد فيها شهوة لما نهاه الله عز وجل عن الزنى.

    فطبيعة الإنسان ركبت فيه الشهوة الغضبية فتجده يندفع، وركبت فيها الشهوة الجنسية فيحب أن يتزوج أو أن يقع في الحرام، والله عز وجل يريد تهذيب شهوات الإنسان، فأمره إذا غضب أن يكون غضبه لله سبحانه وتعالى، وإذا سارع واستعجل أن تكون مسارعته في الخير وليس في الشر. وأما التهور والاندفاع إلى الحرام فقد هذبها الله في الإنسان وقال له: أنت مخلوق من عجل، أي: فيك عجلة وتهور واندفاع وطيش، فهذبها بالتعلم وبالتحلم.

    والإنسان لن يكون حليماً بين يوم وليلة، ولكن بالتأني شيئاً فشيئاً، وبفضل الله عز وجل عليه يصبح صبوراً حليماً.

    بيان فضل التأني والحلم

    فربنا يخبرنا عن خلق الإنسان أنه خلق عجولاً. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان).

    فإذا كان العبد متأنياً فهذه هبة من الله عز وجل، والعجلة من الشيطان ومن وسوسته، فإنه يظل وراء الإنسان إلى أن يجعله متهوراً ومتعجلاً، فيندفع في القول الذي لا يريد أن يقوله ويقع في الحرام. وفي الحديث: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً).

    وقد يندفع الإنسان في الكلام فيقع في الكفر والعياذ بالله، وقد يندفع فيطلق امرأته مع اندفاعه، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالحلم وقال: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]. فتصبر.

    وهذه الآية يرد فيها الله سبحانه وتعالى على الكفار الذين كانوا يتعجلون العذاب، ويقولون: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا [ص:16]، ويقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]. فجهلهم وطيشهم دفعهم لتعجل الانتقام، وتعجل العذاب من عند الله.

    وعيد الله للمشركين تحقق في بدر

    فقال لهم الله: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي [الأنبياء:37] أي: لا تستعجلوا، فترون هذه الآيات. وكان من آياته العظيمة ما حدث لهم في يوم بدر، فقد جاءوا بعددهم وعُددهم، وجاءوا بحدهم وحديدهم؛ لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، والإجهاز على هذا الدين.

    فلما جاءوا وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لشيء آخر، ولم يفكر أنهم سيأتون بهذا العدد. وكان قد خرج لأخذ عير قريش، فلما وصل إلى أرض بدر علم أن قريشاً قد تجهزت وخرجت للقائه صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلث عدد الكفار، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.

    وأما العُدد التي كانت معهم فقد كانت عُدد تكفيهم لأخذ القافلة فقط، وليس لمقاومة جيش، فإذا بهم يجدون أنفسهم فجأة أمام هؤلاء، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيهم، فأجابه هؤلاء الصحابة الأفاضل وطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم، وأنهم سيثبتون، وقالوا له: إنك لو أمرتنا أن نمشي حتى نأتي برك الغماد لأتيناها ولا نعصيك في أمرك. وقالوا له: امض لأمر الله ونحن معك.

    وقد أراهم الله سبحانه تبارك وتعالى الآيات العظيمة، فإن الكفار وفيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من كبار الكفار، جاءوا ومعهم جنود الكفر في زهو وفي غرور يريدون أن يستأصلوا شأفة الإسلام والمسلمين.

    فلما قدموا إلى بدر أراهم الله عز وجل آياته العظيمة، فقد كانت الملائكة تنزل من السماء ويراها الكفار تقاتل مع المؤمنين فقد كان المؤمن يرفع سيفه ليضرب به رأس الكافر فيسبقه سوط الملك في ضربه، فتخضر عين الكافر من ضربة الملك عليها قبل أن يصل إليها سيف الإنسان المسلم، فأرى الله عز وجل آياته للفريقين، للمؤمنين ليثبتوا، وللكفار ليريهم الذي كانوا يتعجلونه. (ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى بدر من المشركين ونادى عليهم، فنادى على أبي جهل وعلى الوليد بن عتبة وعلى عتبة بن ربيعة وعلى شيبة بن ربيعة، وقال لهم: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم؟ حقاً؟! فقال له عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: صاروا جيفاً في القليب، فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لي منهم)، يعني: هم يسمعون أكثر مما تسمعوني؛ فقد عرفوا الحق من عند الله سبحانه، وأراهم آية من آياته.

    فقال لهم الله في هذه السورة المكية: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37]، أي: فعلى ماذا تستعجلون؟ فكان حتفهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية، وقتل كبرائهم من مشيخة قريش الكفرة.

    وفي قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] قراءتان، قرأها الجمهور بنون مكسورة في آخرها، فإذا وصلوها قرءوها: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [الأنبياء:37-38].

    وقرأها يعقوب في الوقف والوصل بالياء في آخرها (فلا تستعجلوني)، يعني: لا تعجلوا عليّ بالطلب، فإني قد أمرت، وما أردته فهو كائن وحاصل بكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنبياء:38].

    أي: متى يوم القيامة؟ فالسؤال الذي دائماً كان يسأله الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين قولهم: أنتم تخوفونا بيوم القيامة، والخروج من القبور، والعرض على ربنا، فلماذا لم يأت؟ ومتى هذا الوعد؟ وخاصة عندما قال الله لهم في سورة النحل وهي مكية: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1]. فيقولون: أين هذا الذي أتى؟ فما جاء هو ولا غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ...)

    قال الله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء:39].

    وفي هذه الآية شرط، ولم يأتي بجوابه؛ لنتخيله نحن.

    قال تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39]، ولو علموا فمستحيل أن يتمنوا ذلك اليوم، ولخافوا وذعروا وارتعبوا ولآمنوا. وهذا هو الجواب الذي سيكون لهذا الشرط، أي: لو يعلمون ذلك لآمنوا.

    فلو علموا علم اليقين ورأوا هذا الشيء أمامهم ماثلاً يوم القيامة ورأوا العذاب لقالوا: آمنا، ويندمون ولا ينفعهم ندمهم.

    قال تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ [الأنبياء:39]. ويكفون من كف الشيء، يعني: يستخدم كفه في صده وكفه، ومنه: يتكفف الناس، ويستكف الناس، يعني: يطلب من الناس بكفه.

    فالإنسان عندما تأتي عليه مصيبة أو تأتي عليه نار أو يأتي عليه شيء فإنه يدفعه ويكفه بيده قال تعالى عن أهل النار: حين لا يكفون عن وجوههم عن النار؛ لأن أيديهم فيها السلاسل والأغلال. فعندما تأتي النار على وجوههم لا يقدرون على صدها ومنعها عن أنفسهم شيئاً.

    ففي الدنيا يطفئ الإنسان النار بيده، وأما في يوم القيامة فلا يقدر على ذلك، قال تعالى: حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39]. وذكر الوجوه والظهور؛ لأنهم كانوا يكلحون بوجوههم للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نظروا إليه نظروا إليه بغضب، ويكلحون في وجهه، ثم يعترضون عليه ويعطونه ظهورهم، فلا يؤمنون ولا يصدقون.

    فقد كان الكافر عندما يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقابله بوجه عبوس، فيوم القيامة تأكل النار وجه هذا الإنسان الذي عبس به للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ظهره، واتخذ هذا القرآن مهجوراً، وجعله وراءه ظهرياً. فهم بدلاً من أن يعطوه وجهاً حسناً، ويطلبون العلم منه، ويتعلمون هذا الدين العظيم أعرضوا، فكان جزاؤهم أن النار تأكل وجوههم وظهورهم وأبدانهم.

    قال الله سبحانه: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [الأنبياء:39].

    فلا هو يقدر أن يكف النار عن نفسه بيده، ولا أحد من الناس يغيثه وينصره ويأخذ ما به من نار وغيرها.

    فيوم القيامة يصرخ هذا الإنسان، ولا أحد يجيره وينصره من الله سبحانه تبارك وتعالى، قال تعالى: لا يَكُفُّونَ [الأنبياء:39]، أي: لا يستطيع هو أن يزيل هذه النار، ولا أحد ينصره.

    قال تعالى: بَلْ تَأْتِيهِمْ ، أي: الساعة بَغْتَةً [الأنبياء:40]، وإن لم تكن القيامة فستأتيهم ساعتهم بغتة. وساعة الكافر وقت خروج روحه، فيرى ملائكة الجحيم، سود الوجوه، ومعهم مسوح من النار، وحنوط من النار، وأكفان من النار، ويقولون: اخرجي يا روح الكافر. فيرتعد هذا الإنسان الكافر فتتفرق الروح في جسده من شدة الرعب، فينتزعها الملك كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتتمزق وتتقطع منه العروق والعصب، كما يشبهها النبي صلى الله عليه وسلم بانتزاع السفود الذي هو مليء بالشوك من الصوف المبلول.

    فإذا جاءت ساعتهم بغتة، أي: فجأة فَتَبْهَتُهُمْ [الأنبياء:40] أي: تصدمهم الساعة حين تأتيهم. والبهت: الشيء المفاجئ الذي يدهش ويحير الإنسان، فيجلس محتاراً لا يعرف رأسه من رجليه. فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة، أي: يوم القيامة. أو تأتيهم الساعة يعني: يومهم وميقاتهم وموعدهم وموتهم، فإذا بهم مبهوتون متحيرون لا يقدرون أن يعملوا شيئاً، كالإنسان المبهوت يجلس متحيراً، فاتحاً فاه لا يعرف يتكلم بشيء، ولا يقدر أن يدفع عن نفسه، فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة فجأة من حيث لا يحتسبون ولا يظنون. فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [الأنبياء:40]، أي: فلا يستطيعون رد الساعة. وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [الأنبياء:40]، أي: لا يمهلون، فلا يوجد تأخير ولا إمهال ولا توبة ولا غيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك..)

    قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنبياء:41].

    يعني: إن الاستهزاء ليس أمراً جديداً، فاصبر ولا تكن عجولاً كعجلة هؤلاء ولا تطلب من ربك سبحانه ما لم يأتِ الآن، ولكنه سيأتي بعد ذلك.

    فقال له ربه: لقد استهزئ بمن قبلك من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فاستهزأ بهم أقوامهم فكانت النتيجة فحاق ، يعني: نزل بهم نزول إحاطة، وقد يمكن لشخص إذا أتى له شيء من العذاب أن يهرب، وأما هذا فلا؛ لأنه أحاط به العذاب ودار به فلم يستطع أن يهرب منه.

    قال تعالى: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ [الأنبياء:41]، أي: بالذين سخروا من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنبياء:41]. كما قال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، فهم سخروا واستهزءوا من وجود البعث والنار والعذاب، فيقول لهم: هذا الذي كنتم تسخرون منه وتستهزئون به قد أحاط بكم فلا تقدرون على الفرار منه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ...)

    قال تعالى آمراً نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول لهؤلاء المشركين: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:42].

    والكلاءة: الحفظ والحراسة. يعني: من يحرسكم فيمنعكم من الله عز وجل ليلاً أو نهاراً، ومن ينصركم ويدافع عنكم إذا جاء أمر الله سبحانه؟

    قال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ [الأنبياء:42] أي: من يحفظكم ويحرسكم ويصونكم من بأس الله وقوته وقدرته سبحانه تبارك وتعالى؟ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الأنبياء:42]. فلا يستطيع أحد أن يحميكم من الله عز وجل في أي وقت من ليل أو من نهار.

    قال تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:42]، أي: بل هم عن هذا القرآن الذي فيه ذكر الله عز وجل وفيه التذكرة بآياته عز وجل، معرضون، أي: قد أعطوه ظهورهم، فلذلك أكلتها النار يوم القيامة، حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعم من دوننا ...)

    قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ [الأنبياء:43].

    أي: أضرب عن هذا، بل ألهم آلهة؟ فـ(أم) هي المنقطعة التي تقدر بـ(هل) أو (بالهمزة)، و(بل)، فيكون المعنى: بل ألهم آلهة من دون الله عز وجل ينصرونهم ويحفظونهم ويمنعونهم؟ وهل هذه الآلهة (الأصنام) إذا نزل عذاب الله تستطيع أن تدافع عنهم؟

    وهم أعلم الناس بأن الأصنام لا تدفع عن نفسها فضلاً عن أن تدفع عن غيرها فهل لهم آلهة تمنعهم من بطشنا، وتدفع عنهم عذابنا؟

    قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43].

    أي: لا الآلهة تستطيع أن تنصر نفسها، ولا هؤلاء الكفار يقدرون أن ينصروا أنفسهم، وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43]، أي: ولا هم منا يمنعون ويجدون من يصحبهم فيرفق بهم، ويجيرهم من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فكأن المصاحبة هنا مثل الإنسان عندما يخاف من قوم يهرب منهم، وعندما يحب أن يرجع إليهم يأتي بشخص معه يصحبه ويدخل معه، فيدخل في جوار فلان الذي أجاره، فيكون معنى قوله: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43] لا يجيرهم أحد من عذابنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم ...)

    قال الله سبحانه: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [الأنبياء:44].

    يعني: كأن الذي جعلهم يستكبرون ويتعالون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين هو أنهم متعوا، أي: أعطاهم الله عز وجل في الدنيا المال والبنين، وأعطاهم من فضله ومن كرمه سبحانه، فإذا بهم يتطاولون على ربهم سبحانه وعلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: إننا متعناهم وبسطنا لهم من الرزق هم وآبائهم حتى اغتروا بهذه الدنيا.

    كما قال تعالى: حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [الأنبياء:44]، يعني: طالت أعمارهم في النعمة، وعمروا السنين الطويلة في النعم. وقد قال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [قريش:1-2].

    فقوله: لِإِيلافِ [قريش:1]، أي: ألفوا ذلك. وقد كانوا يذهبون صيفاً إلى الشام وشتاءً إلى اليمن، ويأتون برزقهم الذي ساقه الله عز وجل إليهم، وهم أهل الحرم، وقد أمنهم ربنا سبحانه وتعالى وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]. فجعلهم في أمان، وجعل لأهل الحرم مكانة وسط العرب، وجعل لهم رحلتين، يأتون فيهما بالأرزاق يميناً وشمالاً من اليمن ومن الشام، وأمنهم وأعطاهم الثمرات، وجعل بلدهم بلداً آمناً يجبى إليه من كل الثمرات، كما قال تعالى: رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص:57]. وأراد منهم أن تكون النتيجة كما قال: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، فكان جزاء إحسان الله أن عبدوا غيره سبحانه وتعالى، فمتعهم وأعطاهم وقال: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    وقال سبحانه هنا: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [الأنبياء:44]، أي: في النعمة. وقالوا: نحن كنا في نعمة وكذلك آباؤنا، فافتخروا بذلك. وأوصلهم افتخارهم أن وصلوا إلى المقابر يفتخرون بعظام الموتى. قال الله عز وجل: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1]. والتكاثر: المفاخرة والافتخار، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]، فتلهوا بذلك، وقالوا: نحن أكثر عدداً منكم، وانظروا إلى آباءنا الذين ماتوا كانوا أكثر من آبائكم، وقبيلتنا أكبر من قبيلتكم.

    قال تعالى: حتى طال عليهم العمر، أي: في الفخر في نعمة الله، وظنوا أن الذي أعطى النعمة لا يأخذها، فجحدوا نعم الله عز وجل واستكبروا على خلق الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (... أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون)

    قال الله سبحانه: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44].

    وكأنه هنا يذكر الكفار بقدرة الله سبحانه على تبديل الأحوال، من حال إلى حال آخر، وهم يرون تنازع الفرس والروم على الأرض، وهما أكبر بلدين موجودين وأكبر إمبراطوريتين.

    قال تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم:2-4].

    والله عز وجل يأتي بجنود من مكان فيغلبون الجنود الذين في المكان الآخر، وتصبح الأرض التي في يد الأول بيد الثاني، فتقصر الأرض من جهة وتطول من جهة، أفلم يرَ الكفار مثل ذلك، بأن الله يأتي الأرض فينقصها من أطرافها؟ فقد يكون الإنسان يملك ممالك كثيرة فيأتي عليه جيش من أعدائه فيأخذ نصف ما بيده أو أكثر، فتضيع مملكته أو كثير منها، وتصير من حق الآخر. فإذا كانت الدنيا دول تدول وتضطرب وتتغير مرة مع هؤلاء، ومرة مع هؤلاء، فمن الذي يعصمكم أنتم من الله؟

    فقد تطاولتم وكنتم في النعم، أفلا تخافون أن يأخذ الله عز وجل منكم هذه النعم؟ فكأنه يذكرهم بالنظر إلى ما حولهم، من أن الأرض قد يملكها إنسان ثم فجأة يأخذها غيره، والعرب كانوا يعرفون ذلك حين يغير بعضهم على بعض، وتغير القبيلة على قبيلة ثانية وتأخذ ما بأيديهم، ثم ترجع الثانية تغير عليهم وتسترد ما أخذوه، فتكون الأموال بأيديهم ثم فجأة تصير إلى آخرين، ثم فجأة ترجع إليهم، فتكون الدنيا دولاً فلا يغتر الإنسان بالدنيا التي معه.

    وهذا معنى من المعاني الواردة في الآية، فكأن معنى: نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41]. أي: بالقتل والسلب والغصب وأخذ أموال البعض وإعطائها للبعض الآخر. فهذه آية كانوا يرونها أمامهم.

    وقالوا: إن من معاني هذه الآية: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء:44]. إن الأرض كلها كفر، ثم ظهر الإسلام، وبدأ الإسلام غريباً، ثم زاد الإسلام وزاد جنوده، إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جاء الجهاد في سبيل الله سبحانه وانتصر المسلمون على الكفار، وفتحت الأرض أمامهم، فزادت أرض المسلمين وقلت أرض الكافرين، ثم فتح المسلمون مكة، وفتحوا ما حولها من البلدان، ودانت لهم الحجاز جميعها، ثم توجهوا إلى الشام فاتحين، ثم توجهوا إلى الجنوب وإلى الشرق وإلى الغرب، وفتح الله عز وجل من فضله ومن كرمه على المسلمين؛ فأصحاب هذا القول يرون أن الآية نزلت في مكة قبل الفتوحات.

    والقرآن صالح لكل زمان ومكان، والله عز وجل يأتينا بالمعنى الذي يفهم في وقت على معنى، وهو معنى صحيح، ثم يجد الأمر، ويجد أمراً أمامه، فيقول للكفار الموجودين: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء:44]، فيجدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن البقاع التي في أيدي المسلمين تزيد، والتي في أيدي الكفار تقل، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن يأتي أمر الله سبحانه، ولا يترك الله عز وجل بيت حجر ولا مدر إلا ويدخله هذا الدين العظيم، وهذا معنى من المعاني.

    الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)

    وعلماء الفلك لهم معنى آخر إضافة إلى ذلك، وهو ليس إلغاء لهذا المعنى؛ لأن المعنى الذي ذكروه هو معنى عُرف الآن، ولم يكن معروفاً من قبل ألف وأربعمائة سنة، فهم الآن حين يكتشفون شيئاً، فهذا دليل على أن هذا القرآن العظيم معجز، فهو في كل وقت يفهم على معنى صحيح موجود فيه، ولا يأتي معنى يلغي معنى آخر، فلا يكون المعنى الذي اكتشفه العلم الآن يلغي المعنى القديم، وإنما المعنى القديم على ما هو موجود، وهو معنى صحيح.

    فعلماء الفلك يقولون في قوله تعالى: أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء:44]، إن الأرض يحدث لها انكماش دوري، فعندما تنفجر البراكين في داخل الأرض تخرج الغازات من داخلها، وتخرج المواد الموجودة في داخل الأرض، فيصير مكان البركان فارغاً في الداخل فتنكمش الأرض على نفسها.

    وهذا كلام الدكتور زغلول النجار ، وكلامه جميل جداً في هذه الآيات الكونية، ففي كلامه أشياء عظيمة جداً وجميلة، وتفسيرات جميلة. وإن كنا نقول: إنه ليس معنى كون هذا التفسير صحيحاً أنه يلغي التفسير الماضي؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأمة منذ ألف وأربعمائة سنة ماضية تفسر هذه الآية على معنى خطأ لا يفهمونه من القرآن، ولكن هي معان صحيحة، وإنما يضاف معنى إلى معنى، ويظهر الله عز وجل ما يجد من أشياء.

    فيذكر لنا أن الأرض تنكمش على نفسها باستمرار، فنقصانها من أطرافها يكون في انكماشها.

    ويذكر أنهم اكتشفوا: أن هذه الأرض كان حجمها ألفي مرة قدر حجمها الآن. فهي تنكمش على نفسها شيئاً فشيئاً؛ بسبب البراكين والزلازل وما يخرج منها، فتنكمش الأرض على نفسها بذلك، فهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك في ذلك.

    ومن المعاني التي يذكرها علماء الفلك في الآية أنهم يقولون: عوامل التعرية تأكل من قمم الجبال، من الهواء وغيره، وتنزل فيه منخفضات وترفع فيه أخرى، ويقولون: إن وزن العمود الصخري وهذا كلام الدكتور زغلول أيضاً، من مركز الأرض إلى أي نقطة على سطح الأرض لابد أن يكون مستوياً في كتلته مع كل عمود على أطراف الأرض جميعها.

    فإذا جاءت عوامل التعرية وأخذت من فوق الجبال ونزلت على المنخفضات، فإنه يحصل نوع من عدم التساوي. يقول: ولو طغى الأمر على ذلك مع دوران الأرض حول نفسها، ودورانها حول الشمس فإن القوة الطاردة المركزية تطير الأشياء التي هي أثقل وزناً حتى تعود الأرض إلى ما كانت عليه ويجعل الله عز وجل شيئاً آخر عوضاً عما ذهب بسبب عوامل التعرية، وهي البراكين التي تخرج من الأرض، فتعيد التوازن إلى سطح الأرض مرة ثانية، فهذا إنقاص للأرض من مرتفعات، وإعلاء لمنخفضات غيرها، فيتغير الأمر، وتتساوى كل الأعمدة الصخرية التي في الأرض. وهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك.

    ثم يقول الله عز وجل: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44]؟ يعني: إذا رأوا أننا نصنع ذلك بالجبال، ونصنع ذلك بالبراكين التي لا يقدرون أن يقاوموها، ونصنع ذلك بالأرض فنجعلها دولاً للناس مرة في يد فلان ومرة في غيره، أفهم يغلبوننا؟ وهم قد أشركوا بالله تبارك وتعالى، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً، وهو الذي يملك هذه القدرة العظيمة، أفهو الذي يغلب؟ قال تعالى: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44]؟

    والجواب: مستحيل أن يكونوا هم الغالبين، وقد رأينا كيف صنع ما صنع بهؤلاء المتكبرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي...)

    ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:45].

    أي: بهذا القرآن، الذي جاء بالمواعظ، وجاء فيه التهديد والوعيد، وجاء فيه التشريع من رب العالمين، وجاء فيه التذكرة بقصص الأولين، وما يكون من أمر الساعة.

    قال تعالى: إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ [الأنبياء:45].

    يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء صمت آذانهم فلا يسمعون، ولن ينتفعوا بهذا الدعاء الذي تقوله.

    يقول تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ [الأنبياء:45]، أي: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء، فهم مثل الأصم، ومهما ناديت الأصم من قريب أو من بعيد لا يسمعك، وكذلك هؤلاء في آذانهم وقر، فلا يسمعون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم سمع إجابة.

    وهذه قراءة الجمهور: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ [الأنبياء:45].

    وقرأ ابن عامر : (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون)، يعني: أنت لا تسمع الأصم. والصم: جمع الأصم. فلا تسمع هؤلاء الذين لا يسمعون ولا ينتبهون إليك، طالما أن الله غلف على قلوبهم، فهم لا يفقهون ولا يفهمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك..)

    قال تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ [الأنبياء:46].

    والنفخة الشيء اليسير، ومنها نفحة المسك. فلو أن شيئاً من عذاب الله عز وجل مس هؤلاء لصرخوا وقالوا: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء:46]، أي: لئن مسهم شيء يسير من عذاب الله؛ ليقولون معترفين بظلمهم: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء:46].

    ولكن قولهم هذا لا يقولونه إلا عندما يأتيهم العذاب، وإذا جاءهم العذاب لا ينفعهم هذا القول مهما ندموا ومهما تابوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة...)

    قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47]. ويوم القيامة يعرض ويظهر ما كان خفياً في الدنيا.

    وأعمال العباد التي كانت معنوية صارت مجسدة حقيقية يوم القيامة، وتوضع فوق الميزان، وكل إنسان له ميزانه، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47]، أي: الموازين العادلة، والموازين جمع ميزان.

    والقسط مصدر، ولذلك يوصف به المفرد، فيقال: الميزان القسط، ويوصف به المثنى، فيقال: الميزانان القسط، ويوصف به الجمع فيقال: الموازين القسط؛ لأن القسط مصدر، فيوصف به في الإفراد والتثنية والجمع بنفس الصورة. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.

    وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [الأنبياء:47].

    وحبة الخردل أقل الحبوب وزناً.

    قرأها نافع وأبو جعفر (وإن كان مثقالُ)، وقرأها الجمهور: وإن كان مثقالَ حبة، أي: وإن كان عملك مثقال حبة. وعلى القراءة الأخرى: (إن كان مثقالُ حبة من خردل) يكون المعنى: وإن وجد مثقال حبة من خردل.

    أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47]، فهذه أقل الأعمال لا يضيعها الله عز وجل، كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    قال سبحانه هنا: أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47]، أي: أحضرناها في يوم القيامة. وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، وأنت لن تقدر أن تحسب ما يحسبه الله سبحانه، ولا أن تعد ما يعده الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، أي: نحسب عليكم أعماركم وأعمالكم وأقوالكم ونواياكم، ونحسب عليكم كل ما صنعتم ونحاسبكم ونجازيكم عليه الآن.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003755705

    عدد مرات الحفظ

    718725447